ماذا تعلمت في "نهار" غسان تويني؟... رسالة إلى الزملاء

8 حزيران 2017 | 11:05

في مثل هذا اليوم، 8 حزيران، قبل خمسة أعوام، غادرنا غسان تويني، بعدما أسدل الستار على حياة كفاحية كبرى، مضيئة، لم يعد الجسد قادراً على تحمّل أعبائها. 

بوقارٍ تفرضه الذكرى، وباختصارٍ تفرضه الغاية من كتابة هذه الرسالة، أتوجّه إلى نفسي، قبل أن أتوجّه إليكم، باعتباري صحافياً ينتمي إلى الجيل الوسيط من الكتّاب المخضرمين، الذين عملوا طوال تجربتهم المهنية، بل منذ المقاعد الجامعية، في "النهار"، في "النهار" وحدها فحسب، دون سواها من وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، فضلاً عن مكوّنات الانترنت وعالم التواصل الافتراضي.

تعلّمتُ في "النهار" أن أتعلّم في "النهار"، باعتبارها مدرسة، لا أن أكون "موظفاً"، ولا أن أكون صاحب "وظيفة" في مؤسسة.

تعلّمتُ في "النهار" أن أعتبر "الحقيقة" هي الحقيقة التي ينبغي لي أن أقدّسها، وأن لا أحيد عنها.

تعلّمت في "النهار" أن لا أكتفي بمادة هذه "الحقيقة"، بل أن أنطلق منها، لأصنعها صناعةً مهنية، من المصدر إلى الخبر إلى العنوان، إلى البنية، إلى الصورة، وصولاً إلى الريبورتاج والتحقيق والمقال...

تعلّمتُ في "النهار" أن أعتبر اللغة العربية الصحيحة شرطاً موازياً لتقديم هذه الحقيقة، ولصناعة الخبر الصحيح.

تعلّمتُ في "النهار" أن أكون صحافياً في كلّ مكان؛ في المكتب، في الشارع، في البيت، في الحياة العامة، بحيث تكون الصحافة هي الحياة.

تعلّمتُ في "النهار" أن أشتغل على نفسي، كما لو أني أبدأ كلّ يوم من الصفر.

تعلّمتُ في "النهار" أن أتثقّف في مهنة الصحافة، في "أسرار المهنة"، وأن أتواضع، وأن أكون تلميذاً، وقارئاً متنوّع القراءة، ومتنوّع الاهتمام، بحيث لا أترك مجالاً أو باباً إلاّ أعمل على الأخذ منه، والتكيّف معه.

تعلّمتُ في "النهار" أن لا أبيع قلمي وأن لا أشتري به أيّ شيء. وأن أكون صاحب ضمير وقيم وأخلاق.

تعلّمتُ في "النهار" أن أؤمن بالدولة، دولة القانون، وأن أكون مواطناً مدنياً، علمانياً، ديموقراطياً، حرّاً، لا منتمياً إلى طائفة، أو ميليشيا، أو زعامة.

تعلّمتُ في "النهار" أن مهنة الصحافة لا تنفصل عن مهنة المواطنة. كلتاهما مهنة، مهنة مهنية، ثقافية، أخلاقية، وطنية، ووجودية!

تعلّمتُ في "النهار" أن أكون حرّ التفكير، حرّ الرأي، حرّ الموقف، حرّ القرار، وحرّ الكتابة.

أيها الزملاء الأعزاء،

يهمّني في مناسبة الذكرى الخامسة لغياب غسان تويني، أن أذكّر نفسي بما تعلّمتُه في "النهار"، وأن أنقل إليكم ما أذكّر به نفسي. ربما، أقول ربما يكون لنا جميعنا فائدة متواضعة في ذلك. والسلام.

akl.awit@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard