نسبية مخادعة تتجول مزهوة بين حطام الديمقراطية !

16 حزيران 2017 | 22:45

لم يكذب السياسيون عندما قالوا ، انهم مع قانون عصري للانتخابات !  

او ليس العصر ،  هو عصر الأديان و المذاهب ، والتقوقع و العنف والعنصرية ، في المنطقة و في لبنان ؟  

 مفارقة صادمة ، ان يكون أكثر المتحمسين للنسبية ، هم أصحاب الافكار المطلقة ! في حين ان النسبية هي نظرة شاملة للحياة : نسبية في النظرة للقيم ، للافكار ، للسلوكيات . فعندها و عندها فقط ، تصبح الديمقراطية ممكنة ، و كضمانة للاكثرية و الاقلية معا!

 و أكثر من صادمة ، الخفة التي تعاطت بها ، نسبيتهم ، مع النسبية بين الجنسين ( الكوتا النسائية ) و النسبية بين الأجيال (تخفيض سن الاقتراع ) .

كما ان النسبية في قوانين الانتخابات ، هي تدبير تقني ، لتحديد الحجم التمثيلي في إطار النظام الديمقراطي ، القائم أساسا و حكما ، على الحرية و المساواة بين المواطنين امام القانون ، و احترام الدستور ، و الفصل بين السلطات ، واحتكار السلاح من قبل السلطة السياسية المنتخبة ديمقراطيا ! هل هناك من حاجة ، لنبرهن ، ان شروط الديمقراطية هذه هي شبه غائبة !

النسبية خارج الديمقراطية و بدون شروطها و حيثياتها القيمية ، و في اطار طائفي لا يعترف بالمواطنة ، هي مجرد مخادعة ، او تعمية ايديولوجية ، لغض النظر ، عن الآليات الحقيقية لاتخاذ القرارات السياسية ، و ذلك عبر الايهام باشراك اكبر عدد من القوى السياسية ، الموالية و المعارضة ، في محادل انتخابية ، ستأخذ ، هذه المرة ، شكل اللوائح المقفلة !

اخطر ما في النسبية ، في واقعنا " المتميز " بظاهرة التعطيل السياسي ، هي انها ، و في التجارب العالمية ، الفرنسية خاصة ، كانت عنوانا للعجز عن اتخاذ القرارات ، من قبل الحكومات ، المؤلفة من اتجاهات سياسية مختلفة . و هذا ما جعل بعض البلدان تتخلى عن النسبية رغم قدرتها التمثيلية . و هذا ربما ، ما يدفع بالقوى المذهبية المهيمنة عندنا ، لاعتماد النسبية ، الكفيلة بتعطيل عملية اتخاذ القرارات على مستوى الدولة !

القانون الانتخابي الجديد ، حتى و لو سمح باستفادة بعض القوى المعارضة من فتات النسبية ، لن يغير من المشهد السياسي ، الذي يمكن تلخيص ديناميته " الديمقراطية " المؤسساتية ، بالمفارقة التالية :

احزاب الحكومة في البرلمان ، تحاسب الحكومة !  

احزاب الحكومة في النقابات ، و في روابط هيئة التنسيق النقابية ،  تطالب الحكومة ! 

هذه المفارقة الجديدة ، قد تصح ، اذا توفر في احزاب السلطة ، شرطان على الاقل :

الأول ، ان تكون هذه الأحزاب ديمقراطية ، تسمح بتعدد الآراء داخلها ، و التعبير عن هذه الآراء بحرية .

الثاني ، ان تعترف هذه الأحزاب بالانقسامات الطبقية ، و بحرية التعبير عنها .

التركيبة المذهبية لمعظم احزاب السلطة ، لا تعترف بالطبقية ، المنافية بطبيعتها لوحدة المذاهب و الطوائف . و التركيبة ، المليشياوية-الوراثية-الطبقية-المستتبعة للخارج ، لقيادة الأحزاب هذه ، لا تحتمل أية ديمقراطية !

ما الذي يجري اذا ؟

هذا الوضع الملتبس ، يساعد الاحزاب المذهبية في السلطة ، على :

- الحفاظ على المواقع ، في المؤسسات الثلاث ، الحكومية و البرلمانية و النقابية .

- توجيه و ضبط و مراقبة ، النزعات الطبقية و الديمقراطية في داخلها .

- خداع الرأي العام و الكذب عليه ، تحت غطاء مؤسساتي ، دستوري .

- تنفيس الاحتقان بين المذاهب و في داخلها ، الذي تضبطه المصالح المشتركة و مخاطر الحرب الاهلية .

هذا الوضع يمنع بالطبع قيام ديمقراطية بالمعنى المؤسساتي السياسي (فصل السلطات و مراقبة البرلمان للسلطة التنفيذية ) و بالمعنى المؤسساتي الاجتماعي (استقلالية الحركة النقابية و ضغطها او تفاوضها مع السلطة السياسية )!

المحافظة على هذا الوضع المريح بالنسبة لأحزاب السلطة ، يتطلب :

- منع قيام معارضة سياسية مستقلة ، عابرة للمذاهب ، او في داخلها ، من خلال قوانين انتخاب مناسبة ، تحالفات واسعة في ما بينها ، والقمع الفعلي او الرمزي داخل كل مذهب او طائفة .

- منع قيام حركة نقابية مستقلة ، من خلال الحفاظ على التنظيمات ذات التركيبة المذهبية او الطائفية، و الحؤول دون قيام تنظيمات قطاعية مستقلة و فاعلة ذات تركيبة متعددة المذاهب و الطوائف ؛ ضبط اداري و سياسي محكم لعملية الاستخدام في العمل اولا ، و للتحركات العمالية في المؤسسات العامة و الخاصة ثانيا ؛ تحالفات واسعة فيما بين الاحزاب بوجه النزعات الاستقلالية داخل النقابات و الاتحادات !

القضية ، هي قضية الديمقراطية و ليس النسبية ، و قانون الانتخاب ، على أهميته ، هو جزء من هذه القضية و لا يختصرها ابدا . لذلك هو يشبه بصيغته الحالية ، بشاعة الحطام الديمقراطي عندنا !


يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني