من "النيغاتيف" إلى "الفوتوشوب"... زحف الرقميات يهدّد تاريخ طرابلس المصوّر بالاندثار

31 تموز 2017 | 13:06

المصدر: "النهار"

أكثر من قرن ونصف القرن تقديراً من "نيغاتيفات" الصور الطرابلسية، مؤرِخة لحقبة تاريخية هامة من نشوء وتطور المدينة الحديثة، وأيضاً القديمة، مهددة بالتلف والتلاشي تحت وطأة تطور الكاميرا الرقمية، والتي باتت مؤثرة وفاعلة بصناعة "الأفلام - الشريط" التي كانت رائجة، وطبعت القرن العشرين بطابع خاص، لكنها بدأت بتراجع ملحوظ بنسبة تفوق الـ٩٠%، حيث لم يبق في المدينة من يطبع بطاقات الصور التقليدية إلا استوديوان، يواجهان صعوبات الإقبال على التصوير والطبع. 

وإذا كانت الكاميرا الرقمية قد أثرت بعض الشيء منذ ظهورها في التصوير الورقي، فإن ظهور الهواتف الذكية مزودة بكاميرات تصوير عالية الجودة، مع مختلف تداعياتها وآخرها "السلفي"، تكاد تجهز على الصورة الورقية، وتقفل ما تبقى من محلات تصوير وطباعة.

وليست الكاميرا الرقمية والهاتف الذكي الوسيلتين الوحيدتين المشاركتين في "ذبح بقرة" الكاميرا التقليدية، فقد استفاد عدد من المصورين من تقنية السكانر- البرينتر، لتصوير وطبع الصور الفوتوغرافية التي تحتاجها الإفادات الرسمية من باسبورات، وإخراجات قيد، وهويات وما شابه.

في مراكز العمل، لم تعد صورة المتقدم للعمل مطلوبة، فيكفي أي مركز عمل أن يقتني طابعة تطبع بطاقة العمل وعليها صورة المستخدم.

بذلك، دخلت الكاميرا الورقية، وطباعتها، وصناعتها مرحلة الغيبوبة، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وإذا كان ذلك المسار يجري متأخراً في أي منطقة أخرى من لبنان، إلا أنه على نهاياته في طرابلس.

ففي الأرشيف، ثمة صور التُقطت في لحظات معينة، لم يعد ممكناً أن تتكرر. لنقل أحداثاً وقعت قبل ظهور الرقميات. المحل الأنسب للطباعة، للحصول على صورة موثقة كانت في محلات "ذودة"، أشهر وأكثر محلات التصوير والطبع الفوتوغرافي في #طرابلس حتى تاريخه، ويقع المحل في أكثر أحياء وشوارع المدينة حيوية، أي ساحة التل.

مضت شهور لم يعد المحل يطبع الورق، ذلك لأن آلة السكانر والطبع المتطورة عنده قد أصابها عطل، ولم تعد شركتها تصنع قطع تبديل لها، ولا قطع جديدة منها. وهي مرتفعة الثمن على ما قال صاحب المحل، ويزيد ثمنها على ٣٥٠٠ دولار أميركي في ما لو وجدت.

يقول ذودة: "ارسلنا الجهاز المتعطل إلى الشركة في بيروت، واعتذروا عن عدم قدرتهم على التصليح، وعلى عدم القدرة على تأمين بديل، فالشركة توقفت عن تصنيع هذه المعدات".

يمضي صاحب المحل وقته بتسيير بعض الأعمال الخفيفة، بانتظار أن تجد الشركة قطعة قديمة عسى تستبدل بها القطعة المتعطلة، ولكن لا أحد يضمن أن الشركة ستعثر على قطعة، ولا في أي وقت.

وفي جولة بالشريط للعثور على من يطبع الصورة المطلوبة، يتبين أن كل محلات التصوير والطباعة قد اقفلت، وأن مقاهي "الكومبيوتر"، والمحلات المتخصصة به، وبـ "السكانرات"، لم يتوافر لديها سكانر مجهز بما يؤدي خدمة طبع صورة من نيغاتيف سابق.

في شارع المعرض، يوجد محل متطور للتصوير، يعتذر صاحبه والعاملون فيه عن عدم توافر إمكان لطبع الصورة، فـ "السكانر الذي كنا ننقل عليه الصورة من الشريط إلى الصورة الرقمية، لم يعد متوافراً، والطلب على الطبع الورقي تراجع إلى درجة لم يعد من الضروري تجديد التزود بالسكانر".

صاحب المحل يفيد أنه "يمكن أن يؤدي خدمة إرسال الشريط إلى بيروت لطبع الصورة، لكن الأمر يستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أيام".

كانت محلات التصوير الطرابلسية شهيرة وكثيرة في القرن الماضي، واشتهرت أسماء كبيرة في التصوير، وصناعة الصورة الورقية، وتحسين "النيغاتيف"، فعلى التل اشتهر هارمند، وستافرو، وساكو، وعرابي، وآخرون كثر، لكن محلاتهم أقفلت منذ زمن. ولم تعد موجودة صورة "هارمند" الشهيرة في الواجهة، وفيها سيدة أمام المرآة تبدو بتقنية وفن وذوق رفيع كجمجمة، وتوقفت صناعة منتجة النيغاتيف بالقلم الرصاص مع رحيل #ستافرو وأمثاله من معلمي التصوير في عصره الذهبي بعدما احتل "الفوتوشوب" ساحة اللعب بالصورة، وإزالة التجاعيد.

محل واحد يصارع للبقاء في طرابلس، وهو استوديو القلعة، الواقع في نزلة قلعة طرابلس في محلة الحدادين، ولا أحد يعرف إلى متى يستطيع الاستمرار والصمود.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard