الجيش ليس ذاهباً الى السينما وطريقه النصر... متى "الساعة سين" وماذا يخبئ ملعب العدو؟

9 آب 2017 | 20:28

المصدر: "النهار"

الاستسلام أو الموت. خياران لا ثالث لهما، أمام ما يقارب ستمئة عنصرٍ منتمٍ الى تنظيم داعش الارهابي، قابعين في جرود رأس بعلبك والقاع. يحتل المسلحون قرابة 230 كيلومتراً مربعاً، ما يقارب 5% من مساحة لبنان، في منطقة سيطرة تتداخل فيها الجغرافيا اللبنانية - السورية.  

ولا منفذ للهروب أمامهم، في ظل الحصار المطبق من الجيش اللبناني من جهة والجيش السوري من الجهة المقابلة. واذا كان داعش لا يغلّب منطق التفاوض في قاموسه، بل يسعى في اعتقاده الى الموت محبّةً بالجنة ولقاء الحوريات، فإن قتاله حتى آخر رمق، مسألة قد تكون مرجّحة تدعمها تضاريس الجرود المتعرّجة والمناخ الجاف وحيازة أسلحة متنوعة كان قد كسبها في معاركه على الأراضي السورية. لكن مقوّمات الصمود، قد لا تتعدى الأسبوعين في ظلّ تعاظم قدرة الجيش وبنيته ومعنوياته المرتفعة وتأنيه في الخطوات المتخذة وأهبة استعداده لدكّ مواقع العدوّ بعد عمده الى ارهاقها برمايات شبه دائمة.

المقاربة المذكورة، هي واقعياً زبد مقابلةٍ مفصّلة أجرتها "النهار" مع قائد المجوقل السابق، العميد الركن المتقاعد جورج نادر، الذي لخّص أجواء المعركة المرتقبة مستهلاً حديثه بعبارة: "الجيش ليس ذاهباً الى السينما"، في دلالةٍ على جدية المعركة التي في ختامها ستكلّل بالنصر، كخيارٍ وحيد لا ثاني له، فماذا في التفاصيل؟

"الساعة سين"

يحدد الجيش الساعة سين (ساعة الصفر في اللغة العسكرية) في مرحلة تلي مباشرة قوى المناورة (المشاة والمدرعات) احتلال الاهداف. وتسمى بساعة الانطلاق والهجوم. "وحده قائد الجيش يعي متى تحلّ الساعة، في وقتٍ يصير فيه قائد الفوج وأركانه وآمرو الفصائل في جهوز تام للتنفيذ. وحتى حلول اللحظة، لا بد من ارهاق مراكز المسلحين برمايات الطيران شبه الدائمة. اذ ان كل هدف مرتقب يتعرّض لوابلٍ من القذائف، يتكبّد أكبر خسائر ممكنة وتشل حركته، في حال نجاته من التدمير"، يشرح نادر مؤكّداً ان "المعركة الفعلية انطلقت مذ قرابة ثلاث سنوات في ظلّ سيطرة رمايات الجيش التمهيدية مما ادى الى ارهاق المسلحين في مراكزهم نتيجة محاصرتهم بين الأراضي اللبنانية والسورية".

وفي تحديدٍ للمدة الزمنية التي تستغرقها المعركة قبل اعلان ساعة النصر الحاسمة، يقول ان "السرعة في تحديد "الساعة س" كلام عاطفي يدخل في صلب المعنويات. لكن المعركة تستغرق اسبوعين أقلّه لتتظهر. أكثر من احتمال يرد. اذ يمكن العدو ان يستسلم في غضون 3 ايام. ويمكن في حال التسليم بخيار القتال حتى الرمق الأخير، ان تستغرق أسبوعين. ذلك من دون الأخذ في الاعتبار معيار الغموض المكتنف المعركة".

ملعب العدو

الأرضية المنحدرة والتضاريس الجبلية عاملان يلعبان لمصلحة "داعش"، اذ لا يمكن اجتيازهما بالآليات المدرعة، وفق نادر. "فيما مناخ المنطقة جاف، حارٌ جداً في النهار وباردٌ في الليل، ما يؤثر في سهولة التحرّك. ما مفاده ان الطقس لاعب اساسي لمصلحة العدو المتحصن في مراكز عسكرية دشّمها مذ قرابة الست سنوات، بانياً طرقات محمية بين المراكز ومفعلاً التواصل بين جميع مراكزه". ويتابع نادر شارحاً ان "كلّ مركز يبعد من الآخر قرابة الألف متر، ما يؤكد قدرة المراكز على مساندة بعضها بعضاً في عملية الرماية. وهذا ما يسمى عسكرياً بالمساندة المتبادلة بالنار".

لكن نقطة القوّة الأساسية لدى داعش تتمثل وفق نادر في عقيدته. اذ انه يقاتل ليموت ويخال انه سيلتقي الحوريات في الجنة.

فيما تتمثل نقطة ضعفه، في قدرته المشلولة نتيجة الحصار المفروض عليه من الحدود اللبنانية - السورية. ذلك ان أحداً لا يستطيع إمداده بالعتاد والقدرات الحياتية على السواء، بما فيها المأكل والمشرب. ولا يغيب عن الظن جنسيات مقاتلي داعش الأمميين، ذات الأقلية السورية، ما يقطع الطريق أمام أي بيئة حاضنة لهم من الجهة المقابلة للحدود، حتى فصائل المعارضة. وبصيغةٍ أكثر وضوحاً، "انهم لا يتفقون مع أحد. الرقة تستقبلهم لكنها لا تحاذي الحدود اللبنانية، مع التشكيك في القدرة على تأمين ممر آمن في حال الاحتكام الى التفاوض" يقول نادر.

وعن عدد العناصر الارهابية في صفوف داعش، الموجودين منهم في الجرود، يقول ان "أحداً لا يستطيع اعطاء تقديرات دقيقة. تطوّر عددهم من 300 الى 600 في الفترة الأخيرة. لكن وعورة الأرض اللاعبة لمصلحتهم، تحتّم ضرورة استقدام قوّات كبيرة في عملية الهجوم وفق معادلة 5 جنود مقابل عنصر ارهابي واحد".

ملعب الجيش

الجيش يقاتل على أرضه ومصمم على تحريرها ما يعني انه مقتنع بعمله ومحفّز ومدرّب جيداً ومزود بالأسلحة اللازمة لمقاتلة الارهاب. وهو متأنٍ ودقيق ويدرس كلّ الاحتمالات بعناية. ولا يغيب عن الظن الاجماع الوطني والتكليف الصريح لقائد الجيش، مما يضاعف معنويات العناصر وصلابتهم فضلاً عن قوّتهم الذاتية وتخطيطهم الممتاز.

وفي حال تابع الجيش رمايات الارهاق واحتل مراكز دفعة واحدة في وقت قصير، يتوقع نادر ان يلجأ الارهابيون الى التفاوض، اذ لا خيار ثالث أمامهم: إما الموت وإما الاستسلام. والأهم ان الجرود غير مأهولة سكنياً، ما مفاده ان ورقة التفاوض في يد الجيش.

ولكن المشكلة تكمن في رأي نادر، في مساحة الأرض المشكلة 5% من مساحة لبنان. ما يدحض سهولة المعركة. في حين ان الطائرات التي في حوزة الجيش باهظة التكاليف، اذ يبلغ سعر شراء الصاروخ الواحد مئة ألف دولار، ولا تحمل على متنها سوى صاروخين اثنين، ما مفاده شحّ في النيران.

الأسلحة

دعمت القوات الأميركية الجيش اللبناني في العتاد والذخيرة واقامة له حلقات التدريب لقتال المجموعات الارهابية، مما ساهمَ في اكسابه تقنيات القتال وحوّله الى جيش محترف. وتتمثل الأسلحة المقدمة بالمدفعية والطائرات عالية الدقة في الرماية، ذخائر الليزر، الكاميرات الحرارية وكاميرات المراقبة الليلية والقناصات. فيما يحوز داعش أسلحة متنوعة كسبها في معاركه مع الجيشين السوري والحر، من بينها "التاو" ومضادات الدروع والدبابات، فضلاً عن تمتعه بخبرة قتالية عمرها ست سنوات.

وفي مقارنة بين معركة جرود عرسال التي خاضها "حزب الله" ومعركة الجيش المرتقبة في جرود القاع، يقول ان "مهمة الجيش أشقى من المواجهات التي خاضها "حزب الله" بعد مفاوضات استمرت أربعة أشهر، اثمرت في خواتيمها عن اخراج جبهة النصرة وسيرها في التسوية. حصل ذلك في ظل مواكبة الطيران السوري الذي أخذ على عاتقه تدمير مراكز التنظيم في كليتها. في حين ان عقيدة داعش مختلفة، غير مبنية على منطق التواصل المتبادل". مقاربة كهذه، تدفع نادر الى "استبعاد استسلام تنظيم الدولة الاسلامية الذي لم يرفع رايةً بيضاء في تاريخه، بل يمكن لمنطق التفاوض ان يشق طريقه وصولاً الى خيار الانسحاب".



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard