الرقابة على المجتمع تخلّف مطلق

18 آب 2017 | 23:46

المصدر: "النهار"

ثمّة تضادّ عظيم بين نظرة يسوع إلى السلطة الدينيّة من جهة، والسلطة التي يمارسها باسم كنيسته مَن ينصّبون أنفسهم أوصياء على الناس وعقولهم وضمائرهم من جهة أخرى. وبقدر ما كان يسوع عفيفًا عن ممارسة السلطة فلم يسعَ إلى فرض تعاليمه على الناس، بالقدر ذاته نرى بعضًا من رجال الدين ممّن يستولي على حقّ إلهيّ يفرض فيه رأيه كما لو أنّه رأي إلهيّ منزّل من فوق... وفي هذا الأمر منتهى الإشراك بالله تعالى. 

 عندما طلبت من يسوع أم يعقوب ويوحنّا ابني زبدى أن يجلس ولديها واحد عن يمينه والآخر عن يساره، أجابها يسوع: "أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلّطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل مَن أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا..." (متّى 20، 20-28). تلاميذ يسوع الأقربون، قبل العنصرة، كانوا يطمعون بالسلطة. كلّهم فيهم شيء من يهوذا الإسخريوطيّ الباحث عن الشهرة والمال. الفرق بينهم وبين يهوذا أنّهم بعد أن شاهدوا يسوع الناهض من بين الأموات تابوا وعملوا وفق تعاليم يسوع. لكن يبدو أنّ العديد من "تلاميذ يسوع" المعاصرين لم يُشفَوا بعد من مرض السلطة، فيفرضون بقوّة المنع المتاحة لهم سلطة الوصاية على المجتمع، وعلى الناس، وعلى العقل.

 لن نعيد رأينا بمنع فيلم من الأفلام. فقد أصبح المنع مبتذلاً ومثيرًا للسخرية بسبب عدم قدرة صاحبي الأمر على تنفيذ مشيئهم بسوى صالات السينما، فيما يستطيع مَن شاء أن يحضر الفيلم على وسائل الاتّصالات العديدة المتاحة على الإنترنت. لكنّني أودّ أن أستعيد الفقرة الآتية من مقالة لي عنوانها "أين الخطر من فيلم على الإيمان" (النهار، 16 أيّار 2012): "إذا كان بعضهم سيغيّر دينه، أو سيغادره، جرّاء مشاهدته لهذا الفيلم، تكون المشكلة في إيمان هذا البعض لا في الفيلم. وتعزيز الإيمان مهمّة رجال الدين عبر خطاب منفتح على العالم والعصر يقنع سامعيه بصوابيّة إيمانهم وعدم قدرة أيّ كان على زعزعته. التحدّيات كثيرة، لكنّ سياسة الحظر والمنع لا تليق بأهل الإيمان".

 بإيعاز من رجال دين، يمثّلون مؤسّسات دينيّة أو لا يمثّلونها لست أدري، يتمنع عرض فيلم من الأفلام. يصبح، تاليًا، رجل الدين أكبر من مؤسّسات الدولة كافّة. يصبح صاحب السلطان. تغيب الدولة... هو يحتلّ مواقع القضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يعطي أحكامًا قاطعة لا تخضع للاستئناف أو للتمييز. كلمته تصبح أمرًا إلهيًّا لا يسع أحدًا أن يعصيه. ينصّب نفسه مراقبًا عامًّا على سلوك الناس وتصرّفاتهم. يعيّن نفسه وصيًّا شرعيًّا على المجتمع القاصر من دون احترام للتنوّع والتعدّد. ينظر في المرآة ويقول لنفسه: سبحاني ما أعظم شأني، أنا المنقذ الناس من الضلال... بكلمة، هو يُبطل العقل ويلغيه لصالح عقده الدفينة الظاهرة.

الإساءة إلى ديانة من الديانات لا يمكن أن تأتي من خارجها، فالمسيء لا يمكن أن يسيء إلى سوى نفسه. الإساءة التي تلحق بالديانة مصدرها من داخل، من تصرّفات وسلوكات العديد من رجال الدين الذين يستغلّون مواقعهم وقيافاتهم، والذين يستبيحون المنابر لنشر الجهل وبثّ روح الفتنة والتقاتل الأخويّ. فمَن يرغب في كفّ الإساءة عن إيمانه وديانته، فليعفف لسانه عن كيل التهم واستنهاض الهمم وإدانة الآخرين وممارسة سياسة الرقابة. فإذا كان أحد الأفلام أو المسلسلات أو الكتب "يسيء" إلى الديانة المسيحيّة، فالردّ لا يكون بالمنع بل باستعمال الوسائل الحضاريّة الأخرى. فما الحاجة إلى منابر الوعظ والهداية، وإلى الوسائل الإعلاميّة والتواصليّة، إن لم تُستعمل في سبيل المعرفة السديدة والتوعية الرشيدة؟


والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard