"جامع المنصوري الكبير": أكبر مساجد طرابلس وحاضن محطاتها

21 حزيران 2017 | 16:26

المصدر: "النهار"



دور العبادة في طرابلس لها مكانة تتجاوز وظيفتها الدينية والإيمانية، الى جانب دلالتها الرمزية لتعايش الطوائف والمِلل جنباً الى جنب. وابرز ما يتجلى في هذه الصروح الدينية روعة عمارتها وخصوصية هندستها، وهي تشد انظار اهل المدينة وزوارها الذين يهتمون بالعمارة الاثرية منها والتراثية والتي تحمل بصمات حضارات تعاقبت خلال قرون خلت.

وفي طليعة دور العبادة يأتي جامع المنصوري الكبير الواقع في محلة النوري على مقربة من قلعة طرابلس الشهيرة، والى جانب سوقي العطارين والصاغة، وعدا عن انه اقدم مساجد المدينة، فهو يعتبر أكبر مساجد لبنان اذ تبلغ مساحته 3000 متر مربع، ومساحته الداخلية 1630 متراً مربعاً، وعلى صعيد مكونات الجامع فإنها تحوي بقايا وعناصر كانت لكنيسة صليبية.

وجامع المنصوري الكبير كان، ولا يزال، نقطة تلاق وانطلاق للتحركات والتظاهرات التي شهدتها طرابلس بدءاً من المواجهة مع سلطة الانتداب الفرنسي مروراً بمحطة الاستقلال ومختلف الاحداث التي شهدها لبنان خصوصاً وعاصمته الثانية تحديداً، وصولا الى ايامنا هذه.

ويمر الجامع في هذه الايام، حيث العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك، بأجمل ايامه واكثرها تعبداً، وفيها يعرض الاثر الشريف بعد صلاة آخر يوم جمعة من الشهر الفضيل.

عرف باسم "المنصوري الكبير" نسبة الى بانيه السلطان المملوكي قلاوون الملقب بالمنصور، وهو فاتح طرابلس، ومحررها من الصليبيين. وقد بني الجامع في سنة ٦٩٣هجرية\١٢٩٤م. اي بعد مضي خمس سنوات على فتح المدينة.

أقيم الجامع على أنقاض كنيسة قديمة، بحسب المؤرخ الطرابلسي الدكتور عمر تدمري، ويعتبر بابه الشمالي الرئيسي والمئذنة من بقايا كنيسة صليبية. يعزز الاعتقاد أن مئذنته كانت في الاساس برجاً لومباردي الطراز لكنيسة حملت اسم القديسة ماري دي لاتور. ثم ما لبثت ان هدمت عند حصار قلاوون للمدينة، ولم يبق من آثارها سوى البرج، والبوابة الرئيسية ذات الطراز القوطي، وثمة فتحة داخلية في المدرسة القرطاوية الملاصقة للجامع، تنفتح إلى سطحه، يعتقد أنها الفتحة التي كان يمر فيها حبل الجرس.


البرج – المئذنة

يؤثر تدمري على تسمية المئذنة الحالية برجاً، وهي ذات أربع طبقات، الاولى خالية من النوافذ، والثانية لها نافذتان في جهاتها الاربع، والثالثة فيه عشر نوافذ، والنوافذ عبارة عن قناطر ترتكز على اعمدة رخامية ذات طراز صليبي في الطبقتين الثانية والثالثة فقط. اما قمة المئذنة فتأخذ شكلاً يشبه القمع، في اسفله دائرة تحيط بالبرج الاسطواني.

جنوبي المئذنة فوق الاروقة الشمالية غرفة صغيرة تعلوها قبة صغيرة ايضاً، وعلى يمينها في اعلى واجهة الاروقة الشمالية المطلة على صحن الجامع لوحة فيها خطوط تمثل ساعة شمسية يتوسطها من اعلى قضيب حديد غليظ هو بمثابة عقرب الساعة.

الباب الرئيسي للجامع شمالي الاتجاه، ويرجح تدمري انه كان باب الكنيسة الصليبية، وقد ابقى عليه المماليك مع الجدار الشمالي للكنيسة والبرج، وهو يطل على محلة سويقة النوري، وعلى جانبيه مدرستان: المشهد يميناً، والشمسية يساراً. وفي مواجهة هذا الباب مباشرة على مسافة قليلة المدرسة الناصرية.



ومن آثار البوابة العمودان الرخاميان عند طرفيها، تتوّجهما الزخرفة القوطية، وعليهما يرتكز إفريزان لقوسين اسفل العقد الذي يعلو البوابة، ثم تلي العمودين عضاضتان في كل ناحية، الاولى اكثر ضخامة من الثانية، ويقوم فوق العضاضتين الاوليين إفريزان بارزان بخط متعرّج، وفي الزاوية التي تتوسط العضاضة الاولى والثانية يوجد إفريز آخر بارز يفصل بين الخطي المتعرجين السابقين، وخطين متعرجين آخرين يقومان فوق العضاضة الثانية، وتشكل هذه الافاريز والخطوط اقواساً فوق البوابة في تشكيل هندسي فني رائع.

اللوحة التاريخية لبناء الجامع تعلو الباب، وترتكز على افريزين ناتئين، نقشت عليها ثلاثة اسطر بالخط النسخي المملوكي، وعند نهايته بأعلى العضاضة اليسرى للباب يوجد نقش آخر بنفس الخط. وفوق عتبة الباب توجد كتابة عثمانية هي: لا اله الا الله محمد رسول الله.


أروقة الجامع

يقع حرم الجامع عند الجانب الجنوبي لمساحة كبيرة مربعة، ضخمة البناء، بسماكة جدرانها وقناطرها، يتوسط المربع بركة الوضوء المعروفة بالمصلى لدى العامة، تعلوها قبة ترتكز على اربع عضاضات ضخمة. والبركة من الرخام الابيض تتوسطها نافورة بثلاث طبقات، وجنوبي البركة مصلى يرتفع على أرض صحن الجامع نحو المتر، وفي جهته القبلية محراب صغير. وهذا البناء مفرغ من الجدران، يتألف من ست عضاضات تشكل قناطر تقوم على اربعة منها القبة.

وعلى يمين الداخل من البوابة الشمالية، وفي صحن الجامع ينتصب عمودان من حجارة الغرانيت، قربهما بئر. وفوق مدخل البوابة المطلة على الرواق الشمالي يوجد قوس من الزخرفة بشكل صلبان نافرة متتابعة. وتحيط بصحن الجامع من جهة الشمال والشرق والغرب رواقات أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧١٥ه ببنائها. وتقوم هذه الاروقة على عضاضات ضخمة مربعة القاعدة، تشكل منها عقود وقناطر مثلثة الرؤوس.

وعلى احدى العضاضات في الرواق الشرقي توجد لوحة صغيرة نقشت فيها خطوط منحنية مهمتها تحديد وقت أذان العصر. والى اليمين منها توجد اللوحة التاريخية لبناء الاروقة مندمجة في واجهة الرواق الشرقي نقشت فيها تسعة أسطر بالخط النسخي المملوكي.

يتألف الحرم من سبعة عقود وسبعة ابواب كبيرة، وهي اكثر اتساعا من عقود الرواق الشمالي، ومنها عقد يفضي الى الرواق الشرقي من الناحية الجنوبية، وخمسة عقود الى الصحن، اما العقد السابع فقد اقيمت عنده غرفة تعرف بغرفة الأثر الشريف، تحظى باهتمام خاص حيث تحفظ فيها شعرة من ذقن الرسول قدمها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى طرابلس للتبرك بها. طول الحرم (٥١،٥٠ متراً)، وعرضه (١١،٣٠ متراً). ويتكون سقف الحرم من 14 اسطواناً، تعلوه قبوات متعارضة ما عدا اسطوان المحراب فتعلوه قبة قائمة على مقرنصات مقوسة.



المحراب والمنبر

في منتصف الجدار الجنوبي (القبلي) يقوم المحراب على جانبيه عمودان رخاميان تتوجهما زخرفة رشيقة. وفوق المحراب نقشت دائرة كبيرة داخل الجدار وأحيطت بثلاثة خطوط متعرجة بشكل "زيكزاك"، وهذه الخطوط على طبقات بحيث تشبه مع الدائرة الغائرة في وسطها وردة مفتحة او زهرة دوار الشمس.

وعلى يمين المحراب ينتصب منبر الجامع الخشبي بطول ثلاثة امتار وعرض متر واحد، تزينه زخرفة هندسية لطيفة، وما زال هذا المنبر منذ ان اقيم سنة ٧٢٦هجرية.

عند القسم الشرقي المرتفع من الحرم يقوم محراب ثان من الرخام، فوقه قوس من الحجارة البيضاء والسوداء. وفوقه لوحة رخامية بيضاء نقش عليها اربعة اسطر بالخط النسخي المملوكي. اما باب الحرم الشرقي فيقع عند الجهة القبلية من المدرسة القرطاوية، تعلوه لوحة نقش عليها مرسوم اصدره السلطان الملك المؤيد شيخ المحمودي في سنة ٨١٧هجرية. يبطل فيه المظالم المحدثة على اهل طرابلس. وهناك باب شرقي يؤدي إلى الصحن شمالي المدرسة القرطاوية، تعلوه زخرفة تشكل قوسا نصف دائري تحته قوس مزخرف كالحبل المجدول، ويعتبر "كوندي" هذه الزخرفة بيزنطية.

ونظراً لأهميته كمركز يستقطب أهل المدينة بصورة دائمة، خصوصاً في المناسبات، جرت فيه اهتمامات لافتة وفريدة تتعلق بمواقيت الصلاة تختزنها ذاكرة المؤمنين، وتؤشر إلى التزام كبير بقواعد الشرع بدقة.

ويروى أن وسائل عدة اتبعها المؤمنون سابقاً لحلول موعد الأذان، خصوصاً أن حجم الجامع كبير، وأبعاده مترامية. فعند الظهيرة، أو العصر، يتولى أحد الأشخاص مراقبة أشعة الشمس في نقطتين، ومتى بلغت الأشعة تلك النقطة، أشار المراقب إلى شخص آخر ينتظر على مسافة تناهز المئة متر، في الغرفة الصغيرة المقببة التي تعلو المدخل الرئيسي، على مقربة من المئذنة، ليعطي بدوره إشارة الأذان للمؤذن المنتظر في أعلى المئذنة. أما تحديد أذان المغرب، فإن المؤذن ينتظر في المئذنة لتلقي إشارة مراقب موجود في قلعة المدينة، على بعد يناهز الكيلومتر، ومنها يتثبت من مغيب الشمس بدقة، فيعطي إشارة الأذان للمؤذن.


ترميم الجامع

عام 2006، قامت مؤسسة الحريري للتنمية المستدامة بترميم وإعادة تأهيل للجامع، حيث شمل العمل تمتين وتدعيم الهيكل الحجري للجامع، والمئذنة، وفق أحدث التقنيات، مع الحفاظ على الاشكال المعمارية القديمة. وجرى تدعيم المئذنة بناء لدراسة ونموذج رقمي هو الأحدث في التاريخ يعتمد التصدي لقوى الشد باستخدام شعيرات الكربون، ولعل الاقوى والاجمل في هذا الاطار ان من يشاهد المئذنة لا يستطيع تميز شعيرات الكربون التى تلفها، اذ تم تغليفها بمسحوق الحجارة الجيري المستخدمة في بناء المئذنة بطريقة فنية خاصة.

وقد اتخذت إجراءات حمائية من المياه التي كانت تتسرب من المحيط، حيث جرى حفر خندق بعمق 3 امتار تحت الاساسات، وبطن هذا الخندق بالخرسانة المسلحة، ووضعت بداخله مضخات. كما جرى ترميم الاروقة الحجرية وجميع الخشبيات وتأهيل الحمامات التاريخية. واستعمال مصابيح إنارة مختلفة الاحجام مصممة على الطراز المملوكي.




كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard