رحلة البحث عن أصدقاء في بلاد بودلير

17 نيسان 2017 | 10:57

المصدر: "النهار"

تأتي إلى #باريس وفؤادك مليء بالأمل. تترك أصدقاءك وسهراتك الصاخبة ومطاعمك البيروتيّة الرائعة وتأتي إلى باريس لتدرس وتخلق لنفسك "شلّة من الأصدقاء" الفرنسيّين والأجانب. تثق بقدراتك الاجتماعيّة. فأنت لبنانيّ. تتقن الفرنسيّة والإنكليزيّة، وبلادك هي "سويسرا الشرق". تذكّر نفسك بأمجاد الماضي البعيد وتستبشر خيرًا. تتعهّد بأنّك لن تقرب اللبنانيّين في بلاد الإفرنج لأنّك سئمت منهم. أنت في باريس لاصطياد أصدقاء أجانب فقط. 

لكنّك. كالعادة. لا تزال طالبًا ساذجًا مسكينًا. وباريس لا تزال تسخر منك. 

تدخل قاعة صفّك فتقع على صالة خشبيّة رائعة تتوسّطها لوحة لدولا كروا ويجلس فيها أستاذ عجوز عاقد الجبين، ساخط الهيئة، مستعدّ لالتهام أيّ طالب ولو كانت جريمته أنّه تنفّس بصوت مرتفع. تتلعثم. تتردّد. أهلاً بك في السوربون. بلاد الجدّ والدراسة. ويتوافد الطلاّب. من كلّ حدب وصوب. تحاول إقامة eye contact. تحاول توزيع الابتسامات.Bonjour من هنا، bonjour من هناك. لا حياة لمن تنادي. ترتبك. تحاول مجدّدًا. لا أحد ينظر ناحيتك. لا أحد يراك. ما يزيد على الخمسين طالبًا وطالبةً يجلسون قربك. لا هم يرونك ولا هم يردّون على تحيّتك. لا بأس. لن تيأس.

تفكّر وتحلّل وترى أنّ أفضل حلّ لتجد لنفسك صحبة جميلة هو أن تذهب إلى أحد النوادي الرياضيّة. ففي الـ gym الجميع cool. ترتدي ملابس الرياضة. تغسل منشفتك الحمراء التي تفتخر بها وتتوجّه إلى النادي. فتلاحظ أمورًا محبطة. أوّلاً. تدرك أنّك أسمن شخص في المكان كلّه. في القارّة كلّها ربّما. ثانيًا. تلاحظ أنّك الوحيد الذي يهيم بين الآلات بلا بوصلة وبلا أيّ معلومات علميّة رياضيّة تبدو صارمة وكأنّها موثّقة وموافق عليها من الدولة الفرنسيّة والمخابرات الروسية. ثالثًا وأخيرًا. تلاحظ أنّ الجميع مشغول بموسيقاه الصاخبة الخارجة من سمّاعاته. لا مجال للحديث. لا مجال لـ bonjour بائسة حتّى.

تقرّر أنّك لن تيأس. تبحث عن نادٍ للقراءة. تتابع الحركة فيه. تقرأ الكتاب المشترك الذي يقرأونه. تتأكّد من الزمان والمكان. تعدّ كلماتك المنمّقة وتذهب. المأزق هذه المرّة أفظع. معدّل العمر في هذا النادي هو ستّون عامًا تقريبًا. لا بأس. يجب أن تبدأ من مكان ما. قد يكون لديهم أولاد من عمرك. أو أحفاد على الأرجح. الجميع مشغول بالكتاب. يناقشونه. يفنّدونه. يفلسفون كلّ كلمة وكلّ فاصلة فيه. تصبر. تحاول فتح حديث مع الجالس قربك. يطلب منك الصمت لأنّه يريد متابعة النقاش. تلملم كبرياءك وتخرج.

في هذه المرحلة، يصبح اليأس مشروعًا. تقرّر أنّ "أبسنت" بودلير هو الحلّ. وحده هو فهم سرّ الوجود. تذهب إلى الحيّ اللاتينيّ الذي أحبّه سهيل إدريس قبلك، وتدخله طلبًا لدواء الروح. تطلب الـ"جاك دانيلز" الذهبيّة وتجلس إلى البار. فجأة تسمع صوتًا من خلفك. تلتقط شذرات حديث أليف. نكات تفهمها وتضحك لها بسرّك. شتائم يتلفّظ بها أصحابها ظنًّا منهم أنّ أحدًا لن يفهمها. لكنّك تفهمها. تفهم وتضحك وتحلّق فرحًا. إنّها اللهجة اللبنانيّة الحبيبة. يقفز قلبك من مكانه. تستدير وتبتسم فيبادلك الثلاثة الجالسون الابتسامة ويحيّونك. تقترب وتعرّف بنفسك. تجد إلى الطاولة لبنانيّين وسوريّاً يشربون ويتمازحون ويتبادلون النكات والشتائم. تحضر كأسك وتجلس إلى طاولتهم. لقد وجدت مكانًا لك في نهاية المطاف. والغريب للغريب نسيب.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard