قرنٌ وسنتان على الجرح الأرمني: إبادة وكلّ مصطلح آخر إنكار

24 نيسان 2017 | 13:20

المصدر: "النهار"

يدرك المرء أنّ مفرداته حيال المآسي تنضج مع العمر، تتعقلن وترمق الأوجاع برغبات الشفاء. تتطلّع الروح الأرمنية إلى سنوات أليمة، تعتصر، وتتابع صيرورة الزمان. تلتئم مثل حبّات رمان ملتحمات في كوز يشكّل اختزالاً للبقاء الخصب. سنتان بعد المئة على الإبادة، والأرمن إحياءٌ دائم للجرح، لا يساومون في آنٍ على الحياة. في أنحاء الأرض ناجون شتّتهم البطش العثماني، يقفون أمام الذكرى بتأمّل النفوس الصلبة مآسيها، ربما لإعادة قراءة الآلام، الارتقاء بمعاني الإنسانية، ومواجهة تاريخ دموي بالاعتراف به والتأكيد عليه وإعلان الانتصار. 

إبادة

لم تشبه زيارتي #أرمينيا قبل نحو السنتين زياراتي القليلة لأوطان أخرى. دائماً، ثمة الروح المتّحدة رغم الوجع، المُصرّة على قهر الموت من دون طيّ الصفحات. في العيون والشوارع والصور والقلق. يعني المرء الطافح بتراجيديا الإنسان الحزين، الإحساس بأنه بعضٌ من تاريخ البشرية المُنهك جثثاً وذلاً وتشرّداً، وإنني كذلك حيال الجرح الأرمني وما يمتّ إليه من صامدين وناجين وضحايا وذكريات. ثمة لحظات يفقد فيها الكاتب علاقته بالمكتوب، يتأمّل صفحات بيضاء، ويتساءل: ماذا أكتب؟ كيف أفكّر؟ هل قيل كلّ شيء؟ هل تواجهني أزمة المفردات التائهة في المراثي، أم أقع أسر مفردات مُستعادة تحاكي بالإيقاع عينه ثنائية الصمود والأمل؟ هذه المرة، أكتبُ عن ذكرى الإبادة لرفض اعتبارها "خطأ" أو "مصادفة" أو "نتيجة حرب". ولرفض تبرير دمويتها والزعم أنّها نتيجة "اللاقصد" أو حُكم "الظرف"، وللاصرار على كونها مأساة ممنهجة مُتعمّدة، بتخطيط ووعي وتوحّش، وليست على الإطلاق "زلّة تاريخية" أو مجرّد مجزرة رغم هول المجازر وجنون الموت. إبادة، وكلّ مصطلح آخر إنكار ضمني أو مباشر. هذا ما ينبغي تأكيده بعد قرن وسنتين. يمكن الكتابة عن الجرح سطوراً طويلة، هي ذاتها كلّ سنة، تفور وتؤلم، رغم الإدراك التام بأنّ ثمة جراحاً لا تلتئم، تتخذ وضعية الهدوء للتسامي على فكرة الموت وسطوة الكآبة حيال الضحايا. الجرح الأرمني لا يشفيه دهر. أقلّه لأنّ الجلّاد يُكذّب التاريخ ويدوس على قبور الموتى. ولأنّ الأرمن دفعوا باهظاً أثمان التعلّق بالأرض والهوية، وأحفاد الجريمة مستمرّون برفض الاعتراف وطمس الحقيقة ومحاربة توثيقها في الأدب والموسيقى والسينما.

Survivors، بعظمة هذه الكلمة يكتب الموجوع بدايات التفوّق على أوجاعه. الأرمن جعلوا الجرح صلوات تريح أنفس الضحايا وإبداعات تُبقي وهج القضية مشتعلاً إلى الأبد، أينما وُجد أرمني وإنسانٌ ضميره حيّ.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

رفيقة العمر التي يحضنها كل صباح

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard