رسالة إلى "الأسرى" الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية

19 نيسان 2017 | 10:18

محمد سبعانة محمد سبعانة

أنا الآن أكتب إليكم لأُعلِمكم بأني أشعر بكرامتي لأنكم تقاومون من داخل القضبان. ولا ترضخون. 

لقد مضت أعوامٌ غفيرة وأنتم على هذه الحال. لا الإسرائيلي استطاع أن يركّعكم، ولا أنتم أصاب أرواحَكم وأجسامَكم خوَرٌ أو وهنٌ أو استسلام.

أنحني لكم، وأمامكم، أنتم الذين تمنحون كرامتي الشخصية، وكرامتنا الجمعية العربية، زهرة الكبرياء والألق والحرية. فما أجملكم أيها الأحرار!

فما أطيب الانحناء لكم.

واعلموا أني إذا كنتُ أنحني، فلأني أفعل ذلك كتعبيرٍ عن الكبرياء التي تنحني إجلالاً لما يوازيها، وخصوصاً لما يتخطّاها في الحبّ والكرامة.

أنتم تكسرون كلّ الأرقام القياسية، وتتخطّون كلّ العقبات والحواجز، وتدحرون كلّ المشقات والتحديات.

أنتم وحدكم تركّعون هذا العدوّ. فما أجملكم!

لم يعد عندنا الكثير من هذا الصوّان الذي يكهرب الموت، ويضيء عتمة نهاراتنا المريبة.

أنتم هذا الصوّان النادر، الكريم المحتد، العزيز الجوهر، الطيّب الحادّ الشرِس، القادر على جعل الأفق مفتوحاً ليعيد وضع المعايير في نصابها، وليستنهض الأحلام المجهضة، ويدعوها إلى الانتفاض.

في المقابل عندنا ما يفيض من العجز والذلّ والمهانة والانحطاط والخيانة.

عندنا هذه الأنظمة الاستبدادية. عندنا هؤلاء الحكّام الأذلاء. والمتعاملون. وعندنا أيضاً الكثير الكثير من الظلام العقلي والإيماني.

ماذا عندنا أيضاً؟

عندنا الكثير من الأموال. والكثير من الأبراج. والكثير من الفنادق. والكثير من الغانيات. والكثير من البترول. والغاز.

عندنا القطعان والقبائل. وعندنا شعوبٌ مجترّة لا يهمّها سوى رعي العشب المنتن اليابس، والقبول باجترار الخنوع والهزيمة.

هل عندنا شيءٌ آخر؟

عندنا بالطبع ما تُطلِعه علينا الصخورُ الشمّاء من أزهارٍ متوحّشة ترفض الارتواء بماء الوحل الحقير.

عندنا جنون الحلم، جنون الرفض، جنون التمرّد، والهامات التي ترفض أن تعفّر الجبين.

لقد علّمتمونا أن نظلّ واقفين. وأنتم تواصلون هذه "المهنة" العظمى، ولا تكفّون عن تبكيتنا، واستفزازنا، وتحريضنا على الحياة والحرية.

وها أنتم تعلّموننا كلّ يوم أن اليأس خطيئة. وأن الموت هو الأمل، وهو أشرف من هذه الحياة.

هل ستصلكم رسالتي هذه أيها الأحرار؟

قد لا يكون هذا مهمّاً. فأنتم تسطّرون إلينا الرسائل لا بالحبر فحسب بل بالضوء الذي تجترحونه بمعجزة صمودكم على مدار الأعمار، والذي لا يحتاج إلى شموس ولا إلى أقمار.

ما المهمّ إذاً؟

المهمّ أني أكتب هذه الرسالة من أجل الفلسطينيين. ومن أجل فلسطين.

بل أكتب هذه الرسالة من أجل نفسي أولاً. ومن أجل اللبنانيين. ومن أجل لبنان.

أيها العرب، يا نحن؛ عيبٌ علينا أن نكون مَن نحن، وما نحن.

عيبٌ علينا أن لا نكون كهؤلاء الثوّار الذين يتحدّون القضبان من داخل القضبان.

أما أنتم يا الأسرى، أيها الأحرار الفلسطينيون، فيطيب لي أن أبعث إليكم بسلامي.

وأن أنحني.

akl.awit@annahar.com.lb


محمد سباعنة

ناجي العلي 





محمد سباعنة



محمد قريقع 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard