جوزف مايلا لـ"النهار": فوز لوبن مستبعد... وماكرون متوازن في السياسة الخارجية

25 نيسان 2017 | 12:35

المصدر: "النهار"

بعد صدور نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية بفوز كل من مرشح الوسط إيمانويل ماكرون بنسبة (23.9٪) ومارين لوبن بنسبة (21.4٪)، لم يحصل أي مرشح للحزب الجمهوري على فرصة خوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وهي المرة الأولى من نوعها منذ انتخاب الرئيس بالاقتراع العام، فيما يبدو أنَّ اليمين المتطرف يوطِّد موطئ قدم له في البلاد.

مع لوبن... لفرنسا وجه جديد

شبَّه المحللون النتيجة التي حققتها زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن في الدورة الأولى من الانتخابات بـ "أصداء 21 نيسان". في ذلك التاريخ من عام 2002 تأهل والدها الزعيم السابق جان ماري لوبن للدورة الثانية بنتيجة (18%). عنونَت حينها صحف فرنسية بأنَّ "الجمهورية تستيقظ على صدمة". المفارقة أنَّه في العام 2017 لم يُشكِّل تقدُّم لوبن صدمة للرأي العام المحلي والعالمي مع صعود الخطابات العنصرية والإسلاموفوبيا المتزامنة مع الأحداث الإرهابية التي تشهدها العاصمة الفرنسية منذ أعوام. لوبن التي وصفت النتيجة بـ"الانتصار التاريخي" توقع المحللون خسارتها في الدورة الثانية. وقد انطلقت تظاهرات صغيرة في الشوارع احتجاجاً على النتائج لأنَّ فوز لوبن يعني أنَّ فرنسا ستخرج من منطقة اليورو وستوقف العمل بالمذكرة الأوروبية حول تنقل العمال الأوروبيين في دول الاتحاد، وستعلق الهجرة الشرعية، وستلغي الحق في الجنسية للمولودين على الأراضي الفرنسية، وستحظر الحجاب في الأماكن العامة.

انتصار للوسط البراغماتي

يتحدث استاذ العلوم السياسية في جامعة باريس الدكتور جوزف مايلا لـ"النهار" عن نتائج الانتخابات مع الخروج المدوي للحزب الجمهوري، فيقول انَّ "هذه النسبة انتصار للوسط الديموقراطي أو البراغماتي، أما الحزبان الجمهوري والاشتراكي اللذان اعتادا أن يكونا في الحُكم فأصبحا خارجاً. ولكنْ اليمين اصطدم في الأمس بالواقع الأليم جراء المشاكل التي واجهها المرشح فرنسوا فيون. اذ صوَّت الفرنسيون في إطار ما نسميه Vote morale أي التصويت الأخلاقي، بمعنى أنَّ تصويتهم لم يكن سياسياً بل ارتبط بانزعاجهم من سلوك فيون في وقتٍ كان اليمين يملك أكثرية في البلد، وكان يمكن لفيون الفوز منذ الدقيقة الأولى. في حين أنَّ اليسار الإيديولوجي وطروحات بنوا أمون (مرشح الحزب الاشتراكي) كانت طروحات اشتراكية مضى عليها الزمن ولا تناسب عصر العولمة وانفتاح الأسواق".

فرنسا أمام كارثة

هل من الممكن أن تفوز لوبن إذاً في الدورة الثانية؟ "فوز لوبن مستبعد كل البعد، لأن اليمين إذا ما صوَّت للوبن انتحر بمعنى أنه سلَّم بغياب الفارق الإيديولوجي بينه وبينها ما يعني أن ما من داعٍ لوجوده. ولكنَّ نسبة المشاركة في الدورة الثانية ستكون أقل من الأولى لأنَّ كثراً من الناس لا يشجعون لوبن ولا ماكرون، وقد يرفضون التوجه إلى صناديق الاقتراع. قد يصوِّت اليمين المتشدد للوبن نظراً لرفضه وصول ماكرون إلى السلطة. ومثله مناصرو جان جاك ميلانشون (مرشح أقصى اليسار) الذي يتشابه بطرحه السياسي مع لوبن، إذ يسعى إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويملك مثلها الصوت العمالي. الاثنان ضد العولمة ويعتبرانها كارثة على الاقتصاد الفرنسي ويسعيان إلى تحصين الاقتصاد الفرنسي وحماية السوق الفرنسية من البضائع الصينية والألمانية. وبالتالي يمكن أن تصبَّ أصوات أقصى اليسار واليسار في مصلحة لوبن".

شبَّهت الصحف الفرنسية فوز مارين لوبن بفوز والدها في 21 نيسان 2002 فهل المسألة متشابهة؟ يلفت مايلا إلى أنَّ "لوبن الأب وصل إلى الدورة الثانية ونال نسبة 18% في حين أنها في الدورة الأولى حصلت على ما نسبته 21.4%. وهي قد تصبح 30 أو 40% من الأصوات في الدورة الثانية. وفي فرنسا هذه كارثة، إذ ستصبح فرنسا أول دولة أوروبية يحصل فيها أقصى اليمين على هذه النسبة وهي ليست سلوفانيا ولا النمسا".

الأمل بمستقبل أفضل

ماذا سيتغير أو يتحسن في حال فوز ماكرون أو لوبن؟ يشرح أنَّ "ما من انعكاس إيجابي لفوز لوبن، بل تهميش لفرنسا كدولة كبيرة وعضو في مجلس الأمن والخوف من خروجها من منطقة اليورو واستبداله بالفرنك الفرنسي. أما فوز ماكرون فقد يواجهه خطر على المؤسسات بمعنى أنَّ الجمهورية الخامسة قامت دوماً على مسألتين مهمتين هما رئيس قوي يملك صلاحيات قوية جداً في مواجهة أكثرية نيابية قوية جداً ولا يمكن للاثنين العمل بتجانس إلا إذا توافقا. ما من داعٍ لئلا يملك ماكرون الصلاحيات القوية ولكنَّ الخطر الأساسي في أن لا يملك أكثرية نيابية ما قد يعوق حكمه. سيحاول في المرحلة الأولى الجمع من اليمين واليسار ويراعي ظروف ومصالح الجميع، ليؤسس أكثرية له. أما الإيجابي فيكمنُ في انعاش الحياة السياسية في فرنسا بعد تململ خصوصاً لدى الفئات الشابة من النظام السياسي القديم السائد. وبمجرد تبوؤ رئيس جمهورية عمره أقل من 40 سنة فهذه مسألة جيدة للشباب ليأملوا بمستقبل أفضل. هو ليبرالي وسيفتح مجالات اقتصادية ولا يملك هاجساً اشتراكياً اجتماعياً يعوق إنشاء المؤسسات كما هو حاصل الآن في فرنسا حيث الدولة مهيمنة ومتسلطة إدارياً".

الوفاق على السياسة الخارجية

على صعيد العلاقات مع دول العالم العربي، يلفت مايلا إلى أنَّ "ماكرون في سياسته الخارجية أتخذ مواقف متوازنة جداً، يسعى إلى حلّ الدولتين بين السلطة الفلسطينية والاسرائيليين. وفي الملف السوري طالب بحل شامل كامل يرضي كل الأفرقاء. ولكن في فرنسا هناك نوع من الوفاق على السياسة الخارجية فلا تكون قريبة من الولايات المتحدة ولا تعاكس روسيا. ولكن ذلك تغيَّر بعد الحربين الأوكرانية والسورية ما قسَّم اليمين واليسار".

ويختم مايلا بأنَّ "النتيجة محسومة لأنَّ ما من مجال لفوز لوبن، لأنه بشكل عملي وعلمي في الدورة الثانية لا يمكنها جمع أصوات. فيما اليمين من حصة ماكرون بعدما دعا كل من جوبيه وفيون للتصويت له. كما يملك أصوات اليسار أيضاً الذي لن يصبَّ حتماً في صناديق لوبن. وبعد مرور ساعات على انتهاء الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية تشير الاستطلاعات الأولية إلى ما نسبته 65% لماكرون و35% للوبن. ويترقب الفرنسيون بين اليوم أو غدا خطاباً لماكرون قد يدعو فيه إلى توحيد المواقف سعياً لجمع الأفرقاء من اليمين إلى أقصى اليسار. حتماً الانتصار من نصيب ماكرون، ولكن النتيجة كئيبة بعد معركة بين ممثل التيار الجمهوري الديموقراطي المنفتح مقابل أناس منغلقين على أنفسهم متمسكين بالهوية الضيقة".

ليبرالي وسطي بين يسار ويمين مقابل أقصى اليمين - الذي قد يجعل فرنسا ملجأ الأفكار المتطرفة- هما الخطان اللذان سيختار أحدهما الفرنسيون في 7 أيار، فبين استمرار فرنسا بوجهها الحالي أو استبداله بالإنعزال، تبقى صناديق الاقتراع وحدها كفيلة بالإجابة.

salwa.abouchacra@annahar.com.lb

Twitter: @Salwabouchacra


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard