"النهار" من الضاحية... وجع الأبرياء وخوفهم

15 آب 2013 | 23:47

المصدر: النهار

عند السادسة وعشر دقائق وقع الانفجار، وارتجت معه المباني. الموت جاء في سيارة. لحظة واحدة قلبت المشهد. حريق ودخان، وزجاج يتساقط من أعالي. قتلى وانين جرحى، وصراخ اهل هرعوا للبحث عن احبائهم. لحظة واحدة ايقظت من كان نائماً في منزله، ورقد معها من كان يمرّ في ذاك الشارع الى الابد. عابرو سبيل، اطفال ونساء ورجال يعملون في محيط الانفجار وعمال اجانب، عشرات الضحايا لم تميّز كتلة اللهب القاتلة بينهم.

قبل نحو عشرين متراً من بداية حي آل المقداد في منطقة الرويس وقع الانفجار. سيارة انفجرت وهي تسير. احدهم قرر انهاء حياته، وانهاء حياة كثر معه. انه انتحاري، يقول المتجمهرون في المكان.

في لحظة الجنون هذه، كان محمد في محله، يقول من يعرفه انه القدر. ربما كان يهمّ بالعودة الى عائلته، ربما كان يريد ان يستريح. احدى معارفه سمحت لنفسها بالاستطراد "من يحمينا؟ قتل محمد دون ذنب، هو ليس مع احد، مات محروقاً، قتل وهو يفكر كيف يطعم عائلته".

مات آخر من بيت المقداد، هرع الى الموت بنفسه. سارع الى مكان الانفجار، قال لآخر من تحدث اليهم "علينا ابعاد الناس من المكان، لعل انفجار آخر ينتظرهم". كان يساعد في نقل الجرحى والضحايا، قبل ان يصبح ضحية. قتلته الكهرباء اثناء حمله احد الضحايا، لنقله الى سيارة الاسعاف. قررت كابلات الكهرباء ان تكون ضدّ الضحايا هذه المرّة، مات الرجل.

في زواية المكان، تستجمع نساء قواهن. تتحدث احدهن بصوت يخرق كل الضجيج. تتحدث عن هدية الضاحية في ذكرى الانتصار على اسرائيل "هل هذا ما تستحقه؟ هل الضاحية تستحق رائحة الموت؟ لا. مطلقاً. هي لا تستحق سوى الورد والارز. لقد انتصرنا لكم، ولنا، ولكن.." تسكت قليلا، وتستعيد عبارات قيلت في حرب تموز "فدى السيّد. هذا يزيد من صمودنا واصرارنا، نحن لا نخاف، ولا ننكسر".

"أولادي راحوا"..

عاجزين وقفوا امامها. رجال أمن "حزب الله" المحترفين، فجأة عجزوا عن فعل شيء يردعها، لم يستطع احد منهم اعطاءها اي جواب، هي تلك العجوز التي يوحي تعبها انها لا تخرج عادة وحيدة من منزلها. تمشي وتتكئ الى اي احد تراه جانبها. لم يكن ظهرها المنحني قادراً على منع وجهها من التحديق بالوجوه جيداً. قالت انها تبحث عن اولادها، "جميعهم، هنا، اسمح لي يا ابني في الدخول". لم تنزل دمعتها، لكنها بدت مستسلمة لخبر قد يأتيها في اي لحظة. نظرت في وجوه البعض كأنها تقول لهم، "اولادي راحوا". هي مقتنعة انهم شهداء. هكذا قالت. وتاهت بين الجموع.

جثة انتحاري؟

بين خشبتين متلاصقتين تدلّت جثته. قال البعض انه الانتحاري. طارت اشلاؤه الى بعد خمسين مترا من الانفجار. سالت لتعلق بين الخشبتين، وليسقط قسم منها على الارض. تجمهر الناس حوله. هو قاتلهم، ليس لديه ما يخسره، لكنهم يشمتون به، "الى جهنم، اما ضحايانا هم شهداء". منع احد من الاقتراب، فالادلة الجنائية تبحث عن شيء ما. قد لا تكون هذه الجثة للانتحاري، لكن الاهالي يؤكدون.

18 ضحية سقطت في الانفجار الى الآن. لعلها تحمل قصصا اكثر مأساوية، ومشاهد سوريالية. حتى ساعة متأخرة من مساء اليوم، كان الخوف لا يزال يحتّل الضاحية. الخوف على المفقودين. امام المستشفيات امهات هرعن الى عناصر الامن تبحثن عن اسم أولدهن بين لائحة اسماء مطبوعة لمن ادخل إلى المستشفى، هو في نظر إحداهن ليس اسما، هو حياة لا تريد ان تفقدها. تركض من شخص الى آخر، تتوسلهم، ولعلها لم تفعل ذلك قبلا. تريد البحث عن ولدها في الداخل. هي توشك على الانهيار، اسمه غير موجود.. تتوجه الى المستشفى الآخر.

امن "حزب الله"

مرعب تنظيم "حزب الله". بسرعة قياسية وبتنظيم مبالغ فيه، انتشر عناصره في الضاحية. امام كل المراكز، وفي كل المفارق حواجز ثابتة، تمنع اي كان من الدخول. حول كل المستشفيات اخذ "حزب الله" مسؤولية الامن، نظم دخول من له عمل ومنع الآخرين. حمل اصحاب الشارات الصفراء اجهزتهم اللاسلكية وتواصلوا. لا مشاكل تذكر. كل شيء مضبوط. هم في كل مكان.

ali.mantach@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard