بعد 60 عاماً، جورج نصر يعود إلى كانّ

26 أيار 2017 | 21:03

المصدر: "النهار"

أمس، كان يوماً مهماً في حياة المخرج اللبناني جورج نصر. لقد عُرض فيلمه “إلى أين؟” في #مهرجان_كانّ (١٧-٢٨ الجاري) بنسخة مرممة، 60 عاماً بعد مشاركته في مسابقة المهرجان نفسه. وقتها كان الفيلم قد وضع “السينما اللبنانية على الخريطة العالمية”، كما يردد دائماً مخرجه التسعيني الذي عبر ستة عقود من تاريخ #السينما، وكان حاضراً في هذه الاحتفالية. المدير الفني للمهرجان تييري فريمو قال إنّ “إلى أين؟” المُدرج في إطار “كلاسيكيات كانّ”، من الأفلام القليلة التي قدّمها مخرجه، فالعديد منهم توفوا ولم يعودوا من عالمنا هذا.  

قال نصر إنّه عندما أنجز الفيلم، لم تكن في لبنان احترافية، لا في التمثيل ولا في التقنيات، فاستعان بحدّاد لصنع سكة وضع عليها الكاميرا، كذلك بنجار لصنع عربة آلة التصوير المتنقلة والألواح العاكسة للإضاءة. عندما سأله فريمو إذا كان شاهده مجدداً منذ العام 1957، جاء رده: "ثمة مشهد صامت يقتصر على الصورة، تدمع عيناي عندما أشاهده. انه لمشهدٌ مؤثر جداً".

في مطلع الخمسينات، أراد نصر متابعة دراسته في الولايات المتحدة، فسافر الى شيكاغو، ثم إلى كاليفورنيا ليتقدّم بطلب الى جامعة "يو سي أل آي”. إلا أنّ الجامعة لم تعترف بشهادته في شيكاغو، فاضطر الى معاودة دراسته من جديد. كان يسكن في غرفة صغيرة عند سيدة عجوز. وفي يوم من الأيام كانت تعرّفه إلى لوس أنجلس، فتوقفت في محطة لتتزود بالوقود. هناك رأت شاباً يدعى جيم كان يسكن لديها. سألها ماذا يفعل، فأجابها بأنه يدرس السينما. فقال نصر: ما هي السينما؟ بالنسبة إليه، كانت السينما نعمة إلهية. لم يعرف أنّ في إمكان أيّ كان أن يدرسها، فسأله عن مكان دراسته فأجابه: في جامعة "يو سي ال آي" في قسم خاص. في اليوم التالي تسجّل فيها. كان نصر يشاهد 8 أفلام في الاسبوع على مدى أعوام. وبعد أربع سنوات تخرّج. ثم تدرّب عاماً في استوديوات هوليوود، وكذلك في #فرنسا، حيث عُرض عليه أن يمثّل. ولكنه أراد أن ينجز أفلاماً لبنانية وعاد الى وطنه العام 1955. في العام 1957، سافر الى كانّ ليعرض أول فيلم له "إلى أين؟". ذكره الناقد والمؤرخ السينمائي جورج سادول في كتابه "تاريخ السينما العالمية”.

عرض الفيلم في كانّ حصل بعد مرور سبعة أشهر تقريباً على تأميم قناة السويس. أمّم جمال عبد الناصر القناة في تشرين الأول، وعرض الفيلم في آذار. يقول نصر: ”عانى الكثيرون من عبد الناصر وظنوا أنّني من أقربائه. لقد تعرضتُ للقدح والذم من بعض الجرائد. فـ"فرانس سوار" تعرّضت لي شخصياً، أما "لو فيغارو" فلقبت الفيلم بـ"محاولة شعرية لبنانية". وبعدما شاركتُ في مهرجانات عدة، اكتشفتُ أنّه لا يمكن تقديم فيلم من دون تحضيرات مسبقة أو علاقات عامة ومن دون آلية عمل. لقد كنا سذجاً مبهورين بفكرة وصولنا الى كانّ...".

بعض أصحاب الصالات في بيروت رفضوا عرض الفيلم، وبعضهم طلب أجراً أسبوعياً ضخماً. وافق اثنان منهم بغية دعم السينما اللبنانية. وقالا لنصر إنّ هناك ثلاثة أسابيع او خمسة شاغرة في إمكانهما عرض الفيلم خلالها ولكن في اليوم التالي تراجعا عن قولهما. بعد أسبوعين، وعندما كان نصر متجهاً في الباخرة الى فرنسا في رحلة سياحية، شاهد أحد أصحاب الصالات اللبنانية على متنها، كان ينزل في الدرجة الأولى. في بادئ الأمر، تظاهر بأنّه لا يعرفه. وبعد ثلاثة أيام، أمضيا سهرة معاً، وكشف أنّه تعرض لضغوط منعته من عرض الفيلم. وفي النهاية، عُرض "الى أين؟" في "دار الاوبرا"، وكان الجمهور اعتاد مشاهدة الأفلام العربية. لذا شعر بشيء من الغرابة. وعلى رغم ذلك، استمر الفيلم اسبوعين على الشاشات. ويقول نصر إنّ الصالات الاخرى عرةت الأفلام الأميركية والأوروبية لمنافسته، لمنع نشوء سينما لبنانية، وهو بنفسه دفع ثمن ذلك.

لم يهاجر نصر البلاد رغم الحروب والمآسي. بعد “إلى أين؟”، أنجز فيلمين لم ينالا أيّ اهتمام، فاتّجه الى الإعلانات والأفلام الوثائقية السياحية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard