بعد انسحاب قاليباف... هل يخطط الحرس الثوري لهزيمة روحاني؟

16 نوار 2017 | 18:35

المصدر: "النهار"

قد تنطبق على مراقبة العالم للانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة المقرّرة يوم الجمعة المقبل، المقارنة التي أجراها النائب السابق في البرلمان الأوروبي باولو كازاكا في صحيفة "نيودلهي تايمس" الهنديّة بين ما يحصل في #طهران اليوم وما حصل في موسكو أيام الاتحاد السوفياتي. فكي يفهم الغربيّون سياق الأحداث في روسيا، يكتب كازاكا عن بروز ما عُرف حينذاك بال "كرملينولوجيا"، أو علم الكرملين، حيث كان المحلّلون يحصون عدد المصافحات، وعدد ثواني التصفيق ... أمّا اليوم وفي طهران، فبات المتابعون يركّزون على عدد هتافات "الموت لأمريكا أو الموت لإسرائيل" بعد صلوات الجمعة أو عدد الاستفزازات التي تشنّها قوارب الحرس الثوري في الخليج العربي... بالنسبة إلى كازاكا، صار العالم أمام تحديث لل "كرملينولوجيا" لصالح "إيرانولوجيا".

بعدما وصل عدد المرشّحين الإيرانيين لثاني أهمّ منصب في البلاد إلى أكثر من 1500 شخص، قبِل مجلس الأوصياء المسؤول عن التدقيق في مسيرة المرشّحين وأهليّتهم للمنصب، بستّة مرشّحين فقط. وترأست تلك اللائحة حتى بداية هذا الأسبوع ثلاث شخصيّات أساسيّة: الرئيس الحالي حسن #روحاني الذي يطمح لولاية ثانية، رجل الدين ابراهيم #رئيسي المقرّب من المرشد الأعلى، محمّد #قاليباف عمدة طهران وجنرال سابق في الحرس الثوري. يضاف إلى هذه الشخصيّات، نائب روحاني الأوّل إسحق #جهانغيري، مصطفى هاشمي #طبا وسطي ووزير أسبق مهتمّ بالسياسات البيئية، والمحافظ مصطفى آغا #مير_سليم وهو أيضاً وزير أسبق ومهندس.   

وفي حين يُحسب روحاني بشكل عام ضمن خطّ الإصلاحيّين أو المعتدلين، يصنّف رئيسي وقاليباف ضمن معسكر #المحافظين. لكنّ مشكلة قاليباف بانت مع عدم حصوله على دعم المرشد الأعلى والحرس الثوري، خوفاً من انقسام أصوات المحافظين، الأمر الذي قد يساهم في فوز روحاني. واستمرّ قاليباف بترشّحه حتى يوم الاثنين الماضي، حين أعلن انسحابه من السباق لصالح رئيسي. هذا الانسحاب سيضع الانتخابات أمام مرحلة جديدة لافتة. فالصراع حول الرئاسة بدأ يعكس طبيعة الصراع الحقيقية والمستمرّة بين المتشدّدين والإصلاحيين لا على المستوى الرئاسي وحسب، بل أيضاً على مستوى كسر موازين القوى الداخلية في إيران. واليوم، أعلن جهانغيري انسحابه أيضاً.




بعد توقيع طهران الاتفاق النووي مع مجموعة الدول الست، غلبت النتائج الاقتصاديّة لهذا الاتفاق على ما عداها من التداعيات ضمن النقاشات السياسيّة الداخليّة. فروحاني وعد دوماً بدخول المليارات إلى الاقتصاد الإيراني الذي كان على شفير الانهيار بسبب العقوبات الدوليّة بعد توقيع الاتفاق. ومع أنّ روحاني نجح في تحجيم نسب التضخم التي بلغت مستويات قياسيّة (حوالي 40%)، إلّا أنّ النتائج الاقتصاديّة على الطبقات الفقيرة والمتوسّطة لم تبدُ ملموسة. وهذا ما ركّز عليه معسكر المتشدّدين خلال السنتين الماضيتين، أكان عبر وسائل الإعلام التابعة له أم في الحملات الانتخابية أو حتى في المناظرات الرئاسيّة المتلفزة (جرت كلّ يوم جمعة على مدى ثلاثة أسابيع).

رئيسي يعد الإيرانيين بالتركيز على خلق الوظائف، خصوصاً أنّ نسبة البطالة في إيران تصل إلى حوالي 13%. لكن بحسب ما يلاحظه الباحث في "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي راي تقيّة، "لم يحدّد (رئيسي) بالضبط كيف سيفعل ذلك". وكان قاليباف قد وصف حكومة روحاني في المناظرة الأخيرة بأنها "حكومة ال 4% الأكثر ثراءً في المجتمع". وأضاف أنّ "الشجرة (حكومة روحاني) التي لم تعطِ ثماراً (في الماضي) لن تعطيها أبداً (في المستقبل)". أمّا رئيسي فرأى أنّ الفقر أضحى يمسّ ثلث سكّان البلاد في اتهام واضح لروحاني بالتقصير على المستوى الاقتصادي.

يشعر روحاني بحجم الضغوط الهائلة التي أرهقت ولايته الرئاسية الأولى والتي تُنبت عراقيل جمّة على طريق ضمانه لولاية ثانية. هو يستطيع فعلاً أن يقدّم أرقاماً إيجابيّة عن النموّ طبعت عهده الأوّل، لكن بدون أن تشكّل نقطة تحوّل حقيقي تحفيزيّ للاقتصاد الإيراني. فكّ عزلة البلاد التي فرضها المجتمع الدولي ليست إنجازاً حقيقياً بالنسبة للفريق المتشدّد لأنّه لم يكن مهتمّاً بانفتاح إيراني على العالم الغربي بدون ضمان مكاسب استراتيجية هامّة. خلال زيارته لمدينة شيراز يوم الاثنين ضمن جولته الانتخابية، انتقد رئيسي سعي الحكومة الحثيث لبناء علاقات مع الغرب: "هنالك 180 دولة حول العالم فلمَ يجب أن نحصر تفكيرنا بالعلاقات مع أوروبا وفرنسا؟".

المشكلة الثانية التي يواجهها روحاني هي أنّ انفتاحه على الغرب لم تؤتِ الثمار الماليّة المرتجاة. الباحث في السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط هنري جونسون ذكر في مقاله ضمن مؤسسة الرأي الأميركية "ذا ناشونال إنترست" استطلاع رأي إيرانياً جرى في تمّوز الماضي، وجد أنّ حوالي 75% من الإيرانيين لم يلمسوا أي تحسّن اقتصادي منذ توقيع الاتفاق. وأرجع السبب في ذلك إلى كون الأخير قد رفع القيود عن التجارة العالمية مع إيران، لكنّه لم يمسّ مجموعة كبيرة من العقوبات الأمريكية. ورأى جونسون أنّ واشنطن لم تحض حلفاءها على الدخول إلى الحقول الاستثمارية مع إيران تجارياً أو صناعياً أو الأهمّ مصرفيّاً. بالتالي، لم تستفد طهران من الاتفاق إلا بشكل هامشي من خلال الإيرادات النفطيّة، ولهذا السبب لم يشعر الإيرانيّون بالمكاسب الموعودة.

هذه السياسات الأميركية المتردّدة تجاه وضع إيران بعد الاتفاق النووي برزت في عهد باراك أوباما الذي لم يألُ جهداً للوصول إلى ما رآه انتصاراً لديبلوماسيّته. وذهب إلى حدّ توقيع عقود سرية مع طهران بالمليارات على هامش هذا الاتفاق بدأت وسائل الإعلام الغربيّة الكشف عنها منذ أشهر. أمّا مع الرئيس الحالي، فالوضع يزداد صعوبة، إذ يبدي ترامب رؤية جديدة للشرق الأوسط قوامها محاولة عزل إيران مجدداً سياسياً واقتصادياً وديبلوماسياً. وهذا يضيّق الخناق أكثر على وضعيّة الرئيس الإيراني الحالي، فيما يستغلّ خصومه تلكّؤ الغرب عن الوفاء بالتزاماته ليصوّبوا سهامهم على توجّه روحاني السياسي والاقتصادي على حدّ سواء. توتّر روحاني جعله ينتقد بحدّة الحرس الثوري خلال المناظرة الأخيرة: "إذا كنّا نريد اقتصاداً أفضل فيجب ألّا نترك جماعات تحظى بدعم أمني وسياسي تشارك في الاقتصاد".

لكنّ سياسيّين ومراقبين كثراً يرون أنّ من استفاد حقيقة، ولو جزئياً، من مفاعيل الاتفاق الماليّة في طهران كان الحرس الثوري لا الشعب الإيراني. وهذا ما أشار إليه مرّات عديدة ترامب نفسه في معرض انتقاده القاسي لسياسة سلفه، من خلال الإشارة إلى توسّع إيران العسكري إقليمياً بعد توقيعها على الاتفاق. خوف روحاني من الحرس الثوري، قد يزداد مع انسحاب قاليباف من السباق الرئاسي، في حين لا ينفي متابعون إمكانيّة تدخّل الحرس شخصيّاً لإجبار الأخير على اتخاذ هذه الخطوة، قبل أيام فقط على الانتخابات. لكنّ التدخّل بحسب هؤلاء قد يكون جزءاً من خطّة أشمل أعدّت لها الحلقة الضيّقة للمرشد الأعلى بما فيها الحرس الثوري نفسه.

الكاتب السياسي حشمت علوي رأى في مجلّة "ذا ديبلومات" الأميركيّة أنّ حلفاء المرشد الأعلى في إيران لجأوا إلى "التزوير والغش" في انتخابات سنتي 2005 و 2009 وهم ينوون تكرار التجربة في الانتخابات الحالية. وقد بدأوا تحضيراتهم في الأشهر الأخيرة على أقل تقدير بحسب ما أورده. ويشير علوي إلى أنّ اجتماعاً قد عُقد بين كبار المسؤولين الحاليين والسابقين في الحرس الثوري، من بينهم قاسم سليماني وعلي جعفري وآخرون، لتأسيس "الجبهة الشعبيّة لقوات الثورة الإسلامية" المعروفة اختصاراً بالاسم الإيراني "جامنا". ويرأس هذه الجبهة محمّد باقر ذو القدر الذي يعرّف عنه الكاتب بأنه صاحب دور في تزوير الانتخابات سنة 2005. ويضيف علوي غير المتحمّس لروحاني، أنّ خطة الحرس الثوري تمّت متابعتها بشكل "يومي" في ميادين ثلاثة يفصّلها كالآتي: المستوى الأوّل يقضي برفع أعداد الأصوات واتباع أساليب تزوير "لبقة". الثاني يتلخّص في تكثيف حملاتهم الدعائيّة في الإعلام، أمّا الثالث فيتبيّن في توجيه "جهاز التزوير العام" لمهاجمة شقيق روحاني واتّهامه بالسرقة والتسبب بفوضى في حملة روحاني وتصوير رئيسي كمرشح يمثل جميع شرائح المجتمع.

إذا صدقت هذه المعلومات فهذا يعني دخول المشهد السياسي الإيراني مرحلة جديدة من الصراع الداخلي. طبعاً، ليست هزيمة افتراضيّة لروحاني وحدها دليلاً كافياً على أنّ الحرس الثوري هو من أسقطه. حتى علوي نفسه الذي سرد خطّة الحرس الثوري، يعترف بأنّ القدرة على مخطّط كهذا موضوع آخر، خصوصاً أنّ وزارة الداخليّة بيد روحاني بالمعنى السياسيّ الواسع للكلمة. لكن على الرغم من ذلك، لا يمكن تحييد التوتّر الكلامي والإعلامي بين المحافظين والإصلاحيّين والذي عمره شهور طويلة، عن الإطار الانتخابي العام في إيران. المال والاقتصاد قد يشكّلان مركز ثقل حيويّاً لإعادة توزيع النفوذ الإيراني الداخلي في المرحلة القادمة. فهل تُمكّن الانتخابات الرئاسيّة الحرس الثوري من الإمساك بالورقة الماليّة في طهران نهائيّاً، بعد سيطرته على الورقتين العسكريّة والأمنيّة؟

                                                                                                                                 


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard