كانّ 70: بدرو وويل وماريون وآرنو وآخرون…

18 نوار 2017 | 16:28

المصدر: "النهار"

بدرو ألمودوفار أمس في كانّ (تصوير هوفيك حبشيان).

حفل افتتاح الدورة السبعين من #مهرجان_كانّ السينمائي في مسرح “لوميير” (٢٢٠٠ كرسي) مساء أمس، قدّمته القنبلة الإيطالية مونيكا بيللوتشي ورقصت خلاله وتمايلت وقامت بحركات غنج، وفي النهاية لم تتوانَ عن طبع قبلة على شفتي شريكها في التقديم أليكس لوتز. اقتصد الفرنسيون هذه المرة في طريقة تعاملهم مع الحدث، رغم البهجة التي تملأ الشوارع. فالحوادث الأليمة لا تزال في البال. قبل عشرة أشهر فقط، دهس إرهابي المارة في نيس، المدينة البعيدة 40 كم فقط من كانّ، ما دفع هذه السنة بالمهرجان إلى رفع سقف الأمن والمراقبة والتشدد بالتفتيش على نحو لم يسبق له مثيل.  

كان الافتتاح بسيطاً كالعادة، لم يدم أكثر من نصف ساعة تم خلاله تقديم أعضاء لجنة التحكيم التي يترأسها المخرج الاسباني الكبير بدرو ألمودوفار الذي لطالما حلم بـ”سعفة” لم ينلها. بعد مونتاج عن أبرز أفلامه، عُرضت على الحضور لقطات من الأفلام الـ19 التي تتسابق على “السعفة” هذه السنة، علماً أنّ المسابقة تضمّ قامات كبيرة مثل النمسوي ميشائيل هانيكه والفرنسي جاك دوايون والأميركي تود هاينز والألماني فاتي أكين وغيرهم كثر. ترى لمَن ستذهب أرفع جائزة سينمائية في العالم؟ هذا ما بدأ يشغل الصحافة الصفراء، حتى قبل أن يُعرض فيلم واحد. بدأت المواقع الالكترونية تزدحم بعناوين مماثلة. في حين حمل النقّاد الجادون حقائبهم ودفاترهم لمعاينة الأفلام بغية اصطياد الجوهرة النادرة. والتشكيلة المختارة واعدة هذه السنة، سواء في المسابقة أو خارجها، وكذلك في الأقسام الموازية. إلا أنّ للمرء قدرة محدودة على المتابعة، خصوصاً في كانّ حيث تتكاثر الإغراءات، فلا نملك إلا جدولاً ضيقاً نوزّعه بين ساعات المشاهدة والكتابة وإجراء بعض الحوارات. أما النوم، فهذا مؤجل إلى ما بعد المهرجان. أياً يكن، فالدورة السبعينية محمّلة أكثر من سابقاتها بنشاطات تحتفي ببلوغ كانّ سبعين دورة. ومن هذه النشاطات، حفل ستقدّمه إيزابيل أوبير، سيتم خلاله استذكار محطات مهمة من تاريخ كانّ. كلينت إيستوود سيكون حاضراً ليقدّم درساً سينمائياً، وستُبتكر جائزة تُمنح لأفضل مصوّر. 

(تصوير هوفيك حبشيان).

شكّل “أشباح إسمايل” لآرنو دبلشان، خيبة عند العديد من الذين شاهدوه صباح الأربعاء ضمن عرضه الصحافي. فجديد المخرج الفرنسي القدير الذي يفتتح الدورة السبعين من #مهرجان_كانّ (١٧ - ٢٨ الجاري) والمعروض خارج المسابقة، بدا مخربطاً، فيه الكثير من الحوادث المتداخلة التي تفضي إلى نهاية باهتة. من خلال نصّ مشتت، وتقلبات غير منطقية، واختزالات زمنية حادة، قدّم دبلشان عملاً يفتقد الترابط والانسجام على الرغم من طموحه الذي لا يجوز نكرانه، ولذا يمكن وصفه بالعمل المفتعل بعض الشيء، لا يمتلك قدرة على الاقناع خلافاً لمعظم ما سبق أن قدّمه صاحب “قصّة ميلادية”، الذي يقول إنّ كلّ جديد له يأتي ضد ما سبق أن قدّمه.

الفيلم من تمثيل ماتيو أمالريك، الذي سبق أن انخرط غير مرة في أفلام دبلشان، وهو يُعتبر كنوع من أناه الآخر للمخرج. أما الشخصياتان النسائيتان، فهما ماريون كوتيار وشارلوت غاينسبور. ينضم إلى هؤلاء الثلاثة كلّ من لوي غاريل وهيبوليت جيراردو وألبا رورفاكر. الفيلم يخرج في الصالات الفرنسية بالتزامن مع عرضه في كانّ، التظاهرة التي من المتوقع أن يقصدها الآلاف، خصوصاً أننا في صدد الاحتفاء بدورتها السبعين.  

(تصوير هوفيك حبشيان).

دبلشان يعتبر “أشباح اسمايل” بورتريهاً لايفان، وهو ديبلوماسي يعبر العالم من دون أن يفهم منه شيئاً، وهو في الحين عينه بورتريهاً لاسمايل، المخرج الذي ينكب على حياته من دون أن يفقه هو الآخر أي شيء ممّا يحلّ به. ثم هناك عودة امرأة من بين الأموات. هذا كله يعالجه دبلشان حيناً كدراما رومنطيقية، وحيناً كفيلم غارق في فرنسيته التي تجعل من مثلث غرامي مركز الكون، وفي أحايين أخرى كفيلم تجسّس، وهذا الجزء الأخير هو الأضعف وينسف احتمالات الفيلم كلها. صحيح أنّ أمالريك يضفي بأدائه الجنوني بُعداً وجودياً على النصّ، كما فعل دائماً، إلا أنّ الأمر ليس كافياً في هذه الحالة تحديداً. فالفيلم يحتاج إلى أكثر من ذلك ليتم إنقاذه من طموحات دبلشان الذي يغوص في العلاقات الإنسانية والعاطفية المتشابكة.

المونتاج ممتاز يحمل دلالات العلاقة المتأزمة والمكلومة، ما يجعل الفيلم برمته يبدو كأنه كابوس يعيشه ابطاله بعيونهم المتفتحتين. الرحيل تيمة يتبلور داخلها دبلشان وفيلمه هذا الذي له قدرة معينة على استيعاب هناته وعيوبه. فهو يعرف على أي مسافة من الحدث يبقى. على السجادة الحمراء، سمعنا دبلشان وهو يقول إنه ابن جيل جاكوب (الرئيس الأسبق للمهرجان)، قيصر كانّ الذي غيّر حياته عبر دعمه الدائم، وهو يشعر بانفعال شديد لوجوده على الـ”كروازيت”، واعترف أنه غير قادر على البقاء داخل الصالة لرصد ردود الصحافة، لشدة خوفه.

في المؤتمر الصحافي الذي تلا عرض “أشباح اسمايل” الصباحي، قال دبلشان إنه لا ينظر إلى مسيرته كـoeuvre، فهذه الفكرة تجعله ينفر. لم يخفِ أنّ إسناده الافتتاح جعله يشعر بمكان ما أنّه طعن في السنّ. فيلمه الذي لم يصفق له أحد في نهاية العرض الصحافي، لم يُستقبَل بحفاوة، ومع ذلك طمأنه المنتج عبر الهمس في أذنه “سا فا سا فا”. فما يعالجه دبلشان هنا هو فكرة “الفرصة الثانية” التي كانت حاضرة في غير فيلم من إخراجه. الشخصيات عنده عليها أن تولد ولادة ثانية دائماً كي تصمد أمام المتغيرات. للفيلم نسختان، واحدة طويلة وأخرى أطول. فالمنتج وهو يعاين التوليف، قال لدبلشان: “ألا توجد هنا مادة لفيلمين؟”. بالنسبة إلى استعانته هذا القدر من الأسماء الكبيرة في فيلم واحد، كان ردّ دبلشان أنّه لم يفكّر يوماً في إنجاز فيلم يتألف فريق عمله من نجوم، وهو في أي حال لم يعلم مسبقاً إلى مَن يكتب الأدوار، ولكن شخصية إسمايل التي كان يكتبها راحت تنزلق في الجنون. مدح ممثلته ماريون كوتيار، فقال أنّه اكتشفها في “لا موم” (أدّت فيه دور اديت بياف)، ولفتته قدرتها على أن تتولد من ذاتها. وهذه هي شخصية كارلوتّا التي تضطلع بها كوتيار، إذ تعود إلى الحياة بعد عشرين سنة غياب. ماريون في نظر دبلشان تتميز بقدرتها على خلق ميثولوجيا ثم هدمها. سمعناه يتحدّث أيضاً عن شارلوت غينسبور في اعتبارها نار تحت جليد. كان يرغب في التعامل معها منذ شاهدها في “الوقحة” لكلود ميللر، إلا أنّه لم تتسنَ له الفرصة. فهي في نظره تجسّد الفضيحة على الطريقة الفرنسية.

(تصوير هوفيك حبشيان).

كوتيار، من جانبها، قالت إنّها وجدت دور كارلوتّا في النصّ المكتوب. كلّ شيء كان واضحاً في الشرح الذي جاء به دبلشان، سواء المكتوب أو الشفهي. فاعترفت الممثلة الجميلة أنّها لا تملك أي تقنية عمل محددة، ولكن يبقى أنّه هناك قاسم مشترك بين كلّ ما قدّمته. “وجدتُ الشخصية عندما وجدتُ النحو الذي تتنفس به. طريقة تنفسها تقول الكثير عنها. إنّها شخص تختفي في عمر العشرين، لمدة عشرين سنة. مهما شرحت وضعها، ستبقى غامضة”. عن تعاونها مع ممثلين آخرين، قالت كوتيار إنّها لن تكذب وتدّعي أنّ كلّ شيء كان على ما يرام. فهي تأسف مثلاً أنّه لم تكن لها تجارب مهمة حتى الآن سوى مع ممثلين لا مع ممثلات. إنّها في أمسّ الحاجة إلى أن يتغيّر هذا الشيء في حياتها، كونها ترغب بشدة في إرضاء عطشها بالتعاون مع ممثلات. مع شارلوت غينسبور، كانت العلاقة في أفضل حال، لا بل وصفتها بالمدهشة. فغينسبور كما قالت كوتيار من الممثلات اللواتي أعطتن لها الرغبة في التمثيل (على الرغم من الفارق القليل في العمر بينهما). فأبناء وبنات جيلها وقعوا تحت سحرها منذ الإطلالة الأولى لها.

في الجلسة التي كانت لنا مع أعضاء لجنة التحكيم بعد ظهر أمس، تداخلت اللغات والآراء والهويات. فنحن أمام لجنة دولية بامتياز. أحياناً بلغ الاختلاف حدّ التناقض، كما حصل مع الخلاف في الرأي بين ألمودوفار والممثل ويل سميث، عضو اللجنة، على خلفية قضية منصّة عرض الأفلام “نتفليكس”. فلهذه الشركة في المهرجان عملان (“حكايات مييروفيتس” لنوا بومباك و”أوكيا” لبونغ جون هو)، تريد عرضهما على منصّتها من دون إنزالهما إلى الصالات، ما يتناقض جذرياً مع الأصول والقوانين المعمولة بها في بلد “الاستثناء الثقافي” (فرنسا). ألمودوفار في خطابه كان واضحاً أنّه لا يحبّذ إسناد جائزة لفيلم لن يبصر النور في الصالات، وعلى كلّ فيلم أن يُشاهَد أولاً على شاشة كبيرة. أصر أنّ هذا لا يعني أنّه ضد التقنيات الحديثة. هذا الكلام اعترض عليه سميث، ضمنياً، فروى أنّ أولاده يشاهدون الأفلام على “نتفليكس” ويرتادون الصالات، وأي من الطريقتين في المشاهدة لا تمنع الأخرى، وفي رأيه لا تؤثّر هذه في تلك. بات واضحاً أنّه هناك فيلمان “مغضوب عليهما” منذ الآن في مسابقة كانّ، وهذا لن يكون لمصلحة اللجنة التي وقعت في فخّ، فهناك هذه السنة قضية إضافية، المحكّمون بغنى عنها، ذلك أنّ مهماتهم يجب أن تقتصر في المقام الأول على معاينة المستوى السينمائي للأعمال، وإن كان الموقف من تسليع #السينما وجعلها مجرد بضاعة مهماً أيضاً.  

(تصوير هوفيك حبشيان).

تحييد الفنّ عن التجارة على النسق الذي يراه العقل الثقافي الفرنسي وعدم التعامل معه بالقوانين التي تُطبَّق على السلع والمنتوجات، هما أمران خارج قدرة “الأميركان” على الاستيعاب، وها إنّ الشرخ في هذا المجال يتجلى من على أعظم صرح سينمائي.    

بعيداً من هذا الجدل العقيم، كانت لجسيكا تشاستاين كلمة رقيقة قالت فيها إنها ابنة كانّ. هنا ولدت، وستظل تتذكّر “شجرة الحياة” (تيرينس ماليك - ٢٠١١)، حتى آخر نَفَس من حياتها. قالت إنّها ستحكم على الأفلام بانفتاح، متناسية كلّ ما تعلمه عن المخرجين وسيرهم. لفظت كلمة “موضوعية” من دون أن تعلم أنّ هذه الكلمة في مهمة كهذه لا تعني شيئاً. أما رئيسها ألمودوفار، فله رغبة في أن يعيش ما عاشه أسلافه في كانّ يوم شاهدوا هنا للمرة الأولى أفلاماً مثل “القيامة الآن” لكوبولا و”الحياة العذبة” لفيلليني. “نريد الانفعالات نفسها”، أكّد صاحب “كلّ شيء عن أمي”، الذي حيّا أيضاً كلّ أعضاء لجنة التحكيم، قائلاً إنّه لطالما حلم في العمل مع عدد منهم. ورداً على سؤال عن طغيان النساء في لجنة التحكيم أو داخل الأفلام المعروضة، قال إنّه سيقيم الفيلم لذاته لا لاعتبارات جندرية. رغم أنّ ألمودوفار يشعر أنّه امرأة من الداخل أكثر من الكثير من النساء.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard