ومضات وجودية: الحرية تهلوس مزيداً من اللاجدوى والعدم

15 نوار 2017 | 12:30

المصدر: "النهار"

لوحة لحسن جوني.

أطبق زفيراً طويلاً ثم عاد إلى وضعه الطبيعي بعدما خرج السجّان ومعه ثلاثة معتقلين من دون أن يخرج معهم في نزهة قد تكون الأخيرة. رمى بشبكة نظره على المعتقلين الذين يفوق عددهم الخمسين، ضمن حجرة لا تحتمل أكثر من عشرين شخصاً. لم يصطد منهم سوى المزيد من اللاجدوى والعدم. وضعه الطبيعي هو الوقوف بوضعية "التسييف"، أي جانباً على كتفه، وفي وقفته غير الطبيعية هذه، أغمض عينيه... ضغط عليهما... ضغط أكثر كأنه يعصر ليمونة، حتى سالت منها دمعة كبريتية حارقة. فتح عيناه الملونتان بريشة رائحة البصل! تراجع بضع خطواتٍ بعدما رمى السكين من يده. قالت له حبيبته: ما بكَ! أزعجك البصل، أم أنّ رؤيا المعتقل عادت وغزتك؟ أطلق زفيراً طويلاً ورمى بنفسه على الكرسي مجيباً: 

ما يرهقني حقاً هو سؤالي إن كنت داخل المعتقل يوماً؟ أم أنّ عشقي للحرية جعلني أهلوس... هل الحريّة تُهلّوس؟

ضحكت واقتربت منه حتى لامس أنفها الصغير أنفه الغليظ:

أنتَ تُهلوس لأنك لم تنم البارحة وأنتَ تكتب روايتك الجديدة، التي تُطبخ على نارٍ هادئة، كهذه النار التي تدعونا لإكمال الطهي...

ابتسم لها، لكنها لم ترَ سوى عينيه الحمراوين وهما يضحكان بحزنٍ وقلق.

أغمض عينيه... عصرهما... ثم نهض بكل ما تبقى من قوته ممسكاً بجسدٍ يعوم كخشبة. من كانوا معه منذ ساعات، الآن هم كقطع السردين، وجبة جاهزة للسردين وأخواته!

راح يتمسّك بالحقائب والأجساد، عاد بذاكرته إلى أشهره العشرة الأولى، كيف كان يتمسّك بالأريكة والخزانة وقدم الجدّة محاولاً المشي بقدمين رخوتين تضربان على الأرض بقوة. لكن هنا ما من أحدٍ يرتمي بحضنه معلناً إنهاء تدريب المشي. هنا لا شيء سوى حضن أزرق يغوص به كأثداء الجدّة، يغوص حتى القلب، فيغمض عينيه منتشياً برائحتها، برائحة الفانيليا الممزوجة بروائح المطبخ. تدغدغه، فيضحك ويضحك مغمضاً عينيه من شدة الضحك... يفتحهما صارخاً "بااا" في وجه حفيده. يحمله عالياً ويضحكان. فَمان يرويان حكاية الحياة وسرّها. أسنان أخذت بالنمو، وأسنان أخذت بالزوال! وجهان متشابهان رغم العقود. صناديق الحموض النووية أمينة في حفظ مخططات النحّات!

وضع حفيده أرضاً بين تلال الألعاب واتجه نحو النافذة. نظر إلى الجبال المُطرّزة بالجداول وكُتل البخار والسحاب التي تُعانق القمم تارةً وتغفو على السفح تارةً أخرى. تذكر عمله في المدينة، كيّ الملابس على البخار، كيف قضى هذا العمل على شبابه وعمره. لم يخرج من المدينة إلا لبيته الحالي في الجبل. لم يزر دولاً أخرى ولا ركب البحر حتى. البحر! سأل نفسه:

هل ركبت البحر مرة؟ هل يعقل أنني لم ألمس ثوب رماله... أو حاولت أمواجه ابتلاعي يوماً؟

أغمض عينيه... سحب شهيقاً طويلاً، ثم أطلقه بقوة بعدما سمع صوت إطلاق النار. أخذ خوذته وسلاحه وخرج مسرعاً. وأخذ جرس الإنذار يُنذر بغارة جوية. أخذ موقعه في الخندق.. القوات النازية باتت قريبة والحصار شبه كامل. كان يكره النازيين ويكره الجنود والجيوش ولا يحب سوى الطبيب الضابط! كان مُغرماً به، يدّعي المرض ليحظى بليلة إيروتيكية معه تحت أصوات المدافع وصرخات الجنود واستغاثات الجرحى لدنو الموت سريعاً! كان يتمنى في كل هجوم أن يُصاب حتى يبقى قرب عشيقه فترة طويلة. أصدقاؤه يظنّون أنّه بطل شجاع، يحارب النازيين ببسالة ووحشية. لكنه يرغب برصاصة غير مؤذية، هذا كل ما في الأمر!

فعلاً... هذه المرّة تحقّقت أمنيته، لكن للمرة الأخيرة! سقط في خندقه يلفظ أنفاسه. ضغط على صدره . أغمض عينيه وعصرهما. وضع كفّيه على وجهه... نورٌ عظيم اجتاح حُرمة ظلامه.

خمسة رجالٍ مُدججون بعتاد الاستكشاف والتخييم. خمسة مصابيح ضخمة فتحت كالشلال في وجهه. شعر طويل يُغطي كتفيه وظهره، وشعر لحيته يُغطي صدره. فزع الرجال من شكله وراحوا يصرخون في وجهه ويردّد الكهف أسئلتهم، كأن العالم كله يسأله: من أنت؟ منذ متى وأنت هنا؟

وقف بجسده الضخم العاري محاولاً الكلام:

مم... مممن... من أنا!

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard