كورنيش الميناء: مكان أليف وساحة لغسل التعب والاستجمام

26 أيار 2017 | 12:36

المصدر: "النهار"

بدأت بشائر الصيف تلوح في الأفق حاملةً معها مزيجاً من نسائم أواخر الربيع اللطيفة، وأوائل الصيف ببعض حرّ يلفح وجوه الناس. والبحر في كل أوقاته، خصوصاً في مواسم الحر اللافحة، والصفاء الأزرق يطغى على السماء، ملاذ يجذب الرواد، وكورنيش الميناء في طرابلس، متآخ مع البحر، يشكل مكاناً أليفاً، وساحة لغسل التعب، والقلوب، بالاستجمام المريح للنفس، والمزيل للكرائب، فالكورنيش الذي يقصده الآلاف من سكان الشمال لينسوا فيه همومهم، وتعبهم. مكان عامر وزاهر تحت سماء رقيقة تغشى البحر القريب، وهناك تتعدد النشاطات واساليب اللهو المتنوعة. يطيب للناس المشي السريع، والعدو كنوع من اللياقة البدنية، او ركوب الدراجات، او الزوارق الصغيرة، يتنقلون بها من جزيرة الى اخرى.


صيد الاسماك الصغيرة من الهواة تنتشر على الشاطئ بطرق مختلفة، وأبرزها بالصنارة التي تستغرق ساعات يحمل المصطاد بعدها غلته، وغذاءه. ومنهم من يصطاد الاسماك الصغيرة بالغطس، يلاعب اللجج، ويغزوها، ويصارعها وصولاً إلى الأعماق للحصول على مبتغاه من أسماك يعرف مكامنها.

ولجلسات الكورنيش مع الاهل والاصدقاء على فنجان قهوة ونرجيلة، مواعيد لا تنتهي، وما إن يرحل موعد، حتى ينتظر موعد آخر بلهف. جلسات تغمرها الالفة والابتهاج، بينما نسائم البحر الطرية تملأ الصدور بهدوء وراحة.


تتم الجلسات على الكورنيش بطرق مختلفة، والمميز بينها ارتياد اربعة مراكب كبيرة راسية حوّلها اصحابها مقاهي ومطاعم، يتمتع الجالسون عليها بالقعود فوق المياه، من جهة، وبالتأرجح الخفيف الأشبه بالهدهدة، جراء تحريك المياه للسفينة، من جهة ثانية.

جلسات أخرى عفوية، تقيمها العديد من العائلات بعفوية، حيث يحمل اعضاء العائلة طاولاتهم وكراسيهم، والأهم النرجيلة، ومنقل الجمر، وتمتد الجلسات لساعات، والأفق مفتوح أمامهم على المدى البعيد، والتكاليف معدومة. إنها جلسات راحة البال الممتدة دون شروط، ولا ضوابط، ولا تنتهي إلا بالتعب من الهدوء، وراحة البال.

جلسات أخرى تقوم في المقاهي الشعبية التي أنشأها مئات الأشخاص على الرصيف، وتفننوا بصناعتها، وتخريجها، ومنها ما تشكل من سعف النخيل، وبعض شوادر ترد الشمس والهواء متى اشتد بين حين وحين، ومنها ما يصل إلى مياه البحر.


وباعة يتجولون بين الناس لبيع القهوة او الكعك او الترمس او غزل البنات والفستق والبوظة ... فالمكان يجذب الناس لانه نقطة عافية وراحة واستجمام.

وعلى مسافة لا تتعدى المئة والخمسين متراً من الشاطىء في ميناء طرابلس، تقع جزيرة "الميناء للبيئة البحرية"، تزيد مساحتها قليلاً عن الهكتار، وتشكل منتزها سياحياً جميلاً، بعد أن تم وصلها بالبر بجسر يعبر فوق المياه، يطل الزوار منه على اتجاهات البحر المختلفة، وتعبر الزوارق تحته ذهاباً وإياباً في حركة فريدة.

الناس يجدون في الجزيرة موئلاً للراحة والاستجمام، ويقصدونها مع عائلاتهم وأطفالهم الذين يلهون بالحديقة وبأراجيحها، بينما يتخذ أفراد آخرون المقاعد، أو ثلة من الأصدقاء، مجالس، يرشفون القهوة أو فنجاناً من الشاي ابتاعوه من الأكشاك، ويقترب آخرون من المياه الهادئة التي تلامس رمال الشاطئ، وعليها بقايا الأصداف البيضاء، وتجالس البعض على الصخور يتمتعون بأمواج البحر.

وعند مدخل الجزيرة أقيمت أقفاص للحيوانات والطيور الفريدة والمتنوعة، من غزلان الى طواويس، ودجاج، وديوك، وعصافير، تطلق تغاريدها، واصواتها المحببة، وتضفي حيوية خاصة، وإضافة جمالية للمشهد العام على شاطئ البحر.

باعة القهوة الجوالون، والفستق المقمر مباشرة على النار، والبليلة، والعصائر المختلفة، وكل ما تشتهيه النفس استكمالاً لمتعة البحر متوافر على الرصيف، ويمر صبية وبنات يحملن زهورا علّ أحد العشاق يهديها لمحبوب.


وتكثر الزوارق التي تقل الركاب إلى الجزر العديدة التي يتميز بها الشاطئ الطرابلسي، ومن جزيرة عبد الوهاب، إلى جزيرة البلان، فمجموعة جزر صغيرة تعرف تقليديا بارقام أطلقت عليها، وصولاً إلى المحمية البيئية الأهم في المتوسط وهي محمية جزر النخل المؤلفة من ثلاث جزر: الأرانب، والرمكين، وسنني حيث تلتصق السماء بالأرض، وبمياه البحر، ويرحل الانسان إلى عوالم غير مرئية في أيامه الاعتيادية.

من أصحاب الزوارق التي تقل الركاب محمد رشيد اللبابيدي، قال: "اعمل في هذه المهنة منذ 52 عاما، اقضي معظم وقتي على البحر، عملت بجميع انواع الصيد وصناعة الشباك والصنارة.

ويفيد أن أربعين شخصاً يعملون بنفس العمل، وان هناك 3200 مركب تتحرك على الشاطئ.

وقال:"البحر مسؤولية كبيرة لأن هناك خوفاً ان يقلب المركب، لذلك فالخبرة بالقيادة ضرورية، وانا اعمل "تاكسي" للناس في البحر، ولدي قارب انقل الناس من الكورنيش الى جزر قريبة، منهم من يعودون معي، ويكتفون بمشوار ذهاب وإياب، ومنهم من يبقون على الجزيرة، فيسبحون ويلهون ويصطادون او يعملون "سيران"، واعيدهم عند انتهاء يومهم البحري في المساء".

الجدير بالذكر، ان الميناء على موعد قريب مع مشروع الواجهة البحرية والذي يأتي ضمن مشروع دعم المجتمعات اللبنانية المضيفة والمنفذ من وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP وهو لتحسين الواجهة البحرية، وهو ايضاً مشروع سياحي يؤمن فرص عمل ويعتبر متنفساً للمواطنين.

ويشمل المشروع البنى التحتية، مرفأ الصيادين، مرفأ حئران، حل مشكلة الصرف الصحي، الانارة على الطاقة الشمسية، إقامة وسطية ومساحات خضراء وحدائق، ممرات للدراجات والباصات، تحديد اماكن الاكشاك، وهو من اهم المشاريع في لبنان والذي يحل المشكلات البيئية والاجتماعية.

من جهته، اوضح رئيس لجنة البيئة في اتحاد المهندسين العرب وامين سر لجنة محمية جزر النخيل المهندس عامر حداد:"ان مشروع بيئة Bay "بيئة باي" الذي طرحه هو مشروع اقتصادي - سياحي يعيد لمدينة الميناء رونقها ويوفر فرص عمل واسعة عبر محطة تسفير بحرية مخصصة لزيارة جزر النخل، ويمكن استخدامها ايضاً للسياحة والنقل البحري بين طرابلس وبيروت".

وقال:"تتمتع طرابلس والميناء بموارد طبيعية مميزة ابرزها الكورنيش البحري والجزر الطبيعية الفريدة من نوعها في لبنان، ويمكن الاستفادة منها لتكون مصدراً للدخل والنشاطين الاقتصادي والبيئي في المدينتين".

ولفت الى أن "هنالك مجموعة من المبادئ لتحقيق ذلك، ومنها: ان يكون اثر السياحة ايجابيا على المجتمعات المحلية، وان تخضع السياحة لأسس ادارية سليمة، وان تراعي في السياحة الجوانب الحضارية والثقافية، وان تحدد مواعيد واوقاتا مناسبة لزيارة المواقع السياحية المتوافرة في الميناء".


إميل خوري يتذكّر: حين هزّت الكلمة العالم

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard