سدّ عين دارة يعود الى الواجهة... فأين "القطبة المخفية"؟

6 تموز 2017 | 14:13

المصدر: النهار

من جديد، عاد الحديث عن سد #عين_دارة او سدّ العزونية. ومن جديد، عاد الغموض الى هذا الملف الشائك، الذي طرح للمرة الاولى منذ ما يزيد على ثمانية أعوام.

والجديد هذه المرة، أن الدعوة التي وجهت الى اهالي عين دارة عبر الهواتف، للمشاركة في لقاء في سرايا عاليه، كانت بهدف دراسة تقويم الاثر البيئي للسد.

المفارقة الاولى ان الدعوة وجهت قبل ربع ساعة فقط من موعد اللقاء، والمفارقة الثانية ان الدعوة شكلت اكثر من " مفاجأة" او "صاعقة" لاهالي عين دارة، لكونهم ظنوا ان موضوع السد طوي الى غير رجعة، وها هو اليوم يعود فجأة الى الواجهة، ومن دون اي مقدّمات. فما قصة هذا السد، ولماذا هذه المعارضة ضده، والاهم لم العودة اليه اليوم بعد كل هذه الاعوام؟

قصة السد

ينبغي البدء اولاً بالتذكير ان مسألة السدود عامة هي قديمة في لبنان، ولطالما استند كل وزير طاقة إلى ما يسمى بالخطة العشرية للسدود، والتي لم تثبت جدواها، ولا في اي سد اقيم.

اما في الايجابيات، فإن ثمة دراسة علمية واضحة ومحددة، وكان "بطلها" الوزير السابق شربل نحاس، وهي تحت عنوان "دراسة استعمال الأراضي الصادرة عن الدولة اللبنانية"، والتي تعود الى عام 2004. هذه الدراسة التي تفيد ان سد عين دارة لا يستوفي الشروط التقنية، "بحيث انها غير ملائمة".

هذا ما جاء في الدراسة، وهذا ما استندت إليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي حينها، وبنت رفضها او استبعادها لسد عين دارة، على هذه الدراسة تحديداً. اما ما هو اكثر اهمية ان هذه الدراسة باتت مرسوماً رسمياً صادر عام 2010، وبالتالي، بات هناك مستند رسمي يمكن الركون اليه.

اللافت انه في موضوع سد عين دارة، فإن ثمة شكوكاً عديدة. اولاً، حول التسمية، بحيث إن السد، في حال إنشائه، سيقام في خراج بلدة عين دارة (قضاء عاليه)، انما في كل التسميات الرسمية، فإن الاشارة اليه تأتي وفق تسمية "سد العزونية"، وهي البلدة المجاورة لعين دارة. وهنا ايضا ثمة علامة استفهام حول التسمية، فهل أبعاد التسمية يبعد من السد النقمة الشعبية، بحيث يظن البعض انه ليس في عين دارة، وتنتهي القصة هنا؟

ثانياً، الموقع الذي يفترض ان يقام عليه السد، هو غير صالح لإقامة اي سد، وفق ما ورد في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، وهذا ما تبنّته حكومة ميقاتي.

قبل ثمانية اعوام، ومنذ اللحظة الاولى التي ظهر فيها موضوع سد عين دارة الى العلن، برزت معارضة له من الاهالي، ولا سيما من مالكي أراضٍ يمكن ان "تذوب" بإقامة السد.

يومها، وبالمصادفة، اكتشف الاهالي موضوع السد، حين شاهد مزارعون بعض المسّاحين، فعلموا ان ثمة سداً سينشأ في بلدتهم، وبدأت عبارة "جايي السد"، تتردد في وسط البلدة، مع ما تحمله هذه العبارة من "ايجابيات خادعة"، لكون السد يعني المياه عادةً، والمياه تعني الحياة والانعاش. انما عدد من الاهالي، تنبهوا لحقيقة الامر وتأثيره السلبي، لكون ثمة ضرراً بيئياً يتمثل بخسارة مساحة زراعية تقدّر بنحو 10 هكتارات مزروعة بأشجار الدراق والتفاح والكرز والخوخ.

كان مشروع السد سيبنى يومها على مساحة 510 آلاف متر مربع وعلى ارض تعرف"بالمارغة"، وهي مئة في المئة ضمن اراضي عين داره، وهي الاكثر خصوبة وجمالاً في هذه البلدة، لكونها سهلاً زراعياً، وبالتالي فإن كل هذه المنطقة ستتأثر سلبا، اي ما مساحته 51 هكتارا. وضمن المارغة ايضا ثلاثة ينابيع تغذي هذه الاراضي، والمؤسف ان في هذه المساحة ايضا اشجارا حرجية وهي المورد الرئيسي للتدفئة، وأشجار الصنوبر المعمّرة التي لا تقدر بثمن، وتشكل مورد رزق اساسياً.

والاهم ان "المارغة" تعتبر من الاراضي الاكثر جاذبية للحياة، بحيث يمكن السكن فيها، لكونها تشكل امتداداً طبيعياً للبناء المستقبلي، على عكس جوانب اخرى من البلدة تعتبر جردية وعالية، وبالتالي هم يقضون على اي امتداد طبيعي للاهالي والشباب تحديداً.

لكل هذه الاسباب، تداعى يومها عدد من شباب البلدة وجالوا على المعنيين، لرفع الصوت عالياً ضد السد. يومها، كان موقف البلدية غامضاً هو الاخر. كان رئيس البلدية سامي حداد يرفض في العلن السد، ويقول ان البلدية لا علم لها، وفي الخفاء كانت ثمة تسهيلات لاقامته.

حينها، وبعد حملة من البيانات الاحتجاجية ودعم الاعلام والتحركات الرافضة من الاهالي، تراجع الحديث عن السد. لم يعد وزراء الطاقة او مندوبوهم يتحدثون عنه، ولم يعد المساحون يعاينون الارض، فانطفأ المشروع. وظن الاهالي ان لا عودة اليه.

هيدموس والاهالي

اما اليوم، فما الذي حصل، والاهم ما موقف البلدية الحالية، لكون ثمة رئيس بلدية جديد هو العميد فؤاد هيدموس، فأي موقف سيتخذه؟

المفاجأة الاولى كانت في اللقاء في سرايا عاليه، اذ حصل الإجتماع وشاركت فيه البلدية، وعرض المشروع، وربما قد يكون المطلوب الآن، ومن البلدية تحديداً، نشر هذه الدراسة التي عرضت عليها كي يتمكن أهالي البلدة والخبراء وجميع المعنيين، الاطلاع عليها، ومعرفة ما الذي تبدّل بعد كل هذه الاعوام، فهل بات موقع السد ملائماً، والشروط الفنية والتقنية التي لم تكن متوافرة، باتت اليوم مؤمنة؟

رئيس البلدية فؤاد هيدموس يوضح عبر "النهار" ملابسات الدعوة، فيقول: " الدعوة اتت الى البدية من قائمقامية عاليه، وقبل يوم تحديداً، من هنا، لم يكن بالامكان اعلام الاهالي قبل ذلك بموضوع اللقاء، وفي الوقت نفسه، وجدت نفسي ملزماً دعوة الاهالي، لئلا يكون الامر في الخفاء".

ويصر على ان " اللقاء الذي حصل هو مجرد لقاء اكاديمي، بمعنى انه لا يلزم البلدية شيئاً. لقد عرضوا علينا جوانب السد، من دون اي دراسة مفصلة او دقيقة عن الاثر البيئي. وانا قد سجلّت اعتراضي اولاً على التسمية، لان السد سيؤدي الى خسارة عدد من اراضي عين دارة، والاهم، انهم لم يعرضوا لنا دراسة الاثر البيئي للسد".

 اذاً، لمَ اعادة اثارة الامر الان، وما خلفيات دعوة القائمقامية؟

يجيب هيدموس: " الدعوة اتت بناء على طلب من شركة انطوان البستاني، وانا على الفور اعلمت الاهالي، لان اي قرار في شأن السد سيتخذ وفق استفتاء للاهالي، تماما كما في موضوع معمل الاسمنت، فإذا قال الاهالي لا، نحن حكماً نلتجئ اليهم. "الضيعة ستقرّر وليس البلدية".

وهل تخاف من ان يكون ثمة قطبة مخفية وراء اعادة اثارة الامر؟ يقول: " نحن في غنى عن اي اشكال، يكفينا مسألة معمل الاسمنت، الا ان موضوع السد بعيد جدا، وارى ان الكرة اليوم في ملعب وزارة البيئة لتعطينا الاثر البيئي، ونحن سنستعين بخبراء لاعداد دراسة من جانبنا، تتناول فيها كل جوانب السدود واثارها".

ولكن ثمة دراسة في هذا الشأن وقد تحولت مرسوماً رسمياً ايضاً، وثمة رفض من عدد من الاهالي؟ يعلق هيدموس: " لذلك، انا اعتبر ان اللقاء الذي حصل هو مجرد لقاء اكاديمي لا يلزمني شيئاً، وانا في صدد توجيه كتاب رسمي الى وزارتي البيئة والطاقة للتشديد على هذه المسألة".

وماذا عن الحملة التي سبق واقيمت ضد السد قبل ثمانية اعوام، معنى ذلك ان المزاج الشعبي معروف هناك؟

يجيب: " انا ايضا اخسر ثلاثة عقارات اذا اقيم السد في منطقة "المارغة". الموضوع دقيق، وله جوانب بيئية وصحية واجتماعية ايضاً، لا سيما ان بعض الورثة لا يملك مستندات رسمية عن تملّك عدد من الاراضي المهددة بانشاء السد، وبالتالي هؤلاء قد يخسرون اراضيهم بلا اي تعويض. ينبغي دراسة المسألة من كل الجوانب، وفي النهاية اهل عين دارة هم من سيقررون، ونحن محتاطون لكل الامور".

 كأن عين دارة لا تكفيها معارك. كسارات. مرامل. معمل اسمنت. سدّ او بالاحرى هو بحيرة. كل ذلك، في خراج بلدة عرفت كيف تصمد ابان الحرب الاسرائيلي، وكيف تقاوم ابان الاحتلال السوري، بسبب عناد اهلها اولاً، فكادت ان تكون البلدة الوحيدة في قضاء عاليه، التي لم يعرف اهلها تهجيراً طويلاً او غربة قسرية عن البيوت والاراضي، وها هي اليوم، في زمن السلم او "التغيير والاصلاح"، تغرق في معركة تلو الاخرى، وتواجه نزيفاً شبابياً هائلاً  نحو الخارج، فمتى ستعيش عين دارة بالفعل، زمن التغيير، لتتفرّغ الى اعادة استصلاح اراض، هي اجمل ما يكون في الجبل، بعدما نهشها "غول" المرامل وأكلتها مافيا الكسارات؟!

manal.chaaya@annahar.com.lb

Twitter:@MChaaya

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard