معركة الساحل السوري ... المواجهة في "أرض الخصم"

13 آب 2013 | 17:26

المصدر: "النهار"

إنها معركة الصورة يخوضها النظام السوري ومعارضوه. جنود وسيمون منشغلون بزفافهم الجماعي للإيحاء بأن الحياة طبيعية في اللاذقية، وعرائس بفساتين ضيقة عارية الأكتاف بينما يشهد شمال سوريا وشرقها انتشاراً لجماعات جهادية على صلة بتنظيم "القاعدة". ورئيس أركان "الجيش السوري الحر" اللواء سليم ادريس يتنقل في ريف المحافظة نفسها محاطاً بمقاتلين ملتحين.
انتهز ادريس زيارته الأحد لمنطقة كفر دلبة في جبل الأكراد لمد اليد إلى العلويين بالقول إن المواجهة لا تستهدفهم بل نظام بشار الأسد. وكذلك وجه رسائل إلى فصائل المعارضة بتأكيد التنسيق الكامل بين قيادات الجبهات، بعد أنباء عن سحب بعض الكتائب المقاتلة في ما سمي "معركة تحرير الساحل" التي انطلقت في 4 آب الذي صادف 27 رمضان، مع ما للأيام الأخيرة من شهر الصيام من مكانة. وأكد تسليح الجبهة المستجدة و"مدها بكل ما يلزم"، غير أن الإمدادات التي حملها لم تكن سوى "بعض الذخيرة"، وفق قائد ميداني.

معركة الساحل

والوقائع على الأرض لا تخضع كلياً لحسابات ادريس و"الجيش الحر" الذي لا يخوض المعركة منفرداً. فـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" هي من أعلن الأحد إطلاق صواريخ على القرداحة، مسقط آل الأسد، وسط تقارير أن المقاتلين صاروا على مسافة 20 كيلومتراً فقط منها وأن صواريخ سقطت عند ضريح الرئيس السابق حافظ الأسد.
لدى أنصار هذا الفصيل المرتبط بتنظيم "القاعدة" تحمل المواجهة اسم "معركة أحفاد أم المؤمنين عائشة"، مستعيدة رمزاً يحظى بإجلال كبير لدى السُنة في منطقة حضور علوي. وتحت هذا العنوان كذلك تقاتل "جبهة النصرة" و"لواء أحرار الجبل" و"ألوية أحفاد الرسول" و"كتائب الهجرة إلى الله" و"جبهة الأصالة والتنمية" وفصائل إسلامية أخرى.
وقد فر علويون من منازلهم، وقتل في الأيام الأولى للعملية نحو 200 شخص قال "لواء أحرار الجبل" إنهم من الجنود و"الشبيحة". وفُقِدَ 400 مدني، معظمهم علويون. واحتجزت "جبهة النصرة" رجل دين علوي بارز. وفي بعض التقارير أن سكان قرية كفرية في منطقة الحفة شمال القرداحة، استُخدموا دروعاً بشرية لصد القوات النظامية السورية.
وفي بيان لـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" مؤرخ في 11 آب عن "تطهير" منطقة الساحل من "المشركين"، أن مقاتليها استولوا على برج بارودة الاستراتيجي الذي كان يُستخدم للقنص على قرى "أهل السنة". وهم سيطروا كذلك على 12 قرية علوية بينها بيت شكوحي وأوبين ونباتي وبومكة والحمبوشية وخربة باز، وبلغوا مشارف جبل النبي يونس.
ويذكر أنه في أيار سقط مرصد سولاس في جبل التركمان في أيدي المعارضة. وقد وفر جبلا الأكراد والتركمان، وهما منطقتان سنيتان، مواقع استراتيجية للإطلالة على مراكز عسكرية نظامية في اللاذقية وتسهيل تحرك المعارضة في الشمال وتهديد طريق اللاذقية-حلب، ذلك أن جبل الأكراد متصل بحلب حيث استولت المعارضة على مسار رئيسي للإمدادات من تركيا بسقوط مطار منغ العسكري. وكان الجيش السوري استخدم الكنائس في قرى جبل الأكراد منطلقاً لقصف المعارضين قبل سيطرتهم على الجبلين. أما منطقة جبل صهيون التي كان صلاح الدين الأيوبي أسكن أكراداً فيها، فمختلطة بين السُنة والعلويين.
وقال الناشط أبو حمزة من ريف اللاذقية لـ"النهار" إنه ليس للواء ادريس يدٌ في العملية التي كانت "الكتائب الإسلامية الأساس فيها، بالتعاون مع بعض فصائل الجيش الحر، وشهدت بطولات وتضحيات لا توصف، وارتقى خيرة الشباب شهداء". وأوضح أن المخطط موضوع منذ ثلاثة أشهر مع عمليات رصد مستمرة، وقضى بضرب مرصدَي بارودة وستربي وخيم دورين فجراً. وأضاف أن "ما كان مفاجئاً هو سرعة السيطرة على تلك الأماكن وهرب جنود الجيش الأسدي مع الشبيحة وقتل أعداد لا بأس بها ممن لم يفروا. حتى أنهم تركوا القرى النصيرية (العلوية) التي كانوا يحمونها". وعزا الانسحاب إلى أن الجنود "لديهم دائماً خطة للانسحاب، فهم غير مستعدين للتضحية والموت، بل يكونون في مكان بعيد، يقصفون ويبيدون البشر والشجر". إذ سرعان ما تعرض ريف اللاذقية لقصف جوي عنيف وإحراق للغابات لتعرية مساحات شاسعة لكشف مواقع مقاتلي المعارضة.
نسأل أبا حمزة عما حدث فعلياً في القرى، فيتحدث عن رجل علوي قتل زوجته وأولاده "لما عرف بدخولنا، لكن سبحان الله لم تمت ابنته، أسعفناها وهي حكت لنا عما فعله والدها". ويقول إن رجلاً آخر "استخدم نجله درعاً بشرياً وهو يطلق النار على الثوار، فقضيا معاً". وأقر باحتجاز نحو مئة امرأة وولد، و"هم بخير وسنبادلهم مع أسرانا لدى النظام".
ويؤكد أبو حمزة أن العملية لن تتوقف، إن تكن صعبة، فقد "كرت المسبحة، والنظام يدرك أن التقدم في عقر داره يعجل نهايته". وبما أنها مواجهة مفتوحة، فكل شيء وارد لحسمها. وحذر المكتب العسكري لـ"جبهة الأصالة والتنمية" من إخلاء النظام القرى العلوية تمهيداً لقصف المعارضين بالأسلحة الكيميائية. وأوردت صفحات موالية للنظام السوري على مواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن توزيع أقنعة واقية من الغازات على التجمعات العلوية. وتحدثت بدورها عن "اشتباكات عنيفة مع مجموعات مسلحة للمعارضة التكفيرية". وأفادت أن الهدف الحالي للجيش السوري هو جبل الأكراد لربطه حلب باللاذقية، وخصوصاً قرية سلمى في وسطه، وهي توصف بأنها "القُصير في اللاذقية" لأهميتها العسكرية والاستراتيجية، وكذلك صلنفة قرب جبل النبي يونس، وبدرجة أقل الحفة في جبل صهيون.

ماذا بعد

قد يكون لا يزال مبكراً توقع النتائج الاستراتيجية لمعركة الساحل، بعدما حققت أهدافها الرمزية والمعنوية. إذ ثمة من يعتقد أن الجيش السوري استدرج المعارضين للخروج من جبلي التركمان والأكراد، وأن هؤلاء كشفوا ظهر مناطقهم في حلب وإدلب، وإن يكن التحليل نفسه ينطبق على القوات النظامية في إدلب وحمص. ويعتقد البعض أن الهجوم أعاد اللحمة إلى العلويين الذين بدأوا يتململون من كثرة الخسائر البشرية في صفوفهم.
والواقع أن اللاذقية تضم خليطاً من السُنة والعلويين، مما يجعل المواجهة المذهبية أمراً محتماً، خصوصاً بعد الندوب العميقة التي خلفتها الأزمة السورية. لكن بخلاف الاعتقاد الشائع، فإن مناطق الساحل السوري ليست علوية الهوية. فالعلويون لا يتجاوزون 42 في المئة من السكان، والسُنة 56 في المئة والباقي مسيحيون. وهذا يدحض نظرية الدويلة العلوية في الساحل. وفي رأي المعارض هيثم المالح أن "مشروع تقسيم سوريا يفشل مع كل شبر يزحفه المقاتلون باتجاه اللاذقية". ولم يستبعد الأمين العام للتيار السوري الديموقراطي محي الدين اللاذقاني أن تعجل المعركة في انقلاب ضباط علويين على النظام بذريعة أنه فشل في حماية مناطقهم. وأضاف لـ"النهار" أن هذا الانقلاب، بواجهة سُنية، قد يكون حلاً مريحاً لروسيا لتحافظ على مصالحها الاستراتيجية في طرطوس وتحول دون تفتت الجيش السوري.
وفي كل الأحوال، نجحت المعارضة السورية في نقل معركتها إلى "أرض الخصم"، مع الإبقاء على الجبهات الأخرى في العاصمة وريف دمشق ومحيط حمص وحلب ودير الزور ودرعا. إنها مواجهة مفتوحة في معظم سوريا، بينما تبقى المعارضة السياسية متخبطة في انقساماتها والحل السياسي بعيد المنال.


sawssan.abouzahr@annahar.com.lb
Twitter:@SawssanAbouZahr

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني