غمرنا والدي بجسده خوفاً من الرصاص... ملعونة يا حرب

14 نيسان 2017 | 00:59

المصدر: "النهار

من ليس لديه ذكرى مؤلمة عن الاشخاص الذين عاشوا في زمن الحرب التي اشتعلت شرارتها بقوة في 13 نيسان من العام 1975. في كل عائلة وحي وشارع ومنطقة ذكرى نتمنى جميعناً ان لا تعود ابداً. أقرباء وأصدقاء وأحباء ولبنانيون فقدناهم في خضم حرب لم توفر احداً نتيجة مصالح خارجية.  

وفي زمن المصالحة المسيحية القائمة بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" نتمنى ان تستمر هذه العلاقة من دون ان يشوبها اي سوء وتعود بنا الى زمن الالغاء والدم بين الاخوة حتى في البيت الواحد.  

لم أُعايش الحرب منذ بدايتها، لكني ولدت في الأيام الاولى للاجتياح الاسرائيلي، وعلمت من اهلي ان والدي اصيب في اليوم الذي ولدت فيه بقذيفة استهدفت سيارته، لكن الحمدلله أن اصابته كانت طفيفة، والا لكنت يتيم الاب مثل كثيرين من اللبنانيين الذي خسروا آبائهم خلال هذه الحرب السوداء.  

ذكرى حزينة لا أنساها ولا تغيب عن ناظري، وأراها امامي في كل مرة اشعر ان الاوضاع في لبنان قد تتجه الى الاسوأ واصلي ان لا يحصل ذلك. ليس لانني اخاف، لكن لا اريد ان يعيش اي طفل او عائلة او اي انسان ما عاشه جيل الحرب. نعم لا اريد ان يحصل مع ابنتي ما حصل معي في العام 1990 خلال حرب الاخوة في ما سميت سابقاً الشرقية. 

في التفاصيل التي اذكرها جيداً، في تلك الفترة كانت الحواجز الامنية التابعة للجيش والقوات منتشرة من الكرنتينا باتجاه كسروان بحسب المناطقالتي سيطر عليها احد الطرفين. وآخر حاجز باتجاه كسروان كان للقوات تحت جسر يسوع الملك. وكنا عندما تحتدم المعارك ننتقل الى البوار لنبيت عند خالي. وفي احد الايام وبعدما قررنا العودة الى الاشرفية بعدما علمنا بتراجع حدة الاشتباكات، قطعنا حاجز القوات في يسوع الملك باتجاه الضبية، وفجأة قرر الجيش منع مرور السيارات لسبب لم نعلمه، وبقينا على الطريق عالقين بين معبري الجيش والقوات من دون أن نتمكن من التقدم باتجاه الاشرفية، او العودة الى البوار، وبعد ساعتين من الانتظار وفشل محاولة الاباتي بولس نعمان آنذاك بإعادة فتح الطريق، تقدم 3 عناصر من القوات باتجاه معبر الجيش ومروا بقربي ولم ارَ اي سلاح على خصرهم، ما هي الا لحظات وبدأت حال من الفزع والذعر بين الجميع بعد رؤية عناصر من الجيش تتدرج من جبل نهر الكلب بسرعة مع اطلاق الرصاص في الجو لدى رؤيتهم عناصر القوات الثلاثة، بكاء اطفال وصريخ أهل "رح نموت هون"، وجوه الجميع مطبوعة في رأسي، الخوف سيد الموقف واسئلة كثيرة تدور في رأسي مع اني كنت في الثامنة من العمر، لكن الحرب جعلتنا نكبر بسرعة، لحظات ومرّ عناصر القوات مسرعين في العودة الى حاجزهم وتلاحقهم عناصر من الجيش من بعد على وقع اصوات الرصاص من دون معرفة مصدره والى اين يوجه. في هذه الأثناء أخرجنا والدي من السيارة انا وامي واخي وركض بنا الى شاطىء البحر، ارتمى فوقنا وغمرنا بجسده لئلا يصيبنا أي مكروه من جراء الشظايا او الرصاص. بقينا على هذا الوضع عشر دقائق، إلى حين عودة عناصر القوات الى مركزهم، وعندها عاد الجيش وفتح معبر الضبية وعدنا الى المنزل سالمين".  

في تلك اللحظة، أسئلة كثيرة دارت في ذهني، لم أجد لها اجوبة، أو بالاحرى هربت منها لرفضي فكرة الموت، أو خسارة أبي أو أمي او اخي، او ان يسقط احد ميتاً امامي. اليوم بعد مصالحة الاخوة في اتفاق معراب وجدت جواباً عن سؤال واحد وأساسي، هو أن الحوار وتقبل الآخر والتنازل لمصلحة الوطن هي افضل السبل للعيش معاً ولحل اكبر الخلافات بين اللبنانيين. 

faraj.obaji@annahar.com.lb

twitter: @farajobagi

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard