"مكتبة الحلبي" في "قصقص"... قصّة أبطال تجاوزوا حكم الإعدام!

24 نوار 2017 | 15:28

المصدر: "النهار"

اللافِتة "مُتغلغِلة" بين الأشجار الكَثيفة.  

تكادُ تمرُّ عليها من دون أن تعيرها أي اهتمام.

"يعني ما بتلتفت حتى!".

قد تَطغى عليها نَبرة الأصوات "المُحتدّة" والأخرى "المُستَعجلة" القادِمة من الأحياء المُجاورة، أوعَجقة الشوارِع المُتفرّعة من شارِع جلول الرئيسي.

قد تُلقي الأحاديث الجانبيّة "المُلحّة"، وأبواق السيّارات "المُنفَعلة"، وهُتافات التُجّار المُتجولين الواعِدة بمُنتج أو آخر "ما ح تشوف متلو بحياتك!"، بظلالها على فُصول القصّة "المُتربّصة" خلف السطور المدوّنة على اللافتة التي يَستقرّ جانبها العلوي بين الأشجار.

 هذه الأشجار الطويلة تُزيّن الرصيف منذ عشرات السنين.

وهي تعرف أسرار المارة جيداً.

حفظت انفعالاتهم.

أحياناً، "ستّرت" على جنونهم العابِر.

سَمَحت لهم بإخفاء نزواتهم الداخليّة بين أغصانها، فيما هم يُسرعون إلى قضاء انهماكاتهم.

...و"يُطرّزون" ما تبقّى من أحلامهم على "طيف" همومهم.

وعلى هذه اللافِتة التي لن تمرّ عليها، في نهاية المَطاف، مُرور الكِرام، يَستقرّ طيف تاريخ عَريق لطالما قاد حُروبه الضارية مع أبطال الكُتُب والمجلات النادرة والقديمة التي يعود بعضها إلى مئة عام وأكثر.

حروب أدبيّة ضارية!

حروب ثقافيّة "لذيذة" في جمال مواجهاتها.

في هذه المنطقة التي يُطلق عليها إسم "الحرج" تيمناً بحرج بيروت الذي يُحيط بها، الحياة، بكل صَخبها وزهوها وشعبيّتها، هي الكنز الدَفين الذي لا بدّ من أن تعود إليه مراراً وتكراراً بحثاً عن مئات القصص. 

قصص الناس في الشوارِع.

هؤلاء الأبطال "العاديّون" الذين تولد منهم عشرات القصص غير الإعتياديّة!

لكن قصّة اليوم، في هذا الشارع – شارع جلول - الذي يُبرعم بين دفّتي كتابه الإفتراضيّ مئات الأبطال الذين يَخوضون، على طريقتهم، معاركهم الضارية مع الحياة اليوميّة، هي قصّة مكتبة!

مكتبة الحلبي

سنقرأ بعض سطور منها على اللافِتة "المُتغلغلة" بين الأشجار الطويلة!

"تأسست المكتبة في العام 1958، بالقرب من شارع حمد حيث بدأت كمحل بقالة صغير يخدم أهالي منطقة الطريق الجديدة، قبل أن تتحوّل في الثمانينات إلى مكتبة مُتخصّصة بالكُتُب النادرة والقديمة. تسلم السيد عبدالله الحلبي إدارة المكتبة بعد والده حسين الحلبي (أبو نظمي)، وداوم على تجميع الكُتُب حتى امتلأت رفوف مكتبته وأركانها، وبات يصعب الدخول إليها. واليوم، تحاول الآنسة لانا الحلبي تجديد المكتبة من ناحية التسويق والمحتوى، بغية المحافظة على رونقها الثقافي، عبر تسويق الكتب والمُشاركة في معارض الكتاب المحليّة".

قصّة اليوم التي اخترناها من المنطقة المعروفة أيضاً بـ"قصقص"، هي إذاً، قصّة مكتبة الحلبي!

وأبطال هذه القصّة، هم أفراد عائلة مُتماسكة، رفضوا أن يأخذ التاريخ معه، المكتبة العريقة التي لطالما اشتهرت بقدرتها على "أسر" هذا التوق اللذيذ إلى الماضي البعيد داخل الكُتُب والمجلات العتيقة..."وما في كتاب أو مجلّة قديمة بيعصى عليها!".

ولدا عبدالله الحلبي، لانا وكريم، إستقالا أخيراً من وظيفتيهما المرموقتين، لإعادة تأهيل المكتبة وللحفاظ على هذا الإرث العائلي الذي يُعيد صوغ الحنين، ويجعله أكثر اقتراباً من الحداثة.

هو زواج غير تقليديّ بين ماض عريق وحاضر طموح!

وقد احتفلت العائلة قبل أيام بالذكرى السنويّة الأولى لإعادة إحياء المكتبة من خلال مختلف الأنشطة التي تؤكد لانا أنها سوف تنتشر على مدار السنة.

نشاطات بدأت بتقديم الكُتُب مجاناً وانتهت بقراءات للأطفال تحوّلت تظاهرات شعبيّة شارك فيها "الجيران" وبعض الذين ما زالوا يحترمون الكتاب ويعترفون بفن القراءة!

وزيارة "مكتبة الحلبي" التي "تحميها" الأشجار الطويلة وتجعلها أكثر حميميّة في إطلالتها، هي في الدرجة الأولى زيارة "زاهية"، لذكريات الأب "عبدالله" الذي عَشَق الكُتُب والصحف القديمة وجرت العادة أن يبيع بعضها في المكان عينه الذي كان "محل سمانة"!...و"شوي ، شوي، صار يجمّع أنتيكا وكُتُب".

وكانت مسألة طبيعيّة أن يصطدم نَظَر الزبون بالصُحف والكُتب داخل برّاد الجبنة على سبيل المثال!

وبعدما عرفت المكتبة لحظات عزّها في ثمانينات القرن الماضي وذاع صيتها في كل البلد جنوباً وشمالاً، لم يعد الأب العصاميّ الذي يُتقن فن الرقص "بالسيف والترس" والذي عشق السفر وعاش طقسه الدائم طوال سنوات، قادراً على صيانة المكتبة التي تعود اليوم إلى الواجهة ونطمح لها بالإزدهار الذي يليق بالأبطال القُدامى الذين غلبوا الأيام وروّضوا شراستها.

عمل عبدالله الحلبي طوال 12 عاماً في الفُسحة الخارجيّة للمحل الذي امتلأ في الداخل بمئات ومئات الكُتُب العائدة من التاريخ والتي أكلها الغبار لكنه عجز عن إتلافها!

باع الحلبي المجلات واللوتو واليانصيب، ولكنه لم يتوقّف يوماً عن الحُلُم بأن مكتبته التي لم تتمكّن منها الحرب الأهليّة، والشاهِدة على متراس "شيّد" أمام واجهتها، والتي "نجت" من قذائف لا تُعد ولاتُحصى، ستعود...لا بدّ من أن تعود....لا بدّ من أن ينقذها أحدهم.

فكانت "المُنقذة" الحالمة "لانا"! وشقيقها "المُبدع" كريم!


ذات يوم مصيريّ، وبعد مشاركتها باسم المكتبة في عشرات الأسواق المتخصصة بالكُتُب في مختلف المناطق اللبنانيّة، قرّرت لانا، الإبنة الطموحة التي تعشق الكُتُب وتُريد بأي ثمن أن تُحافظ على الـFamily Business، وبمُساعدة شقيقها كريم، إعادة إطلاق المكتبة وإعادة الكُتُب والمجلات القديمة إلى الواجهة.

ويؤكد عبدالله الحلبي أن هذا القرار الإقتحاميّ والجريء، "ريّحّني! إرتحت! بحثت مطولاً عن مختلف السُبل لإنقاذ المكتبة ولكنني لم أوفّق. علّمت لانا ودرّبتها على أصول المهنة"، وصارت الشابة الرائعة والحالِمة والكفوءة تُشارك في معارض محليّة للكُتُب، وفي تشرين الثاني من العام 2015، "خلص! ما بقى بدّها. إتخذت لانا وكريم القرار".

 ووضعت لانا Vision Board، وراحت الوالدة المُلقّبة الجندي المجهول، والأب الذي يتذكّر ماضيه العريق بسعادة وافتتان، وكريم ولانا، يهتمون بأدقّ التفاصيل وأكثرها صعوبة، وانتقلوا إلى التعريب بعد "تفضاية المحل"...و"هالصناديق الّلي ما بتخلص والتقيلة تنحمل من محل لمحل"...وبعد أشهر طويلة من العمل بلا توقّف، ها هي المكتبة تحتفل بعيدها الأول في حلّتها الجديدة...فهيا بنا نشرب القهوة الشهيّة في الفُسحة "المكنكنة" التي زيّنها "كريم عَ ذوقو"، ونأكل المشهيّات من "المراطبين" التي حافظ عليها "عبدالله" من أيام والده!

نتصفّح المجلات التي لم تعد تصدر مثل، "لولو وطبوش" و"فوتو ريما" و"سمر"، و"Intimite".

 نشتري الكُتُب القديمة والروايات على أنواعها ونقرأ الصُحُف القديمة والمُغلّفة بالـ"نايلون".

 وإذا كان "عبدالله" في المكتبة، اطلبوا منه أن يروي لكم قصّة "سكّة الحديد" و"المقبرة الفرنسيّة" وكيف تمكّن من أن يؤمّن الكُتُب النادرة للزبائن "الصعبين"....ومن كريم أن يروي لكم كيف زيّن المكتبة وجعلها أقرب إلى منزل صغير، يحمينا جميعاً من قسوة الأيام، ومن لانا أن تخبركم عن مشاركاتها في "سوق الكُتُب" هنا وهناك، ومن الوالدة كيف أشرفت على "الشاردة والواردة" في عملية "الإنقاذ"! وأشربوا القهوة في الزاوية المُخصّصة للزوّار واختاروا ما يطيب لكم من "المشهيّات الأدبيّة".

ولكن، "شو ما عملتوا!"، حذار أن تطلبوا من عمّة "لانا وكريم" أن تلتقطوا لها "شي صورة تذكاريّة"...

                                    [email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard