واجهة بيروت البحرية "قيد الدَّرس"... قرار واقعي أم بيان ترويجي؟

19 تموز 2017 | 14:16

الصورة من موقع greenarea عن التعديات على البيئة البحرية

التعدي على الأملاك العامة صفة يدركها اللبنانيون أكثر من غيرهم، تبدأ من أملاكٍ برية وتصل إلى تلك البحرية. وواجهة بيروت هي واحدة من هذه الأملاك العامة التي يضع بعض المتمولين يدهم عليها، وهي المتنفس المتبقي من شاطىء العاصمة الذي تنتشر عليه منتجعات لا تلائم أسعارها مداخيل اللبنانيين، فيما الشاطىء الشعبي في الرملة البيضاء معقل للجراثيم والبكتيريا ومياه الصرف الصحي. ولكنْ في خطوة أثارت استغراب البعض نظراً الى تأخر توقيتها، قرر المجلس البلدي لمدينة بيروت وضع المنطقة الممتدة من حدود بيروت الجنوبية، من السمرلاند الى أوتيل موفنبيك، ""قيد الدرس". فما يعني المجلس بهذه العبارة؟ وهل القرار جدِّي أم استنسابي؟

العبرة في التنفيذ

وفي التفاصيل "قرر المجلس البلدي لمدينة بيروت في جلسته التي عقدت بتاريخ 13/7/2017، وبالتعاون مع محافظ بيروت القاضي زياد شبيب، وضع المنطقة الممتدة من حدود بيروت الجنوبية، السمرلاند إلى أوتيل موفنبيك، "قيد الدرس"، سعياً منه إلى وضع مخطط توجيهي شامل خصوصاً للعقارات المحاذية لشاطئ الرملة البيضاء التي تقع غرب أجزاء من جادتَي رفيق الحريري والجنرال ديغول، وشارع الأخطل الصغير، بغية رسم النظرة المستقبلية الواجب التقيد بها لناحية استعمال هذه الواجهة واستثمارها".

يوضح المدير التنفيذي لجمعية "نحن" محمد أيوب في حديث الـى"النهار" أنَّ "توقيت هذا القرار غير معروف، وقد سبق أن طلبنا وضع المنطقة "قيد الدرس"، ويحق عادةً وضع أي منطقة قيد الدرس ما يقرب من العامين حيث لا يمكن لأي كان الحصول على رخصة للبناء في المنطقة سوى ضمن مخطط توجيهي. منذ مدَّة طالب وزير شؤون مكافحة الفساد نقولا تويني بإنقاذ الشاطىء، ولم تتوقف مطالبات المجتمع المدني منذ 3 سنوات بالسعي الى وضع الشاطىء قيد الدرس، ويبدو أخيراً أنَّ عوامل عدَّة التقت فوصلنا إلى هذا القرار". ويؤكد أيوب أنَّ ما جرى "لن يحلَّ المشاكل القديمة ولكنه على الأقل سيوقف الجديدة. لكنَّ القرار هو عُملة ذات وجهين غير معروفة النتائج التي لن تبرز الآن بل بعد عامين، فهل سيمنعون الاستثمار بعدها؟".


القرار ضمن أجندة المجلس البلدي

بدوره، يلفت رئيس لجنة العلاقات العامة لمجلس بلدية بيروت هاغوب ترزيان لـ"النهار" إلى أنَّ "قرار وضع الواجهة البحرية قيد الدرس يهدف إلى منع أي شخص من تقديم طلب للحصول على رخصة بناء، سعياً لعدم تكرار ما حصل في "إيدن بارك"، وقررنا إلغاء القرار السابق رقم 284 الذي كان سيُكلِّف بلدية بيروت ما يقرب من الـ 120 مليون دولار أميركي عبر شراء 3 عقارات. ومنذ تولينا المجلس البلدي واجهنا معوقات عدَّة أولها أزمة النفايات، وبعدها حرج بيروت، وأخيراً الواجهة البحرية. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا القرار جاء على جدول أجندة الحملة الانتخابية للائحة (لائحة البيارتة)، وهي تأتي بتناغم مع نائب مدينة بيروت رئيس مجلس الوزراء #سعد_الحريري الذي أصرَّ على حلِّ الموضوع. ويجب ألا ننسى أن اللائحة انطلقت من بيت الوسط، ولكنْ رغم ذلك هدفنا العمل البلدي الإنمائي لا السياسي".

قيل إنَّ مدَّة "قيد الدرس" هي عامان، فماذا عن حقيقة هذه الفترة؟ "لم يشر البيان الصادر إلى المدَّة لا شهر ولا شهرين، وضعنا المنطقة قيد الدرس إلى حين الانتهاء من دراستها ولن يُلغى القرار قبل التوصُّل إلى مخطط نهائي سيتكفل بدراسته أساتذة جامعيون ومتخصصون يثق الناس بهم. ونحن كمجلس بلدي حريصون على موضوع الشفافية، ونأمل أن يكون نقد مجلس بلدية بناءً، لا نقداً للنقد".


وضع خطة شاملة لشاطئ بيروت

"بيروت مدينتي" رحَّبت في بيانٍ لها بالقرار الذي اتخذه مجلس بلدية بيروت واعتبرته مساراً إيجابياً في اتجاه استعادة ساحل المدينة وتغليب الصالح العام على المصالح الضيقة التي قضمت وشوهت واجهة بيروت البحرية على مدى العقود الماضية، وخطوة أولى نحو وضع خطة شاملة ورؤية متكاملة لشاطئ بيروت، عبر وضع المنطقة الممتدة من فندق الموفنبيك حتى السمرلاند تحت الدرس، مما يتطلب أيضاً قراراً من المجلس الأعلى للتنظيم المدني ومرسوماً صادراً عن مجلس الوزراء. المطالبة بإزالة فورية للمشاريع المخالفة للقانون في هذه المنطقة، بما فيها الـ"إيدن باي" و الـ"غران كافي"، اللذان لا يلتزمان القوانين المطبقة كما أظهرت الدراسة التي أعدها وقدمها أخيراً نقيب المهندسين إلى رئيس الجمهورية.

وفي هذا الإطار، أكدت المسؤولة عن بلدية بيروت البديلة منى فواز في جمعية "بيروت مدينتي" أنَّ "التوقيت جاء بعد ضغطٍ من رئيس الجمهورية ميشال عون على رئيس الوزراء سعد الحريري، بضرورة وقف مخالفات البناء على الشاطىء. ولذلك وضعت البلدية هذه المنطقة "قيد الدرس"، ولكنَّ المستهجن أنَّها لم تتحرك يوم تظاهر المجتمع المدني وأهالي المدينة رافضين التعدي على الأملاك البحرية، وتحركوا بعد ضغط رئاسي، وهنا يُطرح سؤال جدي: من يمثل المجلس البلدي؟ هل يمثل حقاً من انتخبه أم سلطة سياسية معينة؟". وأشارت إلى أنَّ "المنطقة التي وُضعت قيدَ الدرس قطعة صغيرة من الشاطىء. هذا الشاطىء الذي يُقسم إلى رقمي 9 و10، 9 هي من وسط بيروت إلى "السبورتينغ"، في القانون يمنع البناء عليها أساساً، ما يعني أنَّ ما من ضرورة لوضعها قيد الدرس بل وجبَ إزالة مخالفات البناء منها. والمنطقة 10 من "السبورتينغ" إلى "السمرلاند" لم توضع جميعها قيد الدرس بل جزء صغير منها واستثنيَ كل من الـ"غران كافيه" و"الحمام العسكري" ومنطقة "الدالية"، ولا نعلم سبب هذا الاستثناء. ولكنَّ لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ خطوة المجلس البلدي إيجابية وبالتالي عليه الالتزام بها عبر عدم إعطاء رخص من تحت الطاولة، كما أنَّ أي قرار خارج هذه الرؤية مرفوض".


(الصورة من الانترنت)


البيان محض ترويجي!

من جهته، يشكك ممثل جمعية "التجمع للحفاظ على التراث اللبناني" نجا نجيم في حديث الـى"النهار" في حقيقة هذا القرار على اعتبار أنَّ "البيان الصادر عن بلدية بيروت ترويجي أكثر مما هو علمي وحقيقي، وينطوي على تناقضات. ولم نرَ لغاية الآن أي نسخة عن الخريطة والكتاب الصادرين عن المجلس البلدي ومحافظ بيروت. ويبدو جلياً أنَّ تفكير البلدية استثماري لا إنمائي وليس لمصلحة المجتمع، ويرتبط بالانتخابات النيابية المقبلة، وإلاَّ ما الهدف من ربط اسم رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بهذا القرار؟ هناك سعيٌ واضح لشرعنة مخالفة القانون، وما يجري هو تضليل الغاية منه تنفيذ مشاريع مستقبلية في المنطقة لا حماية الأملاك العامة".


يحاول المجتمع المدني الضغط في مواضيع عدَّة من بينها الواجهة والأملاك البحرية في وقتٍ يواصل المستثمرون "القضم" بغطاءٍ سياسي. وبين المخالفات وحرية الوصول إلى الشاطىء قد يُحرم أهل المدينة آخر متنفس لهم.

salwa.abouchacra@annahar.com.lb

Twitter: @Salwabouchacra


المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard