كانّ 70- "نهاية سعيدة" لميشائيل هانيكه: فيلم صغير لواعظ كبير!

22 نوار 2017 | 16:12

النمسوي ميشائيل هانيكه قدّم أمس في #مهرجان_كانّ السبعين (١٧- ٢٨ الجاري) فيلمه الأحدث، “نهاية سعيدة”. عودته إلى الكروازيت تحققت بعد خمس سنوات من فوزه بـ”السعفة” عن “حبّ”، وهي الثانية له على امتداد سيرته السينمائية التي بدأت في نهاية الثمانينات ووصلت الى ذروتها في سنوات الألفين، حيث بات قامة كبيرة في #السينما الأوروبية المعاصرة. عائلة بورجوازية رصيدها المالي من مشاريع البناء والمقاولات هي محور “نهاية سعيدة” (عنوان ساخر يذكّرنا بفيلمه “ألاعيب مضحكة”). هناك الأب (جان لوي ترانتينيان) ذو النزعة الانتحارية، المسمّر في كرسيه المتحرك. وهناك ولداه. تضطلع بدور إحداهما إيزابيل أوبير، التي يصعب حصر شخصيتها وفهم سلوكياتها. ما نعرف عنها أنّها تتولى إدارة الأعمال. يكفينا أنها في فيلم لهانيكه لتصبح شخصيتها مؤطرة بغنى عن المزيد من التعريف. هذه لديها ابن يعاني ما يعانيه من أزمات نتيجة وطأة العائلة الثقيلة. شقيق أوبير (ماتيو كاسوفيتس) طبيب وأب غير جدير لمراهقة يُفتتح الفيلم على لقطاتها وهي تصوّر بهاتفها المحمول. لاحقاً، نتعرف إلى طبيعة الأفكار التي تعبر مخيلة هذه الطفلة. باختصار، نحن إزاء عائلة أوروبية تقليدية لا تتميّز بأي شيء سوى الثراء الفاحش واليأس والضياع والحياة المزدوجة ومحاولات الانتحار التي تصيب أفرادها. نعلم جميعاً ماذا يعني أن يدخل هانيكه وسط هؤلاء ويشيع بعض الفوضى في صفوفهم. لا نشكّ لدقيقة في قدرته على هذا. ثمة القليل من كل أفلام هانيكه في “نهاية سعيدة”. إعادة صوغ مقاربات صنعت مجده، ولكن تم تحديثها في ضوء المتغيرات الاجتماعية والسياسية في أوروبا. فبعضهم (من افريقيا) يخرج من المياه لبلوغ أرض الميعاد، وآخرون (من أوروبا) يعودون إلى المياه بعدما ضربهم اليأس. إلا أنّه، لقطة بعد لقطة، يتبيّن أنّ ما يريده هانيكه هو أن يقدّم تتمة غير رسمية لـ”حب”.  



فترانتينيان، الزوج الذي ساعد زوجته على الموت في العمل الكانّي المتوّج، يتكفل بنفسه سرد هذا التفصيل في الفيلم. ثم أنّه في “حبّ” كان يُدعى جورج، وكذلك هنا. أضف الى هذا تفاصيل عدة، تجعل التلازم بين الفيلم بديهياً. الثمانيني ترانتينيان ليس ممثلاً فحسب، إنّه يكاد يكون شخصية لفيلم وثائقي يصوّره هانيكه عنه. إيمانويل ريفا ماتت بعد “حبّ” (صوّرت من بعده أفلاماً صغيرة عدة)، فهل يموت ترانتينيان بعد “نهاية سعيدة”؟ اعترفُ أنّه خطرت لي الفكرة خلال مشاهدة الفيلم، لشدة الإيحاءات التي تصبّ في هذا المكان. يعمل هانيكه على أشياء صغيرة كعادته، يستعرض العلاقة بين الظاهر والخفي. تتفاعل الدراما عنده من أماكن لا يولي لها معظم السينمائيين أيّ اهتمام. يرى ما لا يراه غيره. سينماه الجامدة، الخانقة، القاسية، تنتقل بخطى واثقة إلى العقل الباطني للمتفرّج. يتسلّل الى الباطن ببطء شديد. تفعل فعلتها فينا، مرة بعد مرة، كداء خبيث. ولكن، هذه المرة، وصفته لم تأتِ بثمارها. فـ”نهاية سعيدة” فيلم مشتت، مضلل، يستجدي فيه هانيكه السينمائي المعلم بهانيكه مانح الدروس الأخلاقية والمتنوّر. نفهم جيداً أنّ التشتّت جزء من لعبة الفيلم نفسه. ولكن هانيكه يغالي في تقدير فاعليته. الموضوعات نفسها التي عالجها دائماً عن العائلة والمرض والموت والعزلة واليأس تعود مرة جديدة هنا. ولكن كل واحد من هذه الاشياء سبق أن جسّده بشكل أفضل في أفلامه السابقة. إنّه الخطاب نفسه الذي يُختَصر بالآتي: البورجوازية منحطة، مَن ينتمون إليها لا يستحقون الحياة. تخال نفسك في أغنية لجاك بريل تقول “البورجوازيون كالخنازير، كلما طعنوا في السن، ازدادوا غباءً”. مخرجنا يبلغ هنا الحدّ الأقصى لفنّه، وبفنّه أعني هذا الأسلوب الذي يتحكم به جيداً، وأصبح معلّمه. وبدلاً من القفز فوق تلك الحدود، يلّف حولها. مع ذلك، هانيكه كتيرنس ماليك تقريباً. مهما قدّم أعمالاً متفاوتة القيمة، يبقى في النهاية سينمائياً كبيراً. يعرف كيف يُمسك بخيوط السرد ويمضي بنا نزولاً. “نهاية سعيدة” يخلو من أيّ حكاية يمكن التقاط تفاصيلها. هكذا كانت دائماً الحال عند هانيكه، ولكن هنا أكثر من أي وقت مضى، يهدم أكثر مما يبني. "الحكاية" برمّتها تتجسّد هنا في الشخصيات. الشخصيات المخلّة التي يستغرق تقديمها وقتاً طويلاً، وفي النهاية يقطع الفيلم (وعلى نحو سادي) في اللحظة التي نبدأ بالاهتمام في هذه الشخصيات. لا أحد تقريباً ينجو من شرور المعلّم، حتى الأطفال الصغار. نراه يصوّر ناسه بتصميمه الشهير على استخراج أبشع ما في دواخلهم. كلما يقترب هانيكه من النهاية، نهايته هو ونهاية الفيلم، تزداد حتميته وشكوكه ويتراجع منسوب التسامح عنده. ولكن في الوقت عينه، لا يصدم، بل يمسك الاشياء بكفٍّ من مخمل، ولو أنّ القبضة تبقى حديدية. ثلاثة أرباع الفيلم، نحاول فهم ما يحضّره لنا المخرج. المونتاج مباغت، المَشاهد تكتفي بذاتها، إلخ. فالأشياء العادية التي نتابعها من المفترض أنّها تكتسب أهميتها من الحدث المنتظر المقبل على الفيلم. العنف يبقى خارج الإطار فارضاً سطوته على المشاهد. يُدرك هانيكه جيداً دور الغائب في صناعة الحاضر. جزء كبير من الفيلم هو تيليسكوباج بين هنا وهناك: كلب يعوي، مغنٍّ على المسرح، رجل مقعد يعبر الطريق في ترافيلينغ طويل ليتحدّث مع مجموعة شباب سود. طبعاً لن نسمع ماذا سيقول لهم. يجدر انتظار الربع الساعة الأخير كي يقدّم هانيكه جسداً حقيقياً للأشباح التي تطارده. يمتحن صبر المتلقي ويصفعه في اللحظة التي لا تعود تعني له تلك الصفعة شيئاً. في مرحلة التصوير اختُصر الفيلم في اعتباره عن أزمة المهاجرين في منطقة كاليه الفرنسية من وجهة نظر عائلة بورجوازية. يتّضح الآن أنّ هانيكه لم يغادر عالمه من أجل هؤلاء، ولكن هؤلاء هم الذين جاؤوا إليه. العلّة أنّه عوّدنا على لحظات أقوى. نهاية سعيدة؟ نعم سعيدة، ولكن الشيء السعيد الوحيد الذي يحدث في الفيلم يقرر هانيكه ألا نعيشه بالكامل.



هانيكه في "النهار"

 مساء الأحد، كان الردّ قاطعاً. ينبغي القول إنّ “حبّ” رائعة سينمائية، من تلك التي لا تصادفنا كل يوم. منذ اللحظة الأولى برز الفيلم بروزاً لافتاً، مختلفاً، فاقعاً. في المؤتمر الصحافي الذي تلى الجوائز، روى الحكّام لقاءهم بالفيلم بكلمات رقيقة. كان متوقعاً أن يربط موريتي بين فيلمه "غرفة الابن" ("سعفة" عام ٢٠٠١)، وهذا الفيلم الذي يمكن تسميته "غرفة الزوجة"، وهو حكاية زوجة (ايمانويل ريفا) تحتضر، فيواكبها زوجها (ترانتينيان) في رحلتها الأخيرة. هذا أكثر فيلم شخصي لهانيكه الذي بلغ السبعين في آذار الماضي. سؤال الموت والحياة والحبّ التقى رعشة سينمائية. عندما أعطي الجائزة، قال هانيكه، بعدما بدا كمسيح مبشر بلحيته البيضاء، بأنه "هكذا قرر وزوجته التصرف في حال أُصيبا يوماً بمرض مزمن"، إشارة الى الموت الرحيم الذي يتطرّق إليه فيلمه، لكن مورابة. أما اللحظة الأجمل خلال الأمسية، فجاءت مع ترانتينيان، وهو يلقي بيتاً من قصيدة لجاك بريفير: ماذا لو حاولنا أن نكون سعداء، فقط من أجل أن نكون نموذجاً للآخرين! (أيار ٢٠١٢ - كانّ).


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard