أنقرة وفشل الرهان السوريّ ... مسؤوليّة أردوغان أم "كيسنجر تركيا"؟

9 آب 2017 | 16:55

المصدر: "النهار"

تعرّضت السياسات التركيّة في سوريا لانتكاسات كبيرة تظهّرت من خلال غموض الأهداف التركيّة وتبدّلها على امتداد الأزمة. يعود ذلك إلى سلسلة من التعقيدات التي صعب على معظم الباحثين وصنّاع القرار قراءتها أوّلاً ثمّ استشراف تداعياتها لاحقاً. وربّما تكمن المشكلة الأساسيّة التي ترافقت مع اندلاع الأزمة هو السياق "المخادع" الذي وُلِدت فيه والذي كان كفيلاً بحرف التحليل التركيّ (وغير التركيّ) عن متطلّباته ومعطياته.

الكاتب التركي بوراك بكديل من صحيفة "حرييت" رأى في "مؤسسة غايت ستون" الأميركيّة أنّ ما جرى في سوريا كان "رهاناً" تركيّاً بإسقاط الأسد وإيصال مجموعة مؤيّدة للإخوان المسلمين إلى السلطة. وبعدها، توقّع الأتراك أن يتمّ العمل على خلق حركة حرّة للرساميل والعمّال بين البلدين. لكنّ ما وصلت إليه الأمور هو أنّ الحدود المشتركة شهدت تبادلاً حرّاً للقنابل والقذائف عوضاً عن الرساميل بحسب تعبيره. ويشير إلى أنّ الاختلاف في وجهات النظر والأهداف بين أنقرة والغربيّين كان جزءاً أساسيّاً من الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا الحدّ. 

تبدّل الميدان ... والطموح

منذ سنة 2011 وحتى العام الحاليّ، تبدّلت معطيات الميدان أكثر من مرّة وفي أكثر من اتّجاه. وكان ذلك بطبيعة الحال ناجماً عن تغيّر السياسات الدوليّة تجاه الأزمة السوريّة مع تبدّل مواضع تأثيرها. فالأشهر والسنوات الأولى من النزاع لم ترخِ بثقلها الاستراتيجي على الدول الكبرى، كما حصل لاحقاً مع تعاظم موجة اللاجئين وانفلاش تداعياتها في أكثر من قارّة. يضاف إلى ذلك غياب الرؤية الأميركيّة الواضحة تجاه هذه الأزمة في معظم مراحلها، الأمر الذي زاد الرؤية التركيّة ضبابيّة وغموضاً. أمّا الانقلاب الفاشل فسمح بمزيد من إعادة التموضع في الطموح التركي داخل الأراضي السوريّة.



إنّ مجرّد انخراط الأتراك في مفاوضات #أستانا مع منافسهم الإيرانيّ على الساحة السوريّة وبرعاية #روسيا هو اعتراف واضح بأنّ خطط النفوذ الأساسيّة التي رسمتها #أنقرة تقلّصت إلى حدّ كبير. فبعدما كان الطموح يطال مركز صناعة القرار في #سوريا، تقلّص إلى حدّ تأمين الحدود الجنوبيّة للبلاد.

نقطة تحوّل

الباحث في مؤسّسة "ذا سنتشوري فاوندايشن" الأميركيّة يعتقد أنّ النزاع السوري بعد ستّ سنوات وصل إلى نقطة تحوّل "انقلبت بشكل حاسم ضدّ تركيا". ويشير إلى أنّ أنقرة لم تكن في يوم من الأيّام قليلة الاستثمار في إسقاط الأسد عبر المعارضة المتحالفة معها، كما هي اليوم. فأردوغان يرى الأولويّة الآن في ترسيخ سياسة ضمان أمن حدوده أوّلاً. لكن حتى هذا الهدف غير مضمون، بالنظر إلى أنّ الأطراف الفاعلة في الشمال السوريّ غير خاضعة للنفوذ الروسيّ أو الإيرانيّ.

من خطّط السياسة السوريّة لتركيا؟

يرى مراقبون أنّ أردوغان لم يكن المخطّط الوحيد للسياسة التركيّة في سوريا، بل اشترك معه في ذلك رئيس وزرائه السابق أحمد داود #أوغلو. ولهذا السبب يمكن أن يكون تنحّيه (أو تنحيته) جزءاً من الثمن المدفوع إزاء فشل الأهداف الأساسيّة التي رُسمت في البداية، مع عدم استبعاد أسباب داخليّة أخرى. انطلاقاً من تلك المستجدّات، وبعد مرور سنوات على اندلاع الثورة في سوريا وازدياد احتمال مراقبتها بنظرة أكثر موضوعيّة لدى المحلّلين، بات بإمكانهم إعطاء أسباب أوّليّة لفشل أردوغان في قراءة الأحداث السوريّة.

ثلاثة أسباب أوّلية

البروفسّور المساعد في مادة صناعة القرار السياسيّ والاستراتيجيّ في المعهد الحربيّ البحريّ الأميركيّ بوراك كادرسان يجد ثلاثة أسباب على الأقلّ دفعت أردوغان للوقوع في المراقبة الخاطئة للثورة السوريّة. وكتب في موقع "وور أون ذا روكس" الأميركيّ أنّ الأتراك نظروا إلى النموذج الليبي كمسار يمكن أن يطبّق في سوريا، من حيث السرعة النسبيّة في الإطاحة بالقذّافي أو من حيث سهولة دعم الثوار المادّي واللوجستيّ للتخلّص من نظام #الأسد كما جرى التخلّص قبله من نظام القذّافي.

أمّا السبب الثانيّ فهو عدم اهتمام العالم الغربيّ بمجريات الأحداث في سوريا، قبل أن تتحوّل قضيّة اللجوء إلى مشكلة عالميّة تسلّط وسائل الإعلام الضوء عليها. لذلك حاولت تركيا أن تتحرّك بسرعة لقطف ثمار فوز سريع يمكّنها من الترويج لنفسها كمناصرة لقضيّة إنسانيّة كبيرة. لكن "مع تركيز عيونهم على الجائزة، لم يستطع أردوغان وداود أوغلو رؤية أنّهما كانا كلاهما على خطأ". ف #سوريا ليست #ليبيا لا من ناحية تجانس المجتمع ولا من ناحية توزّع مراكز الثقل المديني الواجب السيطرة عليها. من ناحية ثالثة، كان الرئيس الليبي السابق معمّر القذّافي معزولاً في الخارج وغير محاط بشبكة أمان إقليميّة ودوليّة كما كان الأسد الذي هبّ الإيرانيّون والروس لنجدته، حتى ولو كان هذان الطرفان يعملان وفقاً لأجندتهما الخاصّة.

"كيسنجر تركيا"

سنة 2009، كتب المؤرّخ السوري سامي مبيّض مقالاً في صحيفة "غَلف نيوز" الإماراتيّة الصادرة باللغة الإنكليزيّة وصف فيه وزير الخارجيّة التركي المعيّن حديثاً آنذاك أحمد داود أوغلو بأنّه حاز سمعة "كيسنجر تركيا" بسبب طريقة صياغته للسياسات الخارجيّة. ورأى حينها أنّ السنوات القادمة ستثبت ما إذا كان أوغلو مساوياً لكيسنجر في الإرث". وورد اسم أوغلو في قائمة أبرز 100 مفكّر عالميّ وفق تصنيف مجلّة "فورين بوليسي" الأميركيّة في سنوات 2010، 2011 و2012 وضمن أبرز 100 شخصيّة مؤثّرة حول العالم وفقاً لمجلّة "تايم" الأميركيّة سنة 2012.

"صفر مشاكل"

لقد كان أوغلو مهندس سياسة "صفر مشاكل" لتركيا، لكنّ الوضع الحاليّ يثبت أنّ الرقم صفر غير مؤاتٍ مطلقاً لتوصيف ما تعانيه تركيا داخليّاً وخارجيّاً. قد يكون غير عادل تحميل الرجل وحده فشل السياسات التركيّة في أزمة تعثّرت عند حدودها أكثر من قراءة إقليميّة ودوليّة لاستجلاء آفاقها. وعلى كلّ حال، يحتاج الباحثون في السياسات التركيّة إلى الكثير من الوثائق للتعرّف إلى خفايا العلاقة بين أوغلو وأردوغان وكيفيّة صياغتهما لرؤية مشتركة أو متباعدة في إدارة سياسة دولتهما إزاء النزاع السوري.


خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard