نواب لبنان مع الإعدام أو ضده؟: "أعدموا تجار المخدرات"... "كيف أذبح بشرياً وانا نباتيّ"

14 حزيران 2017 | 14:40

المصدر: "النهار"

بين تأييدٍ داعم، وموافقةٍ يشوبها تحفّظ، واعتراضٍ مرفقٍ باستنكار، انقسمت آراء نماذج نيابية لبنانية مطلعة على خبايا القانون اللبناني، حول ما اذا كان الاحتكام الى تطبيق عقوبة الاعدام يساهم في الحدّ من "جرائم المصادفة"، التي باتت ترتكبها عينة مجتمعية على سبيل المزاج من النظرة الأولى، او تحت تأثير حبّة مخدرٍ أو "زيح شم". ويبرز السؤال: هل يكمن الردع في كبح ظواهر "الشم" ومحاربة تجاره وتعليق مشانقهم؟ آراء النواب دخلت في مفترقاتٍ عديدة، أبرزها جدوى تنفيذ العقوبة في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، بما فيها فوضى انتشار المخدرات في صفوف الشباب والمراهقين في المدارس. واستتبعاً يطرح تساؤلٌ آخر: هل تكبح عودة حكم الاعدام الحركة المتسارعة للجريمة؟

بصفته محامياً ونائباً عن الأمة، يقول عضو "تكتل التغيير والاصلاح" النائب زياد أسود انه "مع تنفيذ حكم الاعدام في ظلّ ضعف القضاء، نتيجة لعوامل دينية ومذهبية وسياسية ومادية، مما يجعل القاضي يفاضل لمصلحته الشخصية على حساب مصلحة المظلومين". وعن امكان تعديل الصفة الجرمية، يقول "إنها مسألة صعبة تحتاج الى الكثير من الأدلة بمعزل عن اقتناع القاضي واستنسابيته". ولماذا التساهل في ملف المخدرات بما يؤدي الى مضاعفة الجرائم، يجيب بالعامية "حكيتني على جرحي"، مضيفاً "اننا قادمون على انتشار أوسع للمخدرات خصوصاً اننا بتنا نجد اطفالا بعمر الورد يتعاطون الممنوعات نتيجة البيئة العائلية او التفلت او انتشار الآفة". وبنبرة حازمة، يؤكد ضرورة التشدد في العقاب ملخصاً اسباب التفلت: "تورط عناصر أمنية في التغطية على التجار وتساهل القضاء في حال اختلاط الوصف بين الترويج والتعاطي لتخفيف وطأة الحكم، فضلاً عن التغطية السياسية". ويدعم رأيه بأمثلة: "لا يمكن استسهال اقامة مصنع كابتاغون سوقه عربية، الا اذا كان مرتاحاً على وضعه". ويستنتج: "القتل يمكن ردعه، وينحصر في اطار فردي، اما المخدرات فهي ابادة جماعية تستدعي ضرورة شن حرب شاملة لمكافحتها".

وبالمبدأ، لا يؤيد رئيس لجنة الادارة والعدل روبير غانم تطبيق عقوبة الاعدام، ولكن في ظلّ الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، لا بد من الاحتكام الى هذا الخيار في محاولةً لايجاد حلٍّ لتفلت السلاح غير المرخّص له ولوقف إزهاق ارواح الأبرياء. وفي قراءة للجرائم المرتكبة، يقول لـ"النهار" ان "المقلق يكمن في الأسباب التافهة التي تدفع المواطن الى القتل العمد. اذ اننا لا نتحدث عن حالات أخذ ثأر او سببٍ مشروع قد يؤدي بالفرد الى اطلاق النار، بل عن مصادفات على شاكلة خلافٍ على أزمة مرور تؤدي الى ارتكاب جرائم قتل عشوائية". مفاد الأمر وفق غانم، أنه لا بد من تطبيق عقوبة الاعدام تحت وطأة ظروفٍ استثنائية، ولمدة زمنية تصل الى سنة، "على أمل ان نصل الى نتيجة مرجوّة في ظلّ اقتصاد وطني على وشك الانهيار، وظروف أمنية اقليمية حرجة تحيط بمفاصل الوطن، وظروف أمنية داخلية مقلقة".

تاريخياً، يذكر وزير العدل سابقاً سمير الجسر بحقبة ما بعد اتفاق الطائف، عندما أصدر قانوناً يعدم الجناة في اي جريمة قتل مهما كان السبب: "وجدت ان هذا القرار مبالغٌ فيه، وسعيت لتعديله خصوصاً ان من حق القاضي تقدير ظروف الجريمة، وفي حال ارتأى عدم تطبيق الاعدام يمكنه تغيير النص الجرمي بغية تخفيف العقوبة. وهذه عملية التفاف على القانون تلقن الناس الخروج عنه". وفي اطارٍ شخصي، يؤيد تطبيق عقوبة الاعدام باعتبارها رادعاً للقتل الا في حال تنازل صاحب الحق عن حقه (قبل صدور الحكم او بعده) في ظل تأييد مقولة ان ما من جريمة كأخرى. وحتى ان صدر الحكم، إذا شاء اصحاب العلاقة اسقاط حقّهم فلا بد من خفض العقوبة. وعن جدية مساهمة الاعدام في تخفيف حدّة الجرائم المرتكبة، يحسم الجدل: "بالتأكيد انها تعطي نتيجة". 

من جهته، يعتبر عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب ميشال موسى ان عقوبة الاعدام "جزء من القانون اللبناني لكنها لم تطبق منذ فترة زمنية، وهو ما يطرح اشكالية في هذا الإطار، فضلاً عن اتفاقات دولية وقّعها لبنان، أضحت جزءاً من قوانينا بشكلٍ او آخر، ولو أنها ليست مدرجة ضمن القانون الجنائي اللبناني. وفي مقاربة احصائية، يؤكّد لـ"النهار" ان "كلّ الدول التي عمدت الى تطبيق عقوبة الاعدام، لم تشهد تراجعًا في عدد الجرائم المرتكبة". وتالياً، من الضروري الاحتكام الى حلول عملية أكثر تتمثل في جدية تطبيق عقوبة الاشغال الشاقة، بما يسمح بنيل المجرم عقوبة مدعّمة وفق الأصول القانونية، وتوازي في مفاعيلها الاعدام. اما إمكان خفض العقوبة، فهو في رأي موسى من شأن لجان متخصصة تبحث في تعديله، مع استثناء جرائم القتل العمد. وعن المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي يجب حلها لتقليص مظاهر القتل، يقول: "مناخ التفلت العام في البلاد وتوسّع انتشار آفة المخدرات والاطالة في اصدار الاحكام والوضوع الاقتصادي المتردي". من هنا، لا بد بصريح العبارة، من "رفع الحماية (السياسية منها وغير السياسية) عن بعض المطلوبين للعدالة، مما يساهم كخطوةٍ أولية في استعادة الدولة هيبتها".

بدروه، يؤكد عضو كتلة الكتائب النائب سامر سعادة انه مع تطبيق القانون اللبناني، مما يعني ضرورة الاحتكام الى الاعدام في الجرائم المستحقة. ويقول لـ"النهار": "لا مبرر اقتصاديا او اجتماعيا للجريمة. التفلت الأمني ناتج من عدم فرض سلطة الدولة، فيما الجريمة ظاهرة مقترفة في اي مكان حول العالم". يرفض سعادة ذريعة "القحط الاجتماعي"، اذ ان هناك فقراء وضعهم مزرٍ لكنهم تحت سقف القانون، فيما يلجأ تجار المخدرات الى اعتماد السلوك المافيوي لأهداف مادية بحتة. لكن معضلة أساسية يعرضها سعادة كحد السكين، هي السجون اللبنانية التي لا بد من اعتبارها مكاناً لاعادة التأهيل، والانخراط في المجتمع. ويدعّم رأيه بالقول ان "ما نراه في السجون من ممارسات جائرة لا تراعي أبسط حقوق الانسان، اذ ان كل شخص يحق له المنامة ليلة واحدة اسبوعياً على الفراش. فيتخرج مرتكب الجنحة من السجن متخصصا في ارتكاب الجرائم بدل أن يصير عضواً فاعلاً في المجتمع".

الرئيس سليم الحص

اشتهر الرئيس سليم الحص برفضه التوقيع مراسيم متعلقة بحكم الإعدام معتبراً انه "من الأحكام التي يصدرها أناس من البشر، وجلّ بين الناس من لا يخطئ، فيما السجن المؤبد هو العقاب المتاح". وهو ثابتٌ على موقفه، وفق ما أكّدت مصادر مقرّبة لـ"النهار". وكان الحص قد عاد وجدد رفضه تطبيق العقوبة اكثر من مرّة خلال ندوات مناهضة تطبيق الاعدام. وفي الآتي، استحضارٌ تاريخي شخصي لموقف الحص:

"السؤال الذي كثيراً ما يطاردني بين الناس هو: لماذا لم أوقع على مراسيم إعدام مجرمين مدانين؟ المسألة في نهاية التحليل هي مسألة اقتناع شخصي. إنني أعتقد أن ليس من حق الإنسان أن ينتزع حياة إنسان. فالله وحده يهب الحياة والله يستردها. إنني لا أستبيح ذبح حيوان، فكيف بقتل إنسان؟ إن نفسي، لكوني نباتياً، لا تتقبل فكرة ذبح نعجة أو بقرة أو دجاجة. لنغني بلحمها أو بلحمه طعامنا. فكيف أتقبل فكرة إنهاء حياة أحد من بني البشر؟ قيل لي إن حكم الإعدام لا ينفذ إلا بمرسوم، وأي مرسوم لا يصدر إلا بتوقيع رئيس الوزراء إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية. وقيل إن الراهن أن القانون يبيح حكم الإعدام في لبنان، وأن العفو الخاص في حق أي محكوم أمر ممكن، ولكن العفو الخاص هو من صلاحية رئيس الجمهورية، وليس من اختصاص رئيس الوزراء بحسب الدستور. أفلا يعني امتناعي عن التوقيع على مرسوم بالاعدام مخالفة للقانون الذي حكم القاضي بموجبه، ومخالفة للدستور الذي جعل العفو الخاص من اختصاص رئيس الجمهورية، من دون رئيس الوزراء؟ إن الدستور لا يملي على رئيس الوزراء التوقيع على مرسوم إن لم يكن مقتنعاً بمضمونه. ولو لم يكن التوقيع على مرسوم الإعدام خياراً حرّاً لرئيس الوزراء، أي أنه مخول بالتوقيع عليه أو بعدمه، لما قضى القانون بضرورة توقيع رئيس الوزراء على المرسوم أساساً، بل لكان قضى بنفاذ أي حكم إعدام بمجرد عدم اقترانه بعفو خاص من رئيس الجمهورية ولا داعي في تلك الحال لمرور الحكم عبر رئيس الوزراء. بعبارة أخرى، إن توقيع رئيس الوزراء ليس خاتماً يمهر به أي مرسوم في شكل آلي، وإنما هو خيار لرئيس الوزراء، أو على الأقل هكذا أنظر إليه. ثم ألم تسمعوا بمجرمين، ارتكبوا أبشع الجرائم خلال الحرب الداخلية اللبنانية، يرتعون اليوم أحراراً طلقاء، إما لأن قانون العفو العام شملهم، أو لأنهم من ذوي المنزلة التي لا تطاولها يد القضاء، وبعضهم تسلق مراكز المسؤولية. ومن يقول إن عقوبة الإعدام رادعة للجريمة، نردّ عليه بملاحظتين: أولاً إن أحكام الإعدام نفذت في لبنان في السنوات الماضية، ولم يردع تنفيذها أولئك الذين صدرت في حقهم أحكام إعدام في ما بعد، وهم اليوم ينتظرون تنفيذها. وثانياً إن أحكام السجن المؤبد يجب أن تكون أيضاً رادعة. ثم إن تجارب المجتمعات التي ألغت عقوبة الإعدام لا تدلّ على أنّ هذه العقوبة ضرورة لردع الجريمة". 



الفنان بسام كيرلُّس يلجأ الى الالومينيوم "ليصنع" الحرية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard