مارين لوبن ... راديكاليّة صلبة أم انتهازيّة متقلّبة؟

5 نوار 2017 | 12:26

المصدر: "النهار"

على بعد ساعات من الانتخابات الرئاسية الفرنسيّة، تبدو احتمالات النجاح منحازة لصالح مرشّح الوسط إيمانويل #ماكرون، على الأقل إنْ لم تحدث مفاجأة دراماتيكيّة تعيد خلط خيارات الناخبين في اللحظات الأخيرة. وشكّلت المناظرة الرئاسية التي جمعت ماكرون ومنافسته اليمينية المتطرفة مارين #لوبن يوم الأربعاء، الفرصة الأخيرة أو ما قبل الأخيرة لها، كي تستلم دفّة قيادة التأييد الشعبي. هذا الأمر لم يتحقّق عمليّاً، لسببين بالحدّ الأدنى:

بداية، ما زالت معظم الاستطلاعات تعطي تقدّماً واضحاً لماكرون بحوالي 20% من الأصوات لصالحه. على سبيل المثال، أعدّت شركة "إيلاب" استطلاع رأي لصالح قناة "بي أف أم تي في" الفرنسيّة وجد أنّ 63% من الفرنسيّين الذين شملهم استطلاع الرأي قالوا إنّ ماكرون قد فاز في المناظرة. أمّا السبب الثاني فيعود إلى أنّ لوبن هاجمت كثيراً شخص منافسها لا برنامجه الرئاسي. وفي حين أنّ ذلك لا يعني عدم انجرار ماكرون إلى الهجوم الشخصي، غير أنّ لوبن نفسها كانت بحاجة إلى التركيز على تقديم برنامج شامل يستطيع الوصول إلى الفرنسيين ممّن هم خارج قاعدتها الصلبة، عوضاً عن الانصراف لكيل النعوت ضدّ خصمها. 

تثير شخصيّة لوبان الصداميّة وطروحاتها المتطرّفة الكثير من ردود الفعل السلبيّة داخلياً وخارجياً. ومن المرجّح أن تكون هذه الأفكار نفسها قد منعت شعبيّة الجبهة الوطنيّة من التمدّد خلف حاجز 20-25% من المواطنين الفرنسيّين. لكنّ هذه الطروحات المتطرّفة تظلّل شخصيّة قادرة على الأخذ والردّ في أكثر من رؤية سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة. وهذا "الأخذ والردّ" يشمل تقديم نظرة معيّنة ثمّ التراجع عنها، أو على الأقلّ سحبها من التداول، مؤقتاً أو نهائيّاً.


اِصطدمت مارين لوبن بوالدها جان ماري الذي شارك في تأسيس الجبهة الوطنيّة وتمكّنت من طرده نهائياً من الحزب بفضل قرار قضائي في العشرين من آب سنة 2015. وتمحور الخلاف حول تعليق والدها على غرف الغاز النازيّة التي وصفها بأنّها "تفصيل" في أحداث الحرب العالمية الثانية إضافة إلى دفاعه عن الماريشال بيتان. لكن القرار القضائي الذي طرد جان ماري من إدارة الحزب، اعترف به كرئيس شرفيّ له.

وقبل أيام على الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسيّة، وقع هجوم إرهابي في باريس سقط ضحيّته شرطيّ فرنسيّ. وانتقد جان ماري لوبن في مقابلة على موقعه عبر الانترنت كلمة تأبين تلاها صديق الشرطي قائلاً: "الكلمة الطويلة التي ألقاها أعطت صبغة رسميّة لزواج المثليين ومجّدته على الملأ وهذا صدمني". وانتقد حزب ماكرون "إلى الأمام" هذا التصريح داعياً مارين إلى إنهاء المهام الذي ما زال والدها يقوم بها داخل الحزب "على الفور".

لكنّ موقف مارين نفسها من هذا الموضوع لم يكن ثابتاً. فهي عارضته سابقاً ثمّ قرّرت أن تسكت عن الموضوع، قبل أن تنتقد الإسلاميين لأنّهم يكنّون الكراهية للمثليّين كما قالت في المناظرة الأخيرة. في الحقيقة، يرى الوزير البريطاني السابق للشؤون الأوروبية دنيس ماكشاين، أنّ هذا التقلّب في المواقف ليس إلّا جزءاً من سياسة اعتمدتها لوبن طويلاً.

ففي صحيفة "الإندبندنت" البريطانيّة كتب أنّها وقفت "بقوّة ضدّ المثليّين" لكن بما أنّ أحد المسؤولين في حملتها هو مثليّ "فهذا (الموقف) قد انتهى". وأضاف: "كانت مع إعادة العمل بعقوبة الإعدام والآن هي ضدّها". كذلك "أرادت إعادة التداول الفوري بالفرنك الفرنسي لكن كل استطلاع رأي يظهر أنّ الفرنسيّين متعلّقون بالأورو ويعلمون أنّ الأورو يصنع الأعمال العابرة للحدود مع جميع جيران فرنسا أسهل، لهذا ليّنت موقفها تجاه هذه المسألة أيضاً". ورأى كذلك أنّه لم يعد بإمكانها أن تكون "عنصرية علناً" كما كان حال والدها بعد دخول مسلمين وأفارقة إلى لائحة ترشيحاتها.



على مستوى العملة الأوروبية تحديداً، بدت لوبن متقلّبة مؤخراً وبحسب أكثر من مراقب. خلال المناظرة الأخيرة، وصفت هذه العملة بأنها "عملة المصرفيّين لا عملة الشعب". خطتها ولهجتها تجاه هذا الموضوع لم تُظهِرا حسماً واضحاً. سألها ماكرون: "هل نخرج من الأورو أم لا" فأجابت: "يجب أن نجد عملتنا الوطنيّة". قاطعها: "إذا نعيش في الفرنك"، فقالت: "(الأمر) ضروري". ثمّ عاود الاستيضاح: "إذاً تقترحين الخروج من الأورو". ردّت: "لا. سأعيد فتح التفاوض من أجل تحرّرنا من الأورو ونحوّله إلى عملة مشتركة". وأوضحت ردّاً على سؤاله أنّ "المصارف المركزية ستدفع بالأورو، إذا رغبت، الشركات الكبيرة ستدفع بالأورو إن أرادت".

وأكّد مايكل روز وإنغريد ميلاندر في وكالة "رويترز" الأميركيّة، ما يقوله كثيرون عن تقلّب مواقفها في هذا المجال: "لوبن ظهرت متقلّبة حول سياستها تجاه الأورو في الأيّام الأخيرة، حوالي ثلاثة أرباع الفرنسيّين يعارضون التخلّي عن الأورو ويقول محلّلون إنّ سياستها قد تكلّفها (خسارة) دعم المواطنين الخائفين من أن تفقد ادّخاراتهم قيمتها".

نيكولا فينوكور، مراسل مجلّة "بوليتيكو" الأميركيّة في فرنسا، كتب أنّ لوبن تحاول استقطاب "ولو بشكل متأخر" 30% من مؤيّدي فيون ممّن لم يحسموا خيارهم. هؤلاء الخائفون من ترك فرنسا للاتحاد الأوروبي والتخلّي عن الأورو، حاولت لوبن أن تجد صياغة جديدة لسياستها الماليّة لكي تحاول إزالة أسباب قلقهم. ولم يخفِ جيروم ريفيير، مسؤول بارز في اللجنة الاستراتيجية لحملتها، هذا الموضوع فاعترف للمجلّة نفسها بوجود هذه المخاوف لدى المحافظين. من هنا، يكتب فينوكور: "لذا، لوبن تسحب بياناتها المناهضة للاتحاد بأسرع زمن ممكن حتّى أنّها سمّت رجلاً لم يدعم بالكامل فكرة خروج فرنسا من الاتحاد، وهو المحافظ المهزوم المستقل نيكولا دوبون- آينيان كرئيس وزرائها المحتمل". وأضاف أنّ هذا السلوك قد يكون أقلّ إثارة للخوف لدى المحافظين لكنّه سيشكّل "وصفة للارتباك".

لافت هو عدد القضايا التي غيّرت مرشّحة اليمين المتطرّف نظرتها أو لهجتها أو بياناتها تجاهها. قد يكون استعداء "الإسلام المتطرّف" وإرادة فتح علاقات إيجابيّة مع روسيا من بين المسائل القليلة التي ما زالت لوبن متمسّكة برؤيتها إزاءها بدون تعديل أو تليين ... أقلّه إلى الآن. وهذا يجعل راديكاليّتها الفكريّة محطّ شكّ كبير مع ما يثار من تساؤلات متعدّدة حول ماهيّة ثوابتها الحقيقيّة. لكن حتى ولو كانت لوبان مجرّد انتهازيّة، وهذا في أقصى الاحتمالات المتطرّفة، فهي بعيدة عن أن تبدو مستفيدة من تقلّب مواقفها. أغلب الظنّ أنّها راديكاليّة تضطر، شيئاً فشيئاً، إلى تليين طروحاتها تحت وقع التطوّرات السياسيّة والاقتصاديّة والتقنيّة الهائلة في عالم اليوم. ألم يسبقها ترامب نفسه إلى مراجعات فكريّة أشمل؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard