فؤاد العنجا شهيد عين الحلوة

3 آب 2017 | 14:58

المصدر: "النهار"

عين الحلوة.

أن تولد في مخيم، يعني أن تصبغ فيه صبغةً مدى الحياة في حياتك كجيناتك، كمقلة عينيك، تنتقل معك في أرجاء الكون.  

قدرنا كان مخيم #عين_الحلوة في جنوب صيدا. هنا الصرخة الأولى والنظرة الأولى إلى عالم لا يشبه أي عالم آخر. كنا نعتقده العالم الأبدي والوطن البديل. مختلف في كل شيء ويتفوق على كل شيء وعلى نفسه. وكانت فلسطين حاضرة دوما لا تغيب. عهود كثيرة ووعود بحياة افضل وتفوّق في شتى المجالات. حياة بسيطة وجميلة وصاخبة احياناً بالقلق والخوف، وصاخبة احياناً اخرى بالفرح البسيط. تكافل ومحبة وتضامن. حياة تصنع عنوة على رغم الصعوبات، وتستمر. حارات وأزقة ضيقة بالكاد تصلح للأحياء والأموات، لكن كل دروبها معبدة بالحب والأمل الساطع مع طلوع الشمس.

هنا اجتمعت جغرافيا البلاد وتاريخها. هنا تقاربت المدن والقرى البعيدة جدا واصبحت بقعة واحدة تسمى المخيم.

في منتصف الستينات ولد في حارتنا طفل غريب عنا لا يشبهنا ولا نشبهه، اسمه فؤاد. حينها كان يطلق عليه تسمية طفل منغولي (متلازمة الداون) ولم يكن أحد يعرف تسمية علمية لحالته وقتها. كان متميزاً بشكله، لكننا لم نُشعره يوماً بالاختلاف. واحياناً كنا نخاف منه ومن مزاحه السمج، وأحياناً كنا نحب خفة ظله.

كان يكرر الحركات نفسها. أما أمّ حسن، أمّه، فكانت حاميه ومرافقه الدائم، لكنه كثيرا ما كان يخيفها، حيث كان يختفي ليتجول هنا وهناك، وهي وتسأل عنه بيتاً بيتاً إن رآه احد. ولطالما نبّهتنا أمي الى عدم السخرية من الناس المختلفين عنا، وكانت تردّد أنهم خلق الله وأحبابه، وكانت تحثّنا على الرحمة واحترام البشر أياً كانوا. لذا كنا نتطوع للبحث عن فؤاد وحين نجده نعيده الى امّه التي كانت تشدّه بقوة وتضربه وهي تبكي، وتدعو على نفسها بالموت للخلاص من هذا الهمّ الكبير. أما اخوة فؤاد فتزوجوا ورحلوا مغادرين المنزل مبكراً، وبقي فؤاد صغير أبويه، أبو حسن وأم حسن العجوزين. أما نساء الحي فكن يتهامسن ان من تشيخ وتحمل، تنجب حالات كهذه، ويشكرن الله على خلقة اولادهن الطبيعية.

حين كبر فؤاد، كان كلامه مبهماً، وكلما سأله أحد عن اسمه كان يقول "العنجا". لا اعلم من اين أتى بهذا الاسم لنفسه. هكذا كبر فؤاد وصار اسمه العنجا، وجميع ابناء الحي كانوا يرددون: العنجا أتى والعنجا ذهب. لكن العنجا لم يكن الوحيد المختلف في المخيم. فقد كان هنالك نسبة لا بأس بها من المختلفين بتسميات اخرى وألقاب. وهذه عادة درج عليها الناس. لكن فؤاد وأمثاله كانوا كأنهم ولدوا من رحم واحدة، وكأن أمّ حسن أنجبتهم جميعاً لشدة الشبه في الشكل والتصرفات الواحدة اينما وجدوا. ام حسن كانت تكبر وتزداد مرضاً، وكم خافت ان يأتي يوم تغادر فيه الدنيا تاركةً العنجا وراءها. وكانت تبكيه لنساء الحارة وهي تحكي هواجسها وهمّها من ان يختفي فؤاد، وأبو حسن آخر من يعلم. فالاثنان أتعبهما العمر والمرض وبدأ برمي اثقاله على الاجساد الهرمة، فيما فؤاد يكبر جسداً فقط.

لكن الزمن لم يمهل أمّ حسن ولا المرض رحمها، فماتت ظهر أحد يوم ربيعي. بكى فؤاد بكاءً مريراً بصوت عالٍ وصل الى كل قلب. بكى كطفل صغير ورمى بنفسه فوقها وهو يحضنها لا يريد تركها. بكى وأبكى الناس. أما أبو حسن فكان منهاراً تماماً. رحلت أم حسن وبقيت الأيادي البيض والقلوب الرحيمة والأخوة ليتولوا رعاية فؤاد.

أيام المخيم بلا رتابة، فهي والجديد على موعد دائم. كل يوم يحمل حكاية ورواية ونهاراً لا يشبه الآخر. فؤاد كان قلق الحارة وضحكتها، حظي بعناية الجميع. فاليتم يؤجج المشاعر ويدرّ رحمة وشفقة لا تحضران بقية الايام مما عزز وضعه فصار فرداً من افراد كل عائلة ومسؤوليتها، رحمة بأبي حسن العجوز.

مرت الأيام والكل يكبر والحارة تكبر بضيوف جدد للعائلات التي تعشق الانجاب، وفؤاد يكبر جسداً، يقلد الجميع بطريقته ولا يوفر احداً فيضحكون له. كان يرقص ويدندن كلاماً مبهماً يوحي للجميع بأنه يفهم ما يسمع فيقهقه سعيداً.

في نهاية الستينات جاءت الثورة وحملت معها رياح التغيير، وأبرزها الأمل الكبير بتحرير فلسطين الذي كنا نراه في كل بيت. تنفس الناس الصعداء. تغيرت الدنيا وصار المخيم واسعاً وأكبر من وطن. كنا نسير في دروب العمر شبّاناً متباهين بثقافتنا، ونرصد الواقع الجديد ونتأثر به ويزداد اعجابنا. كان انفتاحاً لعالم مظلم وصار عالماً يملك الشمس. كان المخيم يتطور والحلم يكبر ويتسع.

صيف 1982 اجتاحت اسرائيل جنوب لبنان، وبدأت عدوانها بالقصف على كل القرى والمدن الجنوبية والمخيمات، وخصوصاً ان هدف هذه الحرب اخراج المقاومة . عاش المخيم وقتها حال غليان حيث كان الشبان مستعدين للمواجهة. فتحت الملاجئ واخذ المقاتلون مواقعهم العسكرية في ظل حركة دؤوبة سريعة وقلقة. كانت العائلات تلملم ابناءها وتركض عند سماع صوت اي انفجار وقصف. لقد كانت حرباً وعدواناً شرساً. أما فؤاد فلم يكن يكترث لشيء، فهو لا يعرف الخوف ولا يعرف الحرب ولا غيرها. ربما ظن ان هنالك من يمازحه، وان هذه الأصوات هي العاب نارية، وان الجميع يلعب "الغميضة" نتيجة التراكض والاحتماء من القصف. وكانت النسوة ينادينه ليدخل الملجأ، الا انه كان يرفض ويروح يجول في الحي غير مبال، فلا الأصوات المرعبة ولا الظلام ولا الخوف في عيون الناس والأطفال كانت تعني له شيئاً. وربما للمرة الأولى شعر بأنه ملك الحارة، لذا كان يمشي مختالاً مزهواً بنفسه غير آبه بأحد او بشيء. أحياناً كثيرة كان يمر به بعض المقاتلين ويطلبون منه العودة الى بيته او الملاجئ، الا انه لم ينصع الا لما يدور في رأسه فقط.

في شهر حزيران اشتد القصف وبدأ العدو يلقي بمناشير فوق المخيم يطلب من المدنيين الخروج الى صيدا ومن المقاتلين رمي اسلحتهم . الا انهم أبوا ذلك طبعاً، فقرروا الشهادة على الاستسلام بحسب ما كنا نسمع من شباب الحي ونحن مختبئون. توالت الصباحات المحمومة، واشتد القصف العنيف، فقرر الناس الخروج الى صيدا بعد تحليق الطيران على علوٍّ متوسط فوق المخيم، ورميت مناشير للمرة الثانية، فبدأت رحلة اللجوء الجديدة نحو البحر هذه المرة. كان بحراً من البشر يسير نحو بحر صيدا والدموع في عيونهم اشد ملوحة منه. وكانت القلوب مدماة ومتألمة. مشى الكلّ متثاقلاً بالكاد تحمله قدماه وقت الظهيرة. كانت الشمس ملتهبة والغبار يغطي سماء المخيم والقصف يشتد والجميع يحصي افراد اسرته خوفاً من فقدان احدهم. ففي الحروب يحب الإنسان نفسه اكثر من اي وقت مضى لتعلقه بالحياة ولخوفه من عمرٍ قد ينتهي بلحظة. كان لنا أكثر من يومين لم نخرج من الملاجئ ولم نكن نعلم ما الذي يجري الا حين يأتي أحد ليخبر ان فلاناً استشهد وفلاناً جرح. لذا انقطعت الاخبار. لكن اثناء الخروج التقوا وراحوا يهنئون بعضهم بالسلامة وعلامات الخوف تأكل الوجوه المتعبة.

اثناء مرورنا على الشارع الذي يفصل المخيم عن منطقة التعمير، كان فؤاد الذي لم نسمع عنه اي خبر، مقتولاً والى جانبه سلاح. اشارت جارة أمي إلى انه قتل امس أثناء تحليق الهليكوبتر على علو منخفض فوق المخيم، حينها كان العنجا قد التقط سلاح احد المقاتلين الشهداء وراح يقلّده بتصويبه الى أعلى، فقصفته الطائرة ليسقط شهيداً وهو لا يدري لماذا قتل! مسكين يا فؤاد، رددت امي، هل صدقوك؟ هل أخفتهم؟ لعنة الله على اسرائيل. بكينا جمعياً، وأكملنا سيرنا، وفؤاد مغمض العينيين وكل العيون تودعه. لا وقت للبكاء ولا التوقف. لا وقت الا للنجاة. كل الحواس في الحروب تستنفر بقوة حتى الحاسة السادسة، والسابعة إن امكن، فالوقت عصيب والأرواح عزيزة وغالية. أكملنا طابوراً واحداً في رحلة بدت كأنها الأطول في العالم.

فؤاد لم يكن يعرف #اسرائيل وخبثها، ولا فلسطين وجنّتها. بالكاد يعرف المخيم وحارته. العنجا أراد ان يقلد الناس لا اكثر. العنجا لا يعرف غير الحب. هو كل ما احتاجه في هذه الدنيا ليحيا. العنجا شهيد عين الحلوة، المخيّم الذي أحبه. شهيد، وربما اكثر الشهداء حباً عند الله. ألم تقل أمّي إنهم خلق الله وأحبابه؟!

هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard