لبنانيو فرنسا مع ماكرون أو لوبن؟

2 نوار 2017 | 20:28

المصدر: "النهار"

لبنانيو فرنسا يشبهون فرنسا، لا لبنان، في خياراتهم السياسية. وهم تالياً يختارون مرشحيهم عن اقتناعٍ تام، ومن دون ايعازٍ أو تأثيرٍ مسبق من الأحزاب التي لا تستطيع فرض توجهاتٍ مباشرة عليهم، بل تترك لهم الحرية الكاملة للادلاء بصوتهم وفق معايير الديموقراطية. على الأقل هذا ما يجمع عليه مسؤولو الأحزاب اللبنانية في فرنسا. ذلك ان اللبناني يشبه البلد الذي يعيش فيه ويكتسب منه العادات والتقاليد وطريقة التفكير. واذا ما ذهبنا الى فنلندا مثلاً، نجد ان اللبنانيين هناك يتصفون ببطء حركتهم، كما الشعب الفنلندي. واذا ما عدنا الى فرنسا، نجد أن الديموقراطية أولوية دائمة، لا قبلها ولا بعدها. عددياً، تشير التقديرات الى وجود ما يقارب 50 الف ناخب لبناني في فرنسا، من أصل ما يقارب 130 ألفاً يعيشون في بلاد نابوليون. واذا كانت البراغماتية مستبعدة، فماذا اذاً في مواقف الاحزاب من ماكرون ولوبن؟

"القوات"

يؤكد حزب "القوات اللبنانية" أن لبنانيي فرنسا يختارون مرشحهم عن اقتناع تام ولا يتأثرون بالايعاز المباشر. وهم يناقشون ويحللون ويتحاورون واحزابهم قبل الاختيار. من هذا المنطلق، يبنى موقف "القوات" وفق المبادئ والتوجهات التي يؤمن بها الحزب، انطلاقاً من احترام حرية الآخر وتقبّله وعدم الخلط بين الدين والتعصب والارهاب. ويدعو مناصريه اللبنانيين الفرنسيين الى اختيار المرشح القادر في رأيهم على حلّ مشاكل الشرق الأوسط بإيجابية، ويدعم السلام في لبنان، ويساعد في نهوض الإقتصاد الفرنسي. ويقول رئيس مقاطعة أوروبا في "القوات" ايلي عبد الحي لـ"النهار": "نحن لا يمكننا التحالف مع اي شخص يفرض الهيمنة على الآخرين". إذاً أنتم لا تتبنون خيار مارين لوبن للرئاسة؟ يجيب: "الحكيم سجن 12 سنة لأنه رفض الهيمنة على لبنان، ونحن خلال اجتماعاتنا السياسية نحضّ مؤيدينا على الاكتساب من تجربتنا الشخصية". ويردف: "اذا ما اردنا مقاربة عدد الضحايا المسلمة في سوريا نجد انه يفوق بأضعاف عدد الضحايا المسيحية. المسلمون يدفعون ثمن الارهاب أكثر من المسيحيين، وهذا هو الواقع". ويحرص عبد الحي على قراءة الواقع العام من منظور فرنسي، وفي هذا الاطار، يقول في وصف ايمانويل ماكرون، ما يجده الشعب الفرنسي التوّاق الى الوجوه الجديدة، من إيجابيات في "الشاب المندفع، هو الذي لا يشوب تاريخه فساد او شبهات. وماكرون عمره 3 سنوات في الحياة السياسية، والظروف ساندته للفوز من الدورة الاولى، ولديه حظوظ كبيرة ليصبح رئيس جمهورية. من هذا المنطلق، يبحث الناخب الفرنسي في أكثريته، وفق عبد الحي، عن وجه جديد ينتشله من الواقع الاقتصادي القاسي، وهذا ما ساهم في نجاح ماكرون. وعن نظرة الشباب اللبناني في فرنسا الى ماكرون، يقول: "انهم يجدون فيه وجهاً جديداً يشبههم، قريبا من مرحلتهم العمرية ويتكلّم لغتهم". نخرج قليلاً عن المعادلة الانتخابية لنسأل عبد الحي عن مواقف لوبن السياسية من سوريا: "إن بشار الأسد رئيس النظام في سوريا، وهو مجرّد آلة عسكرية تقتل شعبها، وتالياً لن ندعم خيار بقاء شخصٍ دفع لبنان جرّاءه (بكل اطيافه) ثمناً غالياً، وها هو الشعب السوري يدفع الثمن الأكبر اليوم". 

"الوطني الحر"

بدوره، لم يتخذ "التيار الوطني الحرّ" موقفاً رسمياً لدعم أي من المرشحين لانتخابات الرئاسة الفرنسية، بل إنه ترك لمحازبيه الحرية المطلقة في الاختيار، وهو في النهاية يحترم إرادة الفرنسيين في انتخاب رئيسهم، "كائنا من كان". لكن لا بد من القول إن أغلبية مؤيدي "التيار الوطني الحر" تولي سياسة المرشح الخارجية أولوية تتفوّق على اهتمامهم بالسياسة الداخلية والبرنامج الاقتصادي والتعليمي. ومن هذا المنطلق، يقول منسّق التيار في فرنسا أنطوان شديد لـ"النهار" ان "اكثرية المحازبين كما أغلبية اللبنانيين في فرنسا انتخبوا المرشح فرنسوا فيون في الدورة الأولى". وبين لوبن وماكرون، يتوقّع ان "تصوّت الأكثرية بالورقة البيضاء، فيما يمتنع البقية عن التصويت لأن الاختيار بين اليمين المتطرف وماكرون، مسألة معقّدة وصعبة بالنسبة الى اللبنانيين". لا يتردّد شديد في القول إن سياسة لوبن الخارجية تتلاءم مع سياسة "التيار الوطني الحر" في الشرق الأوسط، الا ان سياستها الداخلية الفرنسية، وفق ما يقول، بما فيها اقفال الحدود والخروج من اوروبا ومنع الجنسيتين، لن تسرّ الناخب اللبناني الذي لن ينتخب شخصاً يجرّده من جنسيته اللبنانية، لذلك لن ترتاح الجالية اللبنانية الى انتخاب لوبن. أما مشكلة ماكرون، فتكمن وفق شديد في انه لا يمتلك خبرة سياسية، ومنهجية حكمه غير معروفة، وفريقه السياسي مؤلف من مستشارين يمينيين ويساريين، مما يعني ان انتخابه يعني الذهاب الى المجهول. نعود ونسأله: "ولكن هناك واقع سيفرض، ماكرون أو لوبن. فأين الخيار الأسهل للناخب اللبناني؟ يجيب: "ماكرون بالتأكيد هو المرشّح الأسهل اقتصادياً وبالنسبة الى احترام الجنسيتين، ولن يكون هناك تغيير جذري، داخلياً أو خارجياً في عهده، بل من المتوقع الاستمرار في السياسة التي لا توصل الى أي مكان".

"المستقبل"

"تيار المستقبل" الذي عادةً ما ينتخب المرشح "الديغولي اليميني" انطلاقاً من العلاقات التاريخية التي كانت تجمع الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس الفرنسي جاك شيراك، لا يتدخّل مباشرةً في انتخابات الرئاسة الفرنسية، ويحترم ارادة الفرنسيين، وقراءته تنطلق من سياسة المرشح، الداخلية منها والخارجية. وكونه تياراً معتدلاً، "المواقف المتطرفة والعنصرية بالنسبة الى الأجانب لا تناسبه، بل ان الأكثرية الساحقة من الناخبين المناصرين له سيختارون ايمانويل ماكرون"، وفق ما يقول لـ"النهار" المنسق العام لـ"تيار المستقبل" في فرنسا عبدالله خلف. اذاً التوجه العام منعطف نحو ماكرون، لأنه المرشّح الأفضل لدى "المستقبل"، وموقفه من السياستين الداخلية والخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط هي الأقرب الى تطلّعات التيار الأزرق. وعن الغرابة التي تشوب شخص المرشح الشاب وعلاقاته التي يصفها البعض بـ"المشبوهة"، يقول خلف: "حياة ماكرون الشخصية خاصة به وحده، ونحن لا نحكم عليه من هذه الناحية. وفي ما يقال عن علاقاته باليهود، في النهاية نحن موجودون في فرنسا ولسنا في لبنان، واليهود جزء من الشعب الفرنسي، لا نتدخل في هذه التفاصيل ولا نحكم على اساس الدين، بل وفقاً للمعيار السياسي". ولعلّ الموقف الأبرز لماكرون الذي يؤيده "تيار المستقبل"، يكمن في قوله بضرورة محاسبة الرئيس بشار الأسد في المحكمة الجنائية بعد مجزرة الكيميائي في خان شيخون. من هنا يقول خلف: "نحن ضدّ التصويت الابيض، وعلينا اتخاذ القرار الواضح. تيار المستقبل يميل الى انتخاب ايمانويل ماكرون. وبما ان فيون دعا الى انتخاب ماكرون ايضاً، اتوقع ان ينال الأخير اغلبية اصوات اللبنانيين، فيما سيصوت قسمٌ آخر للوبن".

الكتائب

حزب الكتائب أيضاً، لا يتخذ موقفاً مباشراً، بل يترك الحرية الكاملة لمناصريه في اتخاذ القرار. لا توجه رسمياً من الحزب لتفضيل مرشّح على آخر. لكن رئيس الهيئة الاغترابية في الكتائب وليد فارس، يقولها لـ"النهار" صراحة: "معظم اللبنانيين ينتخبون لمصلحة اليمين. وهم انتخبوا في أغلبيتهم فرنسوا فيون في الدورة الأولى". وينقل عن أجواء مقرّبة أن الأنصار الذين كانوا قد انتخبوا فيون في اغلبيتهم، يتّجه أكثر من نصفهم اليوم نحو خيار مارين لوبن (رغم انها لا تنسجم مع خياراتنا في الشرق الأوسط)، فيما أقلية تصوّت لماكرون. وهم يولون تالياً أهمية مرجوّة لمحاربة الارهاب المتشدّد. وعن مسألة منع الجنسيتين من مرشحة أقصى اليمين في حال وصولها الى قصر الاليزيه، يجيب فارس بأن لوبن كانت قد طمأنت الى أن قرارها في هذا السياق لن يشمل جميع البلدان.

"فونس"

"فرنسا في حاجة الى قبضاي". بهذه العبارة يختصر العضو في حركة "فونس" الجمهورية الفرنسية (تضم في صفوفها فرنسيين ـ لبنانيين) عماد بجاني أسباب دعمه فيون، هو الذي كان جزءاً من صلب حملته الانتخابية، ويرى أن برنامجه متكامل على صعيد فرنسا، اقتصادياً وأمنياً وادارياً واوروبياً ومسيحياً، لكونه مسيحيا ملتزما ومهتما بمصير مسيحيي الشرق. ولا يتردّد بجاني في المصارحة بأنه سيصوت شخصياً للوبن، رغم ان فيون أوعز مباشرةً للتصويت لماكرون، ولكن الحزب الجمهوري، في رأيه منقسم، وكلٌّ لديه توجّهه الشخصيّ. وعن الأسباب التي تجعله يدحض خيار ماكرون، تطول لائحة السلبيات التي يجدها في المرشّح الشاب، ومن أبرزها: "لن يحارب الإرهاب. هو شخص غريب لا نعرف ما يريد وما سيفعل. إنه نرجسي، وما يعرف عنه ليس جيداً. هو امتداد لهولاند. لديه خلل على الصعيد الشخصي لأنه متزوج من امرأة تكبره بـ25 سنة. ليس معروفاً اذا كان مثليّا. ليبيرالي الى ابعد الحدود. عمره 39 سنة، ولا يصلح لأن يكون مدير شركة". ولا يخفي بجاني عدم اقتناعه بلوبن، ويقول إنها ليست مثالية، بل ان "نزعتها عنصرية، وليست نزعة مسيحية، وتالياً هي تفكّر انطلاقاً من تطرّفها الفرنسي، وليست ملتزمة مسيحياً". لكنه يعود ويطمئن الى ان "الهواجس من وصولها الى الرئاسة في اغلبيتها سراب، لأن اليمين المتطرّف يدير مدناً عديدة في فرنسا من دون مشاكل. وفي مقاربة بالأرقام لخيارات اللبنانيين، يتوقّع أن تفوز لوبن بأغلبية الاصوات من أصول لبنانية، "وهي نالت المرتبة الثانية في الدورة الاولى، فيما اتت خسارة فيون نتيجة الحرب الاعلامية من ماكرون ومن يقف خلفه. في النهاية، اللوبي اليهودي هو تقمّص للحزب الاشتراكي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard