شهادات توثّق العنف الجنسي وتفضح وحوشه... "أمي وعمّي قيّداني في منزل مهجور وتضاجعا!"

24 نوار 2017 | 18:33

المصدر: "النهار"

من وراء ستار خشبي داكن سمعنا صوتها. "هي" أرادت أن تتشارك معنا قصة معاناتها الطويلة مع العنف الجنسي الذي بدأ وهي في الربيع الخامس من العمر، حين اغتصبها عمّها لسنوات، مهدداً إياها بقتل أمها وأبيها إن أخبرتهم بالأمر، وبأنه كان يضربها ويحرق جسدها الطري. عمّها كان عشيق أمها، وعندما علمت الأخيرة بما يجري لم تحرّك ساكناً، "يا ليتني لم أخبرها. لم تفعل شيئاً، بل كانا يأخذاني الى منزل مهجور ويمارسان الجنس امامي، وانا مقيدة". "هي" توسلت الحاضرين والإعلاميين خصوصاً تغيير صوتها عند عرض شهادتها، فابنتها المراهقة تعاني اضطرابات عصبية كبيرة: "لا اريد تدمير حياة ابنتي". أجبرها زوجها على تعاطي المخدرات وهي حامل بها. "اعتقدته سيساعدني ويُخرجني من واقعي، بدا لطيفا وحنونا ايام الجامعة، لكني اكتشفت أنّه مدمن ومقامر، وعنّفني لفظاً وضرباً واغتصاباً، الى أن نقلني الى المستشفى بعدما أجبرني على تعاطي المخدرات. طلقته وهربت، وعاد عمّي يهدد عائلتي بقطع المال عنها. باعتني أمي من جديد طالبة أن "أسايره" لأنه يصرف على المنزل. توفيت والدتي بالسرطان وأورثت البيت الى عمي. تركت المنزل من جديد وتبنّت إحدى المدارس تعليم ابنتي وتعرّفت على شخص ادعى الإيمان وأراد الزواج بي والاهتمام بابنتي، الا أنه أرادني أن اتخلى عنها بعد الزواج وبدأ يعنفنا ويضربنا ودخل عليها مرة وهي تستحم، فطلقت مجددا وهربت".  

هي قصة من 50 شهادة مشابهة أو اشنع، وثّقها كتاب عنوانه "العنف الجنسي ضد النساء في لبنان، شهادات في الظل"، وفيه عرض لنتائج دراسة وثقت 50 حالة عنف جنسي بكل أشكاله، اعدها رئيس الرابطة العربية لجمعيات صحة النساء ومنسق الشبكة العربية للجنسانية والصحة الجنسية الدكتور فيصل القاق، والاختصاصية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة كارولين سكر صليبي. كتاب صمّم غلافه الموجع الدكتور حليم شويري ورلى دليقان، ونشره التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني بدعم من مؤسسة "دياكونيا" والوكالة السويدية للتنمية الدولية.

التجمع النسائي عمل خلال السنوات الخمس الاخيرة على مناهضة العنف الجنسي، وعلى رصد الاساءات الجنسية، "نمضي قدما في فضح هذه الجرائم واخراجها الى العلن لازالة السرية عنها وايصالها الى العدالة". واشار التجمع الى الترابط بين ظاهرتي العنف الجنسي وتزويج الصغيرات.

وعن الكتاب وغلافه الاسود، تقول الدكتورة كارولين سكر صليبي، انه يعكس إذلال النساء ووجعهن بمساهمة من كل المجتمع، فالجميع مسؤولون: "اعتقدت اننا لن نصل الى اكثر من 15شهادة، فتفاجأت من كمية النساء اللواتي تحدثن وهذا مؤثر ومؤسف، نعمل ليفيد الجميع من هذا الكتاب لمواجهة العنف. أهم دور للجمعيات هو استنادها على واقع حقيقي مُثبت بأرقام، في لبنان، يا للأسف، لا تعريف للعنف الجنسي، والى الآن على الرغم من انتشاره، لم يرَ المشرّع حاجة لقوانين جديدة وفعالة. 420 حالة اغتصاب في العام 2015 فقط اشتكين عند القوى الأمنية! أين حرية المرأة في شخصها وأمنها؟ القانون اللبناني يميز بين اغتصاب الزوج وهو مشرّع، وغير الزوج وهو جريمة. هذا الكتاب يجب أن يكون كالمياه الحارقة يقع على رأس الجميع. لدينا 50 سيدة من مختلف المناطق والأديان أعمارهن بين 16 و55 سنة، تحدثن عن العنف في كل مراحل حياتهن، نفّذت المقابلات مع 6 اختصاصياتات في الميدان الاجتماعي والنفسي. العيّنة ليست كافية، بل تعكس واقع المجتمع وظلمه، وكيف يتعامل مع الضحية في لبنان. عملنا مع 22 جمعية لم يتفاعل الجميع معنان بل 16 منها فحسب تعمل على قضايا العنف الجنسي.

الباحث الرئيسي الدكتور فيصل القاق، اعتبر ألا معاناة يواجهها الشخص أسوأ من العنف الجنسي، وما يُحزن هي طريقة معالجة هذه الحالات، مضيئاً على الأمور الأساسية في الدراسة، ومعتبرا ان "الشرق الاوسط وشمال افريقيا من اكثر أماكن انتشار العنف في العالم، وفي لبنان 1300 حالة بلغ عنها من العام 2008 الى العام 2012، توزعت بين عنف جسدي وعنف جنسي، و87 في المئة تعرضوا لعنف كلامي، 86 في المئة للضرب و55 في المئة تهديد بالهجر واقامة علاقات خارجية.

واعتبر أنّ العنف الجنسي ظاهرة عالمية حيث انه في انكلترا،  من أصل 95 الف حالة يُبلغ عنها، نحو الف حالة تمت ادانتها وهذا يُظهر حصانة المعتدي.

"لمسنا بالنسبة إلى واقع انتشار العنف الجنسي ادراكاً عالياً ووعياً أنّ السيدات يعلمن أنهن معنّفات. ولكن لا إبلاغ يتماشى مع انتشار الحالات، نظراً لارتباط الموضوع بمبدأ الفضيحة وافتراض المعنفة انها ستُلام. اللافت أنّ لا هوية طائفية او جغرافية معينة للمعنف".

واعتبر أن ما تسهّل حدوث التعنيف، عوامل شخصية اجتماعية عبّرت الضحايا عن قساوة المجتمع ولومه مما أخاف اللواتي يفكرن أو يحاولن الابلاغ عن الاعتداء او الاساءة، وعوامل علائقية وبيئية متعلقة بالسياسات القائمة وغياب المهارات ووجود المعتدي داخل الأسرة ومن موقع قوة.

وتحدّث عن آليات مواجهة العنف الجنسي، منها سلبي ومنها ايجابي: "اتباع النساء إطاعة الزوج او حالة النكران، واعتبار هذه الطريقة أمراً مقبولاً لأنه في صلب بعض عقود الزواج، أو بالتمكين كأن تجد المرأة عملاً. بعض النساء يعتبرن أنّهن يستغلنّ المعتدي مادياً فيما هو يستغلهن جنسيا. وهناك من هربن او لجأن الى الجمعيات، منهن من تعرضن لإدمان جنسي او انعزال موقت او المواجهة بالاشتباك والصراخ او اللجوء إلى التديّن.

وعن ردود الفعل تجاه الضحية، اعتبر أنّ قلة تلقت دعما في كل المراحل، ولكن الغالبية حصلن على اللوم والتهديد والكره وتحميلهن المسؤولية: الضحية مكروهة ومهددة ومهمشة داخل أسرتها. "ضربتني والدتي بعدما اعتدى عليَّ صهري، وقالت لي: "إياكِ أن تفتحي فمكِ... اذا طلقت اختك مين بدوا يصرف على العائلة". ومن ردود الفعل الآثار العميقة واضطرابات الضحية ومشاعر سلبية وانكسار والغضب والاهانة والصدمة والقلق والقرف والرعب والخسارة والسأم والعذاب والكراهية والتفجّع وعدم الاستقرار والشعور بوساخة الجسد! "اثار التعنيف لا تزول هؤلاء الأشخاص لا يمكن شفاؤهن بل عليهن التعايش مع هذا الجرح".

الاثار الاجتماعية راوحت ما بين التقبل والرفض، وثمة مستويات مختلفة بالمعرفة بوجود مراكز، ولا ثقة فيها غالبا ولا بالقوانين.

وركزت التوصيات على أربعة محاور: على الصعيد الشخصية، تمكين المرأة، وعلى صعيد العائلة، تقديم الدعم والتربية المتوازنة غير المنمطة جندريا، ومن المجتمع التثقيف وكسب الجمعيات الموجودة ثقة النساء، وعلى صعيد السياسات استكمال القوانين وتحديثها وتنفيذها.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard