كتب سمير فرنجية في "النهار": نداء لحماية لبنان، وخلاص المسيحيين رهن بذكائهم

لسمير فرنجية محطّات منيرة في "ملحق النهار". عبره كتب مواقفه في السياسة والإنسان والفكر. في الآتي، أبرز المقالات بقلمه من أرشيف "النهار"، كتحية له على الكثير الذي قدّمه.

 

هل ينجو ربيع لبنان المذبوح من مصيره المشؤوم؟

سمير فرنجية 

ثلاثة حوادث مهمة تشير إلى تغييرات في المنطقة ولبنان؛ أولها الاتفاق النووي مع إيران، ثانيها "الربيع" العراقي، وثالثها المفاوضات الجارية لتحديد مستقبل سوريا. فهل يستطيع لبنان أن يغتنم هذه الفرص الثلاث، ليحرّر ربيعه المذبوح من المصير المشؤوم؟
الحدث الأول يتعلق بالاتفاق حول النووي بين إيران والمجتمع الدولي، الذي ينهي حقبة تاريخية بدأت في العام 2003، تخللها تصعيد في أكثر من مكان؛ في لبنان مع حرب تموز (2006)، في غزة مع سيطرة "حماس" (2007)، في بيروت مع حوادث 7 أيار (2008)، وصولاً أخيراً الى اليمن.
شكّلت رسالة وزير خارجية إيران في جريدة "السفير" (3-8-2015) إشارة إلى رغبة في تغيير السلوك الإيراني تجاه العالم العربي، مع الحديث عن علاقات حسن الجوار واحترام سيادة الدول والدعوة للتشارك في معالجة أزمات المنطقة. لا يزال هذا التحول في بدايته وينبغي انتظار أفعال ملموسة للتأكد من الوجهة التي تسلكها إيران في المستقبل.
الحدث الثاني، هو هذا "الربيع" العراقي الذي لم يكن أحد يتوقع حدوثه، والذي تمثّل في تظاهرات شعبية تطالب بتحقيق إصلاح فعلي في إدارات الدولة، لإنهاء نظام المحاصصة.
الحدث الثالث يتمثل في المفاوضات الجارية على أكثر من صعيد وفي غير مكان لبتّ مستقبل النظام في سوريا وتحديد طبيعة المرحلة الانتقالية الواجب اعتمادها.
في لبنان، نشهد نهاية حقبة تاريخية طويلة بدأت في منتصف الستينات مع صعود الأحزاب والقوى الطائفية التي حلّت مكان التكتلات السياسية العابرة للطوائف والتي مارست عنفاً على مستويين: داخل كل طائفة لتعيين من يمثلها على صعيد الدولة، وما بين القوى الطائفية لتعيين حصة كل منها في الدولة.
أعاقت تلك الصراعات نموّ المجتمع، وأبقت البلد في حالة "حرب باردة"، كما أضعفت مناعة اللبنانيين حيال التطورات الجارية في المنطقة، فمهّدت، بذلك، الأرض اللبنانية لاستقبال الحرب "الساخنة" في العام 1975.
بدأ عصر "المقاومات"، من "المقاومة اللبنانية" إلى "المقاومة الوطنية" وصولاً إلى "المقاومة الاسلامية"، ودخلنا زمن "حروب الالغاء"، وآخرها تلك التي يخوضها "حزب الله" في سوريا.
الإشارة الأكثر تعبيراً عن نهاية هذا الزمن، أتت من التيار العوني الذي استخدم كل الشعارات الطائفية للإستنفار المسيحي، فجاء ببضعة مئات إلى ساحة كانت قبل سنوات قد جمعت مئات الألوف منهم، جنباً إلى جنب مع المسلمين.
نهاية هذه الحقبة التاريخية لا تعني نهاية الأزمة الوطنية. فلا يزال البعض أسير تصورات سياسية وإيديولوجية تزيّن له أنه يخوض معركة الحقّ الأخيرة ضدّ معسكر الباطل، ولن تنتهي هذه الحرب إلا بانتصاره الموعود. ولا يزال البعض الآخر مسكوناً بشهوة السلطة، في حين أن قوى أخرى لا تزال تنتظر ما قد يحصل في الخارج للتكيّف مع نتائجه، من دون المبادرة إلى مواجهة خطر انهيار الدولة ومؤسساتها. إن انهيار هذه الحقبة التاريخية لن يكون فعلياً الا إذا بدأ العمل على وضع الأسس لحقبة تاريخية جديدة.
تبدأ الخطوة الأساس في هذه المجال بإعادة الاعتبار الى التسوية التاريخية التي رسمها اتفاق الطائف والتي تتسع للجميع بعيداً من منطق الغالب والمغلوب، الذي استهوى، على مراحل، كل من استخدم العنف وسيلةً لتحقيق غايات سياسية.
هذه التسوية تحتاج الى عملية إعادة اعتبار، بعد التشويه الذي طالها، نتيجة تولي سلطة الوصاية السورية عملية وضع الاتفاق موضع التطبيق، ونتيجة اختزال الاتفاق بمنطق المحاصصة من قبل القوى الطائفية التي عملت على تعطيله بحجة أن التوافق يعطي الأقلية السياسية حقّ تعطيل خيارات الأكثرية.
اتفاق الطائف هو تسوية تاريخية لأنه يُجري مصالحة في داخل كل واحد منا بين انتماءاته المتعددة، فيُقرّ في آن واحد بحقّنا في التنوع وبحقّنا في المواطنة على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات.
هذه التسوية التاريخية هي حاجة لطيّ صفحة الماضي ومعالجة ما تسببت به تعبئة النفوس من فتن وصراعات طائفية ومذهبية في لبنان والعالم العربي الذي يشهد حرباً دينية تشبه إلى حدّ بعيد "حرب الثلاثين سنة" التي دمّرت المجتمعات الأوروبية من البلطيق إلى المتوسط، في مواجهات دامية ما بين الكاثوليك والبروتستانت.
هذه التسوية هي المدخل لإعادة الاعتبار إلى نموذج العيش اللبناني المشترك، الذي يكتسب اليوم أهمية مضاعفة في إزاء موجة العنف الطائفي التي تجتاح منطقتنا، والآخذة في الامتداد إلى أوروبا وأفريقيا. وذلك بتظهير فرادة التجربة اللبنانية في العالم أجمع، من حيث شراكة المسلمين والمسيحيين – بصفتيهم هاتين – في إدارة الدولة، وفرادة هذه التجربة في العالم الإسلامي بخاصة، من حيث شراكة السنَّة والشيعة – بصفتيهم هاتين – في إدارة الدولة.
هذه التسوية هي الشرط لإعادة بناء عيشنا المشترك بشروط الدولة، والكفّ عن اعتبار هذه الدولة حقلاً للصراع والتقاسم بين أحزاب طائفية. إن الدولة القائمة على هذه التسوية ينبغي أن تكون في الضرورة دولةً مدنية، حيث القانون – بوصفه تعبيراً عن إرادة عامة – يسري على الجميع دونما تمييز، وحيث العدالة مستقلةٌ تماماً عن السلطة التنفيذية، وحيث في إمكان المواطن الفرد أن يختار قانوناً مدنياً لأحواله الشخصية، وحيث لا تقع المرأة ضحية معايير تمييزية، وحيث لا تكون الإدارة العامة حقلاً للزبائنية على اختلاف أنواعها، وحيث مشاركة المواطن في الحياة العامة مكفولةٌ بقانون انتخابات حديث...
أخيراً، تفسح هذه التسوية في المجال أمام انهاء الانقسام العمودي القائم منذ سنوات واستبداله بفرز من طبيعة مختلفة. فرزٌ بين:
الذين استخلصوا دروس الحرب، أو الحروب، من مختلف الطوائف، وأدركوا أهمية الوصل والشراكة مع الآخر المختلف الذي – على اختلافه – يكوّننا مثلما نكوّنه، وهو شرطُ وجودنا كما نحن شرطُ وجوده في مشروع العيش معاً.
والذين، من مختلف الطوائف أيضاً، لم يغادروا كهوف عصبياتهم الطائفية والمذهبية، ولا يزالون يعتبرون الآخر المختلف مصدر تهديد لوجودهم.
على قاعدة هذا الفرز الجديد، ينبغي نسج علاقات شركة وتضامن عابرة للطوائف والمناطق، في ما بين الذين يرفضون العنف ويبدون استعداداً للنضال معاً ضد كل أنواع التطرّف.
¶¶¶

لكي ينجو ربيع لبنان المذبوح من مصيره المشؤوم، ينبغي طي صفحة الماضي، اليوم قبل الغد، والعمل على بناء دولة تتسع للجميع وتقدر على حماية الجميع.

 

 

نداء لحماية لبنان

سمير فرنجية 

لم يشهد المشرق العربي في تاريخه الحديث ما يشهده اليوم من عنف مجنون بات يهدد دولاً بالزوال. ولم يشهد لبنان من أخطار كالتي يواجهها اليوم من جراء الحروب الدائرة في المنطقة وتدفق اللاجئين اليه من سوريا والعراق، الذي كاد عددهم يوازي عدد اللبنانيين المقيمين في بلدهم.
في مواجهة هذا الزلزال، رأت قيادات مسيحية أن الوقت قد حان لتصحيح أخطاء تاريخية ارتكبت في حق البلاد والاتيان بعد طول انتظار برئيس "قوي" يعيد إلى المسيحيين حقوقهم المفقودة.
في العام 1988، رفضت هذه القيادات إجراء الانتخابات الرئاسية وجعلت من إنهاء الاحتلال السوري أولوية، فدخلت في حرب تحرير كادت أن تقضي على البلاد لولا تدخل العالم لوقف الحرب والتوصل الى تسوية الطائف. لكن هذه القيادات رفضت هذا الاتفاق بحجة أنه لا يتضمن انسحاباً سورياً فورياً من لبنان، وعمدت إلى استبدال حرب التحرير بـ"حرب إلغاء"، الأمر الذي أفسح في المجال لاحتلال سوري للبنان، دام، بمباركة دولية، مدة 15 سنة.
في العام 2005، وبعد خروج الجيش السوري من لبنان، انتقلت هذه القيادات المسيحية من ضفة الى أخرى، وعملت على صوغ "ورقة تفاهم" مع خصوم الأمس لنيل تأييدها في بحثها عن رئيس "قوي". وهي بهذا الانتقال فتحت الباب أمام عودة سوريا إلى لبنان، الأمر الذي دفع اللبنانيون ثمنه غالياً.
في العام 2015، أي بعد 27 سنة على بداية هذه "المأساة الرئاسية"، قررت هذه القيادات المسيحية أن تحسم الأمر، وأن تضع الجميع أمام مسؤولياته: رئيس "قوي" أو لا رئيس. فاشترطت على النواب الاقرار مسبقاً بمبدأ الرئيس "القوي" لكي يسمح لهم بعقد جلسة انتخاب. لم تتوفر هذه الموافقة المسبقة، فاضطرت هذه القيادات الى اختيار الفراغ الرئاسي.
ينم هذا الواقع عن انفصام خطير. فهناك مشهدان لم يعد من علاقة بينهما:
المشهد الأول يتلخص في الآتي: دولة ومؤسسات تواجه خطر الانهيار؛ مجتمع يعاني من انقسام مذهبي قد يهدد السلم الأهلي؛ حرب غير معلنة تدور رحاها على طول الحدود مع سوريا؛ اقتصاد على تراجع مع ازدياد متواصل لعدد اللاجئين.
أما المشهد الثاني فيتلخص في صراع على مركز رئاسة الجمهورية، مع ما يرافق ذلك من "أوراق تفاهم" بين الأحزاب المسيحية ومن مطالبة بتعديل الدستور لاستبدال الانتخاب باستفتاء شعبي على مرحلتين – المسيحيون يختارون والمسلمون يؤكدون خيارهم - وصولاً الى الدعوة إلى إلغاء اتفاق الطائف وتنظيم مؤتمر تأسيسي لوضع أسس "الجمهورية الثالثة".
عدنا اليوم الى العام 1988.
لم نتعلم شيئاً من تجربة كل تلك السنوات التي شهدت دوراً مسيحياً مميزاً أدى الى اطلاق انتفاضة كانت الأولى في العالم العربي ضد الأنظمة الديكتاتورية، تلك الانتفاضة التي – والكلام هنا للمجمع البطريركي الماروني - "فتحت الباب للخلاص الوطنيّ بتوحّد غالبيّة الشعب اللبنانيّ على نحوٍ غير مسبوق".
لم نتعلم شيئاً من تجربة العيش المشترك التي يمتاز بها لبنان، تلك التجربة التي تكتسب اليوم أهمية استثنائية بسبب فرادتها في العالم عموماً، من حيث شراكة المسيحيين والمسلمين في إدارة دولة واحدة، وفرادتها في العالم الإسلامي خصوصاً، من حيث شراكة السنَّة والشيعة في إدارة الدولة ذاتها.
لم نتعلم شيئاً من تجربة الكنيسة التي تخطت المنطق الطائفي الذي لا يزال يتمسك به "الأقوياء" في الطائفة وكانت، مع المجمع البطريركي الماروني 2006، من أوّل المنادين في هذا العالم العربي بإقامة الدولة المدنية، القائمة على "التوفيق بين المواطنية والتعددية" وعلى "التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلاً من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق".
في تاريخ لبنان المستقل، أتى الى سدة الرئاسة رئيس "ضعيف" وفق المفهوم المعتمد اليوم للقوة، هو اللواء فؤاد شهاب. فكان أن بنى هذا "الضعيف" دولة لا تزال مؤسساتها حتى اليوم تنظّم حياتنا الوطنية. واحترم هذا "الضعيف" دستور بلاده، فرفض تمديد ولايته.
المطلوب اليوم قليل من التواضع لنعيد بناء تجربة وطنية جديدة لا تقوم على التمييز بين "الاقوياء" و"الضعفاء"، بل على التمييز بين الذين استخلصوا دروس الحرب من مختلف الطوائف، وأدركوا أهمية الوصل والشراكة مع الآخر المختلف، وهم اليوم الأكثرية، وبين الذين، ومن مختلف الطوائف أيضاً، لم يغادروا كهوف عصبياتهم الطائفية والمذهبية، ولا يزالون يعتبرون الآخر المختلف مصدر تهديد لوجودهم، ينبغي العمل على إقصائه.
الوقت يدهمنا، والتطورات التي تشهدها المنطقة تتسارع، فعلينا طيّ صفحة الفراغ الرئاسي لكي نمكّن الدولة من القيام بدورها في حماية هذا الوطن، حماية "الضعفاء"، ولكن أيضاً "الأقوياء"، الذين باتوا اليوم في حال صعبة، من العراق وصولاً الى اليمن، مروراً بسوريا.

 

نداء الى المسيحيين... خلاصكم رهن بذكائكم

سمير فرنجية 

ترددت كثيراً قبل كتابة هذا المقال. فلقد انتابني شعور يراوح بين الأسف الشديد وخيبة الأمل أمام مشهد سياسي لم تعد تحكمه سوى الغرائز وردود الفعل والمصالح الضيقة.
عدت بالذاكرة الى الماضي، فاستعدت حالات شبيهة بهذه التي نعيشها اليوم.
تذكرت عبثية الخيارات التي حاولنا أن نفرضها بعضنا على البعض الآخر: من "الجبهة اللبنانية" التي خيّرتنا بين توحيد البلاد بشروطها أو التقسيم! الى "الحركة الوطنية" التي خيّرتنا بين دولة المقاومة أو اللادولة! الى الوصاية السورية التي خيّرتنا بين سلم اهلي خاضع لمصالحها أو تجديد الحرب الأهلية... وصولاً اليوم الى "حزب لله" الذي يخيّرنا بين السلم الأهلي بشروطه أو الحرب الأهلية!
تذكرت أيضاً الرهانات الخاطئة التي اتخذناها، من الرهان على المقاومة الفلسطينية لبناء نظام أكثر عدلاً وتوازناً، الى الرهان على سوريا لإنقاذ المسيحيين، الى الرهان على اسرائيل لإنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان... وصولاً اليوم الى الرهان على الجمهورية الاسلامية في ايران لحماية مسيحيي الشرق!
وتذكرت أيضاً وأيضاً الانقلابات في المواقف التي قمنا بها والتي قادتنا من "حرب تحرير" ضد سوريا الى "حرب إلغاء" في ما بيننا، ومن مقاومة اسرائيل الى محاصرة المخيمات الفلسطينية، ومن توحيد البندقية لمواجهة العدو الخارجي الى الاقتتال الداخلي... وصولاً اليوم الى الدفاع عن النظام في سوريا ضد الدولة في لبنان!
وتساءلت: هل محكوم علينا أن نكرر الى ما لا نهاية الأخطاء ذاتها؟ ألم نتعلم شيئاً من تجاربنا المأسوية؟ ألم نستخلص درساً واحداً من كل تاريخ الآلام واليأس والذل؟!
ألم ندرك بعد كل تلك التجارب، استحالة العيش في بلد يعقد بعض أحزابه الطائفية مع الخارج روابط سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، باستقلال تام عن الدولة اللبنانية وعلى حسابها... في بلد تعاقبت "المقاومات المسلحة" على أرضه – من مقاومة شعبية عام 1958، الى فلسطينية عام 1969، الى لبنانية عام 1975، الى وطنية عام 1982، الى اسلامية منذ عام 1985 - لتجعل من لبنان، عن قصد أو غير قصد، ساحة معركة دائمة، خدمةً لمصالح حزبية أو خارجية؟!
ألم ندرك استحالة العيش في بلد تتهدّد وجوده وهويته على الدوام أحزابٌ سياسية تحاول، باسم ضرورات طائفية أو ايديولوجية، أن تُعيد النظر في عيش اللبنانيين المشترك، وأن تفرض عليهم رؤية لهذا العالم لم يختاروها ولا يريدونها؟!
ألم ندرك استحالة قيام الدولة السيدة مع وجود جيشين على أرضها، يخضع أحدهما لإمرتها، ويخضع الآخر لإمرة حزب سياسي أو دولة أجنبية؟!
هل في هذا القصور الفادح عن استخلاص الدروس شيء من الذكاء؟

في "لقاء قرنة شهوان"، واجهنا دعوات تيئيسية كادت تصل بنا حد الاستسلام. وكم من "نصيحة" أتتنا في ذلك الزمان لتقول إن هناك توافقاً عربياً ودولياً داعماً للوجود السوري في لبنان، وإن علينا القبول بالأمر الواقع والتكيف معه.
غير أن دعم الكنيسة، وتوحيد الرؤية في ما بيننا، وتمسكنا بوطن وصيغة عيش اخترناهما بإرادتنا الحرة، وتواصلنا مع الآخر الشريك على رغم خطوط التماس المفروضة سورياً... ذلك كله مكّننا من اطلاق "انتفاضة الاستقلال".
هذا في زمن الوصاية السورية حيث كان المسيحيون مهمشين، ومتهمين وملاحقين... من دون أن يكون المسلمون أحسن حالاً على صعيد حرية القرار والاختيار.
فما الذي حصل بعدها لكي نشهد هذا السقوط المريع في صفوف المسيحيين؟
كيف تحوّلنا من جماعة لعبت الدور الأساسي في قيام الكيان اللبناني وبناء الدولة الى جماعة "تحشر" نفسها داخل فكرة "أقلوية" ويدفعها هاجس الخوف الى البحث عن حماية لها من خارج الدولة التي هي جزء مكوّن لها، وعلى حسابها؟!
كيف تحوّلنا من جماعة لعبت الدور الرئيسي في إعادة توحيد اللبنانيين من أجل استعادة استقلال لبنان وسيادته وحريته الى جماعة تواجه الحركة الاستقلالية وتبحث عن دور لها في استغلال الصراع المذهبي السني - الشيعي؟!
كيف تحوّلنا من جماعة عملت على مراجعة نفسها واستخلاص العبر والدروس من تجاربها - خلاصات السينودوس من أجل لبنان (1995)، ونصوص الإرشاد الرسولي (1997) والمجمع البطريركي الماروني (2006) - الى فئة تسجن نفسها في الماضي، تسلّم أمرها الى قيادات لا تزال تبحث عن مشروعية لها في ماضي الحرب، والى زعامات تعمل على نكء الجراح، بحثاً عن مقابر جماعية لمسيحيين قتلهم مسيحيون آخرون، وعن مجازر ارتكبها مسيحيون في حق مسيحيين آخرين، وذلك لاستنفار العصبيات القديمة وتوظيفها في الصراع على الزعامة، من دون اعتبار لمآسي الذين فقدوا أهلاً لهم، ومن دون اعتبار لتشويه صورة المسيحيين تجاه انفسهم وتجاه الآخرين؟!
كيف تحوّلنا من جماعة لها دور أساسي في قيام أول دولة حديثة وديموقراطية في العالم العربي الى جماعة لا همّ لها سوى تأمين "حقوق" لها في الدولة من دون اهتمام بضرورة تطويرها لجعلها قادرة على مواكبة العصر وتأمين حياة آمنة وكريمة لجميع اللبنانيين؟!
كيف تحوّلنا من جماعة تميزت في تاريخها الطويل بالانفتاح على العالم، والتواصل معه مباشرة وعبر انتشار ابنائها في كل انحائه الى أقلية منغلقة على نفسها في مواجهة مع المجتمع الدولي والغرب والعرب وقابلة لأن يضعها من يدّعي تمثيلها في دائرة الاستخدام لنظام ايراني تحكمه سلطة مطلقة باسم الدين، وتجاهر بسعيها لإقامة "شرق أوسط اسلامي جديد"؟!
كيف تحوّلنا من جماعة لعبت دوراً اساسياً في نهضة العالم العربي الى جماعة غير معنية بالتطور الأساسي الحاصل في المنطقة، وذلك في اللحظة التي بدأ العرب فيها يتبنّون الأفكار والمبادئ التي من أجلها ناضل المسيحيون على مدى أكثر من قرن: التسامح والاعتدال ورفض التطرف والاقرار بالتنوع والتعدد والانفتاح على الثقافات الانسانية...؟!

***
الأخطر من ذلك كله، "إصرارنا العجيب" على تهديم كل ركائز وجودنا في لبنان!
من الكنيسة التي وصفنا سيّدها بأسوأ النعوت، وهو الذي أطلق معركة استعادة الاستقلال وأعاد الى المسيحيين كرامتهم ومكانتهم ورسم لهم في المجمع البطريركي طريقاً للمستقبل، الى رئيس الجمهورية الذي يتعرض لهجوم مركز، فنطالب له بـ"حقوق مسلوبة"، ونرفض أن يمارس حقوقه الفعلية، الى المؤسسات الاقتصادية التي أصيبت إصابات كبرى جراء كل ما جرى، من حرب تموز 2006 الى احتلال وسط بيروت، الى اجتياح بيروت بقوة السلاح...
لقد بتنا نفاخر بأننا تحوّلنا الى "أهل ذمة" وبأن حمايتنا لم تعد تأتي من دولة أوجدناها أصلاً لحمايتنا، بل من "ورقة تفاهم" تضمن لنا أن السلاح غير الشرعي لن يوجَّه الى صدورنا، بل الى صدور الآخرين! وبتنا ندافع عن الجلاد ضد الضحية خوفاً من أن يتذكرنا، فيحّول سلاحه ضدنا. وصرنا نهلل لمن يرفع شعار "الثورة الاسلامية"، وندين كل من ينادي بـ"لبنان أولاً"! ولم يعد ينقصنا سوى استرجاع أولادنا من جامعات فرنسا وبريطانيا وأميركا وارسالهم الى جامعات ايران، إثباتاً لحسن نياتنا تجاه من اخترناهم لضمان أمننا ومستقبلنا!
كذلك بتنا نفاخر في بداية القرن الحادي والعشرين بأننا عدنا الى منطق العشائر والقبائل، منطق الاستسلام الى شخص يقرر مصيرنا، فيقودنا الى حيث يريد من دون مشاركة أو مساءلة. ولم نعد نمارس من السياسة سوى الطقوس – من رموز وألوان وحركات جسدية – التي تؤكد ولاءنا للقائد الملهم!

***
لست بهذا المقال في صدد الترويج لفريق ضد آخر. وللأمانة، لا بد من القول بأن أخطاء عديدة قد ارتكبها الفريق السياسي الذي انتمي اليه في مواجهة هذا الواقع المأسوي، آخرها تلك التي رافقت التحضير للانتخابات والتي أدت الى تحويل المعركة من مناسبة لتحديد حجم الخيار الاستقلالي على مساحة الوطن الى مناسبة لتحديد أحجام الأحزاب والشخصيات والزعامات المحلية داخل التيار الاستقلالي نفسه، في حين كان المطلوب من الاحزاب أن ترتقي الى مستوى المرحلة وتعلن نيتها تشكيل كتلة نيابية واحدة، بدل التصارع في ما بينها ومع الآخرين على حجم كتلها الحزبية. إن هذا الأمر ساهم في ضرب صورة الحركة الاستقلالية وبدأ يولد تساؤلات مشروعة حول إدارة المعركة الانتخابية. كذلك بدأ يتسبب بتغذية نزعة "انسحابية" لدى جمهور واسع لم يعد يرى انسجاماً بين الشعارات المرفوعة والممارسات الانتخابية.
ثمة أخطاء أخرى ارتكبت في مواجهة هذا السلوك الانتحاري الذي تحركه شهوة البعض الى السلطة. وعلى الأحزاب المسيحية التي تحاول اليوم الحد من الخسارة وإعادة تصويب الاتجاه، أن تعيد النظر في اسلوب عملها، وأن تعمل على تجديد نفسها كي تضع حداً لهذا التوتر المزمن القائم بينها وبين شرائح واسعة من المجتمع باتت تتميز بالانفتاح والحداثة، وهي التي كان لها الدور الأساسي في انجاح معركة الاستقلال الثاني.
نقطة البداية في هذه المراجعة المطلوبة هي اكتشاف سرّ انتفاضة الاستقلال، تلك اللحظة التاريخية النادرة من الوصل والتوحد بين اللبنانيين التي أدّت الى تكوّن رأي عام استقلالي، تجاوز الترسيمات الطائفية والمناطقية والحزبية والعشائرية، ليشكل كتلة مدنية فاعلة، غير مسبوقة كماً ونوعاً في تاريخ لبنان. واذا كان "الوصل" هو سرّ الانتفاضة، فإن هذه الكتلة العابرة للترسيمات التقليدية الآسرة هي شعب الاستقلال.

***
نحن اليوم أمام استحقاق كبير ومصيري.
فالانتخابات النيابية الآتية سوف تحدد مصير لبنان لفترة طويلة. وهي انتخابات يمتلك فيها المسيحيون الكلمة الفصل، ذلك أن المناطق ذات الغالبية المسيحية هي التي سترجح الكفة.
فاذا أحسنّا الاختيار، نكون قد أوقفنا الانهيار وبدأنا نعيد الامساك بمصيرنا.
وإذا أسأنا الاختيار، نكون قد اتخذنا، عن وعي أو غير وعي، قراراً بالخروج من السياسة، وهو قرار يمهد لخروجنا من التاريخ.
إنها فرصة قد لا تتكرر.
ولمن يسأل عن الوجهة التي ينبغي أن تحكم اختيارنا، أقول إن لبنان هو أمام أمر من اثنين: إما أن يبقى، كما هو اليوم، ساحة حرب مفتوحة، وهذا يعني نهاية لبنان الذي عرفناه واخترناه، وإما أن يبني سلامه بعد أكثر من ثلاثين عاماً من القتال والاقتتال. وإذا هناك من دور مميز للمسيحيين في لبنان، يعيد اليهم مكانتهم وحضورهم وفاعليتهم، فهو دور الوصل والربط بين اللبنانيين تحت عنوان سلام لبنان.
لماذا السلام ؟
* لأن السلام هو البديل من الحرب الأهلية التي تتهددنا جميعاً، حرب أهلية "ساخنة"، كما في أيار 2008، أو حرب أهلية "باردة" تبقي الأمور معلقة الى حين يأتي من يحركها من الخارج ولصالح الخارج.
* لأن السلام والاستقرار هما شرط لإصلاح دولتنا وتحريرها من الصراعات الطائفية التي تتهدد وجودها وتعوق حركتها، ومن الزبائنية الطائفية التي تفسد عملها، وهما ايضاً شرط لإعطاء العدالة الآتية مع المحكمة الدولية بعدها الأوسع من خلال إعادة الاعتبار الى فكرة القانون كناظم للحياة بين الناس. كذلك هما شرط لإقامة دولة مدنية تكفل للمواطنين من دون تمييز حقوقاً متساوية وفرصاً متساوية للحصول عليها، دولة تضمن الحضور الحر للطوائف خارج منطق العدد الذي يُستخدم لتخويف اللبنانيين، دولة تؤمّن أوسع المشاركة من خلال اعتماد اللامركزية الادارية، دولة توفر العدالة للجميع من خلال سلطة قضائية مستقلة.
* لأن السلام هو السبيل لبناء مجتمع لا يُختزل فيه الفرد ببعده الطائفي، مجرداً من دوائر إنتمائه الأخرى التي تُغني شخصيته، مجتمع لا يُستخدم فيه الدين لغايات سياسية وسلطوية، متحولاً بذلك عن وظيفته الأساسية، ألا وهي إرشاد البشر إلى العيش معاً بسلام، مجتمع يستطيع الفرد فيه أن يختار العيش وفق نظام الأحوال الشخصية الذي يراه مناسباً، دينياً أكان أم مدنياً، مجتمع ليس فيه تمييز ضد المرأة، وحيث العدالة لا تميّز بين حاكم ومحكوم، مجتمع لا تُطيح فيه القوانين الراعية للحريات العامة حرية الفرد، مجتمع يبدأ فيه احترام الذات من احترام الطبيعة...
* لأن السلام من شأنه أن يحمي لبنان من انتكاسة اقتصادية جراء الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة في العالم والتي بدأت تنعكس سلبياً على شبابنا العاملين في الخارج، كذلك هو شرط ضروري لتأمين التنمية الإقتصادية والإجتماعية لبلدنا، وإتاحة الفرصة أمامه للدخول بخطى ثابتة في عصر العولمة. ذلك بتنمية رصيده الإنساني الذي يشكل ثروته الأساسية، وبتفعيل تلك الشبكة الإستثنائية التي يمثلها الإغتراب اللبناني في العالم.
* لأن السلام بما ينطوي عليه من تهدئة للخواطر والنفوس، يسمح بالشروع في مراجعة ذاتية لإستخلاص عِبَر الحرب وتجاوز الماضي، وتأمين مصالحة اللبنانيين مع أنفسهم ومع الآخرين، كي يتمكنوا من معانقة مستقبلهم المشترك بأمان.
* لأن السلام شرط لازم لإعادة الإعتبار إلى نموذج العيش اللبناني، الذي لا تتأتى أهميته من تجاور طوائفه الدينية أو تساكنها، بل من اختلاطها وتفاعلها اللذين يجعلان من المجتمع اللبناني بوتقة إنسانية فريدة، في زمن أصبح موضوع العيش معاً بسلام يمثل تحدياً جسيماً للإنسانية جمعاء، بفعل التغيّرات الهائلة التي أحدثتها العولمة.
* لأن السلام الدائم والشامل هو المناخ الملائم لتجديد دور لبنان في محيطه العربي وفي العالم: دوره المساهم في اشتقاق طريق عربية نحو الحداثة، والمشارك في خلق نظام جديد للمصلحة العربية المشتركة، حديث ومنفتح على العالم؛ دوره في تعزيز خيارات الإعتدال وتعزيز التواصل بين الاتجاهات الاصلاحية في المنطقة لدرء أخطار حروب أهلية تترصّد غيرَ بلد عربي؛ دوره الأصيل في الجهود المبذولة للعودة بالمتوسط إلى ما كان عليه من صلة وصل وتفاعل بين شعوبه وثقافاته العريقة، الأمر الذي يشكل أحد الضمانات الأساسية لإستقرار هذا الجزء الحيوي من العالم.

***
في نهاية هذا المقال، سأستعين بالخاتمة التي تبنّاها المجمع البطريركي الماروني للنص المتعلق بـ"الكنيسة المارونية والسياسة" والتي جاء فيها "أن قدر الموارنة وخيارهم هو أن يتمسّكوا برسالتهم التاريخيّة، وأن يكونوا عامل تواصل في هذا الشرق بين مكوّناته المتعدّدة وبينه وبين العالم، وقوة دفع نحو المستقبل في مواجهة التخلّف".
وتؤكد الخاتمة "أن الموارنة ليسوا أقليّة ترتبط بعلاقات جوار وتساكن مع الآخرين، وتبحث عن سبل تنظيم تعايشها مع الأكثريّة والمحافظة على خصوصيّتها. إنّهم جماعة لها دور فاعل من خلال تواصلها وتفاعلها مع كلّ الجماعات في رسم مستقبل مشترك لها ولهم، يقوم على المبادئ التي تؤمّن للإنسان حريّته وتحفظ كرامته وتوفّر له العيش الكريم".
وتتضمن هذه الخاتمة "أهمّ التحدّيات التي تواجه الموارنة، والمتّصلة بالشأن السياسيّ"، وهي:
أولا- "العودة إلى هويّة الكنيسة المارونيّة، القائمة على قيم الحريّة، ونشر روح الوفاق، وسلوك طريق الحوار والتواصل والانفتاح والمحبّة، فنشهد للمسيح في عالم متغيّر من خلال الأفراد ومن خلال المؤسّسات الكنسيّة؛"
ثانيًا- "تطوير مفهوم جديد للمواطنيّة مبنيّ على العقد الاجتماعيّ القائم على العيش المشترك في ظلّ دولة ديموقراطيّة تضمن مساواة الأفراد في الحقوق والواجبات كما تضمن احترام التنوّع الطائفيّ؛"
ثالثًا- بقاء "لبنان مساحة للحوار الإسلاميّ المسيحيّ، في عالم يشهد انقسامات بليغة في هذا المجال، متضامنين مع العالم العربيّ لمواجهة مقولة صراع الحضارات التي تضع الإسلام والمسيحيّة بعضها في مواجهة البعض الآخر، فنرتفع إلى مستوى مسؤوليّاتنا وأصالتنا ورسالتنا في هذه المنطقة من العالم؛"
رابعًا- الأخذ في الاعتبار عولمة الكنيسة المارونيّة للتشبّث بثوابتها وخياراتها الأساسيّة، المستمدّة من قيَمها الإنجيليّة، ومتابعة المنتشرين حفاظاً على هويّتهم الإيمانيّة والكنسيّة، وتعميقًا لانتمائهم إلى مجتمعاتهم المعاصرة، وتشجيعاً لالتزامهم في الحياة العامّة، بهدف بناء مجتمعات تعالج مشاكل الفقراء والمعدمين وقضايا العدل وحقوق الإنسان.".

***
إن عودة اللبنانيين، وفي طليعتهم المسيحيون، الى جوهر المشروع اللبناني ودوره الخلاق في محيطه والعالم... هذه العودة "رهن بذكائهم"، بحسب تعبير لحميد فرنجيه عام 1956، في ظروف مشابهة لما نحن عليه اليوم من تعقيدات وتحديات اكتنفت أوضاع اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً.
... والذكاء ليس الشطارة و"الفهلوة"، كما يظن البعض ¶

 

كـــــيـــف نـــقـــــــرأ خــــمـــســــــة عـــشــــــر عــــــامـــــا مـــن الـســـــــــلام الـلــبـــــنــــانــــي الـكــاذب؟
ســـــــوريـــا أمـــــــام الـخــــــيار الصعب التمسك بنظام الهيمنة في وجه العالم أم التسوية مع اللبنانيين واستعادة الدور؟

سمير فرنجية 

يبدو أن المواجهة اللبنانية - السورية التي بلغت ذروتها مع التمديد لولاية الرئيس اميل لحود، قد دخلت مرحلتها النهائية بعدما تمكن اللبنانيون من إعادة التواصل في ما بينهم وطي صفحة الماضي والاتفاق على قواسم مشتركة لإدارة شؤونهم بأنفسهم. لم تستكمل بعد صورة المشهد اللبناني لأن هناك قوى وطوائف لا تزال في طور إعادة تنظيم أولوياتها. ولكن التغيير الحاصل في البلاد لم يعد قابلاً للارتداد الى الوراء. قيد البحث والتداول، اليوم، هو كيفية طي هذه الصفحة نهائياً. فهل نحن متجهون نحو حركة اعتراض واسعة شبيهة بتلك التي شهدناها في دول اوروبا الشرقية تسمح بانتقال هادئ من واقع الى آخر؟

إن العلاقة بين لبنان وسوريا محكومة منذ البداية بسوء تفاهم تاريخي لم يتمكن أحد من تبديده. والأساس في سوء التفاهم هذا هو وجود مفهومين متعارضين حول الهوية الوطنية. فهناك في سوريا من يرى الى لبنان على أنه مجرد أقليم جرى سلخه عن الوطن الأم في زمن الاستعمار، وهناك في لبنان من يردّ على هذا المنطق الالغائي بالهروب الى الأمام وإنكار ما هو مشترك بين لبنان وسوريا، فيعيد النظر في انتماء لبنان العربي.
دفع لبنان ثمن هذا التقابل غالياً، وذلك على مستويين:
على المستوى الداخلي، تسبب التمايز في الهوية بسجال داخلي اتخذ في مراحل التأزم ابعاداً طائفية جعلت المسيحيين ينظرون الى المسلمين كـ "طابور خامس" لا يمكن الركون اليه والتعاون معه كشريك أصيل، ودفعت المسلمين الى اعتبار المسيحيين "جالية غربية" مهمتها الدفاع عن مصالح الغرب.
أما على مستوى العلاقة بين البلدين، فأدت الى توترات دائمة واصطفافات في معسكرات عربية ودولية متخاصمة، وصولاً الى دور سوري فاعل في الحرب اللبنانية، واستعانة علنية من أخصامه باسرائيل.
بقيت الامور على حالها حتى اتفاق الطائف، حين قرر اللبنانيون طي صفحة الخلاف على الهوية وتأكيد عروبة لبنان واعتبار اسرائيل عدواً. كما اتفقوا على تحويل العلاقة اللبنانية - السورية من مادة خلافية في ما بينهم الى ثابتة وطنية، واعتبروها شرطاً أساسياً من شروط استقرارهم. وعلى هذه القاعدة، جرى الاقرار بضرورة طي صفحة الماضي مع سوريا وقيام "علاقات مميزة" بين البلدين، وذلك بالتزامن مع إعادة انتشار الجيش السوري الى البقاع وحصر دوره في مسألة الدفاع عسكرياً عن سوريا في مواجهة هجوم اسرائيلي محتمل عبر البقاع.
يمكن تلخيص مضمون التسوية بين لبنان وسوريا على الشكل الآتي: لبنان يستعيد سيادته، فيعيد توحيد مجتمعه وبناء دولته، وسوريا تأخذ في المقابل علاقات مميزة مع لبنان، فتضمن استقرار نظامها وانفتاحها على العالم.
فشلت هذه التسوية عندما اعتبرت سوريا أن في مقدورها عدم تطبيق اتفاق الطائف وعملت على توظيف التطورات التي حصلت في المنطقة على أثر حرب الخليج ومفاوضات السلام، لتأمين استمرار وجودها في لبنان. فتحوّل اتفاق الطائف من حل الى مشكلة، بعدما شعر اللبنانيون انهم دفعوا ما عليهم في هذا الاتفاق من دون أن يحصلوا في المقابل على حقهم.
منذ ذلك الوقت تعمل سوريا جاهدة على تأبيد الأوضاع القائمة في لبنان من دون اعتبار لرغبة اللبنانيين - بعد حرب دامت 15 سنة - في طي صفحة الماضي وإعادة بناء دولتهم واقتصادهم.
أدى هذه الخلل الكبير في تطبيق التسوية التي أقرت في الطائف الى بناء دولة منقوصة السيادة تديرها سلطة لا تدين بوجودها الى ارادة اللبنانيين بل الى قرار الاجهزة السورية التي جهدت بعد انتهاء الحرب لإحكام قبضتها على البلاد عبر تبديلات جوهرية على مستوى الدولة والمجتمع.
فعلى مستوى الدولة، جرى بناء نظام سياسي يتمحور حول عاملين مكملين الواحد للآخر: عامل الخوف والتخويف من خلال رقابة أمنية شاملة تطاول كل التفاصيل الخاصة والعامة، وتهديد دائم بفتح ملفات قضائية، وعامل الترغيب من خلال افساح المجال أمام الاستفادة من مداخيل الدولة.
أما على مستوى المجتمع، فلقد عمدت الاجهزة الى تفتيت البنى الحديثة، من احزاب ونقابات وجمعيات، والى إفسادها. كذلك عملت على إعادة احياء التناقضات في البنى التقليدية، العائلية والطائفية، لتأكيد عجز اللبنانيين عن إدارة شؤونهم بأنفسهم ومنع بروز اعتراض جامع. إضافة الى ذلك، جرى التلاعب في طبيعة الاجتماع اللبناني من خلال مرسوم التجنيس والتجنيد الاجباري الذي ساهم في تسريع هجرة الشباب وضرب فرص العمل...
هذه الصورة بدأت تهتز بسبب تضافر عاملين:
العامل الأول هو تزايد الرفض الداخلي للهيمنة السورية، خاصة منذ العام 2000، وتفاقم الأزمات ولاسيما الاقتصادية منها نتيجة سوء إدارة الدولة واستباحتها على نحو غير مسبوق.
العامل الثاني متعلق بقرار الولايات المتحدة، بعد حرب العراق، إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية، الأمر الذي يتعارض مع استمرار دور سوريا الأقليمي.
في مواجهة هذا الوضع المستجد، كان أمام سوريا خيار من اثنين: اما التمسك بدورها وخوض المعارك لابقاء الأمور كما هي ومنع حدوث أي تغيير، واما التكيف مع المعطى الجديد والبحث عن دور يتناسب والتغييرات الجارية في لبنان والمنطقة.
بقي الخيار السوري ملتبساً لفترة. فلقد قدمت سوريا في البداية "خدمات" عدة في المجال الأمني، من معلومات وتسهيلات، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الولايات المتحدة لم تتعامل مع بادرة حسن النيات هذه بالشكل الذي كانت تتوقعه. فصارت سوريا في حاجة الى ابتزاز الولايات المتحدة لاجبارها على فتح حوار معها حول دورها المستقبلي في المنطقة.
جرت المحاولة الاولى لفرض التفاوض مع الاميركيين عبر طرح مسألة المقاومة العراقية، لكنها باءت بالفشل بسبب عدم قبول أميركا دفع ثمن للخدمات السورية في الداخل العراقي.
وجرت المحاولة الثانية حول الموضوع الفلسطيني ودور سوريا في دعم الاتجاهات الرافضة للسلطة الفلسطينية، وهذه المحاولة أيضاً لم تعط نتيجة.
وتمت المحاولة الثالثة في لبنان اذ عُرضت مسألة التمديد للرئيس أميل لحود للمقايضة على تجديد الدور السوري في لبنان. مرة أخرى فشلت المحاولة.
المحاولة الرابعة تمثلت في عرض سوري لتجديد مفاوضات السلام مع اسرائيل وصولا الى جرّ اميركا الى الحوار مع سوريا. هذه المحاولة باءت هي الأخرى بالفشل.
جاء رد فعل سوريا على فشل محاولاتها المتعددة قراراً بفرض أمر واقع جديد عبر تمديد ولاية الرئيس لحود، والاكتفاء بموقف انتظاري حتى تتبدل الظروف وتعود الحاجة الى دور سوري في المنطقة. لكن رد فعل الغرب على القرار السوري فرض الامر الواقع جاء سريعاً وقوياً، فأحال الملف السوري برمته على مجلس الأمن.
إن القرار رقم 1559 الذي صدر عن مجلس الأمن قبل ساعات قليلة من التمديد للرئيس لحود هو قرار بإنهاء دور سوريا في لبنان. فالتغطية السياسية الخارجية التي حازتها بشكل شبه متواصل حتى في أشد لحظات التوتر اثناء الحرب الباردة زالت وزال معها امكان استمرار الوضع القائم، وابقاء هذا الاستثناء الوحيد في العالم منذ سقوط جدار برلين والمتمثل في إدارة دولة لشؤون دولة أخرى.
كيف ردت سوريا على قرار انهاء
وجودها في لبنان ؟
بعد فترة تردد، حسمت سوريا أمرها وقررت البقاء في لبنان من دون مواجهة الشرعية الدولية، وذلك من خلال استبدال الحكم السوري المباشر للبنان بحكم لبناني تابع لسوريا وغير قادر على الانقلاب عليها في أي ظرف من الظروف. وقد بدأت الأجهزة السورية بتنفيذ هذا المخطط. فأتت بحكومة لا يشوب توجهاتها السياسية شائبة ووضعت لها برنامجاً يقضي بالآتي:
- تنظيم انتخابات نيابية والمجيء بأكثرية نيابية تدين بالولاء المطلق لسوريا، وذلك من خلال تقسيم الدوائر وفق مصلحة المرشحين الموالين والاشراف على العملية الانتخابية في كل مراحلها، من وضع لوائح الشطب حتى قراءة النتائج، مروراً بتوزيع البطاقات الانتخابية واختيار رؤساء الاقلام وتعيين المشرفين على الأمن واختيار المكلفين احتساب الاصوات وتشكيل اللوائح الانتخابية وتنظيم عمليات الشغب والضغوط على المرشحين المعارضين وتوزيع المناشير وتوجيه الاعلام ومراقبة الاخبار...
- الامساك بكل مفاصل الدولة من خلال تشكيلات واسعة في مجالات الأمن والادارة. وهذا ما بدأ يحصل بعد ساعات فقط على نيل الحكومة ثقة المجلس. وتم اختيار أناس يصعب عليهم الانتقال من موقع الى آخر في حال تبدل الأمور، ذلك أن وجودهم في مراكزهم مرهون باستمرار الاوضاع على ما هي.
- إلغاء المعارضة من خلال تهديد بعض اعضائها وفبركة الملفات القضائية ضد البعض الآخر، وتخوينها، وتقسيمها بين معارضة "شريفة" وأخرى "انتهازية"، وتصويرها على أنها مجرد "اقلية" تريد الانقلاب على "الأكثرية".
إن الذين وضعوا هذا البرنامج وبدأوا تنفيذه يرتكبون أخطاء ثلاثة:
الخطأ الأول هو أنهم يسيرون عكس التيار العام، فيعرّضون أنفسهم لانتكاسة خطيرة في لبنان، قد تنعكس سلباً على الاستقرار في سوريا.
الخطأ الثاني هو أنهم، باصرارهم على تجاهل الارادة اللبنانية، يجعلون مسألة إعادة بناء العلاقات بين البلدين على قواعد صالحة بعد الانسحاب السوري أمراً أكثر صعوبة نظرا الى التشنجات التي يولدونها في نفوس الناس.
الخطأ الثالث هو أنهم يضيّعون وقتاً ثميناً في محاولاتهم اليائسة لابقاء الأوضاع كما هي بدلاً من توظيف هذا الوقت للبحث عن مخارج تحفظ الاساس عند الأطراف كافة.
إن التحايل على إرادة اللبنانيين لابقاء نظام فاسد ومفسد لم يعد ممكناً. فالظروف التي سهلت وضع لبنان تحت الوصاية السورية تبدلت ولم يعد هناك من حجج مقنعة لتبرير استمرار هذا الوضع المذل، وخصوصاً ان كل الشعارات القديمة سقطت.
لقد وصلنا اليوم الى ساعة الحقيقة. فعلى السوريين العودة عن الخطأ الذي ارتكبوه عندما استبدلوا تسوية الطائف، التي توافق عليها اللبنانيون، بمشروع هيمنة أوصل لبنان وسوريا الى طريق مسدود.
فالمطلوب هو موقف سوري تاريخي شبيه بالموقف الذي اتخذه اللبنانيون في الطائف، يضع حداً لكل المخاوف وكل المآخذ، ويمكّن اللبنانيين من مساعدة سوريا في مواجهة كل الأخطار. والأساس في هذا الموقف هو:
الكف عن التعامل مع لبنان كأنه مجرد "اقليم" جرى سلخه عن الوطن الأم في زمن الاستعمار، واعتراف الدولة السورية الواضح والصريح بالدولة اللبنانية كدولة مستقلة تتمتع بالشرعية نفسها التي تتمتع بها الدول العربية الأخرى.
الكف عن انكار خصوصية الشعب اللبناني بذريعة أنه هو والشعب السوري "شعب واحد في دولتين"، مع ما يترتب على استمرار هذه النظرة من حق في التدخل في شؤون لبنان الداخلية وصولاً الى الغاء الدولة اللبنانية، ومن تمايز لا مبرر له بين الشعبين اللبناني والسوري من جهة، وباقي الشعوب العربية من جهة أخرى.
الاقرار بأن مسؤولية الفشل في إقامة علاقات جيدة بين البلدين منذ الاستقلال حتى اليوم لا تقع على عاتق فريق دون آخر، وأن سوريا تتحمل، تماماً كما يتحمل اللبنانيون، مسؤولية في ما حدث في لبنان من حرب ودمار.
وهي تتحمل مسؤولية أكبر بعد انتهاء الحرب بسبب اشرافها الكامل على إعادة بناء الدولة اللبنانية على قواعد مشوهة وتحويل النظام اللبناني من نظام ديموقراطي تشوبه نواقص الى نظام أمني تغطيه بعض الشكليات الديموقراطية.
إقرار الدولة السورية بأن الحرب قد انتهت في لبنان وبأن اللبنانيين ليسوا في حاجة الى "قوة ردع" تمنع تجديد الاقتتال في ما بينهم. وينبغي لسوريا في هذا السياق، سياق انتهاء الحرب، وقف التعامل مع اللبنانيين على قاعدة فرزهم بين "حليف" و"عدو"، فيتم دعم "الحليف" ومحاربة "العدو" وكأن الحرب لا تزال قائمة.
إن المطلوب هو أن تقيم سوريا علاقات مع كل اللبنانيين من خلال مؤسساتهم الدستورية المكوّنة على قاعدة انتخابات حرة، وأن تفسح في المجال أمام تواصل حر بين المجتمعين اللبناني والسوري.
هذا الموقف هو المدخل لانقاذ سوريا قبل لبنان. إنه موقف صعب لكنه موقف لا بد منه للخروج من هذه الدوامة القاتلة التي تتحكم بها مصالح صغيرة، وإعادة تأسيس دور مختلف للبنان وسوريا في المنطقة العربية والعالم.
هل ان هذا التحوّل في الموقف ممكن؟ لا يستطيع أحد الجواب عن هذا السؤال.
ذلك ان ما يتحكّم بالمواقف في اللحظات التاريخية هو مزيج من الاعتبارات يصعب تحديدها وترتيبها وفق اولوية منطقية.
سوريا اليوم عاجزة عن الاستمرار في السياسة التي انتهجتها منذ السبعينات. فالظروف التي جعلت هذه السياسة ممكنة في ما مضى تبدّلت كلها اليوم وأصبح من غير المألوف ان تستمرّ دولة في السيطرة على دولة أخرى وإخضاعها بواسطة قواتها المسلّحة وذلك بحجج ايديولوجية وسياسية تنتمي الى مفاهيم كانت سائدة في نهاية القرن الماضي.
قد يبدو الاقرار بهذا الواقع أمرا بديهيا. لكن الامور هي في واقع الحال أكثر تعقيداً نظراً الى ما يترتب على هذا الاقرار من خطوات عملية.
والسؤال في هذا المجال تحديداً هو الآتي:
أين ترى القيادة السورية أساس مشروعيتها؟ في استمرار النهج الذي أسسه الرئيس السابق حافظ الاسد أو في نقل سوريا من حالة الى أخرى وانفتاحها على العالم بعد رفع القيود المفروضة على مجتمعها؟ أهو في دور سوريا السابق القائم على شعارات الرفض و"الصمود والتصدي"، أم في دور جديد يقوم على إعادة الوصل مع مرحلة النهضة من أجل دفع المنطقة نحو التقدم؟
الجواب عن هذا السؤال هو عند القيادة السورية التي يبدو أنه لم يعد أمامها مزيد من الوقت ■

 

 

3 أيــــــــــــــــــــــــــلــــول 2004 نــــهـــــــــايــــة الـجــــمــهـــــوريــــة الـــثـــــانــــيــــة

سمير فرنجيةفي مساء الثالث من أيلول 2004 اجتمع مجلس النواب اللبناني وأصدر قانوناً عدّل بموجبه المادة 49 من الدستور بما يتيح له التمديد ثلاث سنوات لرئيس الجمهورية. قبيل ذلك بساعات قليلة، أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يحمل الرقم 1559 يدعو فيه الى سحب الجيوش الأجنبية من لبنان ويطالب بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية واحترام الدستور. في مساء الثالث من أيلول 2004 انتهت الجمهورية الثانية.

أسست المعركة التي انطلقت تحت عنوان "الدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور" بداية لإعادة تشكل المشهد اللبناني على قاعدة جديدة خارج تقابلات الحرب واصطفافاتها.

فهذا التشكل جديد على أكثر من صعيد:
إنه جديد بطبيعة القوى التي تنضوي في إطاره. فهو يضم قوى ذات جذور طائفية، مسيحية واسلامية، وأخرى ذات أسس يسارية انطلقت من أولوية الإصلاح لتنفتح على المسألة الوطنية، وأخرى أيضاً آتية من هم سيادي اكتشفت الترابط العضوي القائم بين السيادة والاستقلال من جهة والوحدة الداخلية من جهة أخرى، فاضطرت من هذا المنطلق الى الاقرار بالمساواة والاصلاح طلباً لتوسيع جبهتها. كذلك يضم هذا التشكل فئات آتية من المجتمع المدني، من طلاب الى ناشطين في حركات ديموقراطية الى نقابيين وعاملين في مجال البيئة، الى الاعلاميين. واستفاد هذا التشكل من الجو الذي أوجدته المرجعيات الروحية من دون أن يؤدي هذا التنوع اللافت إلى انقسام أو تفرقة. فعلى العكس من ذلك، هناك إقرار عام بأن الإنسان هو الذي يختار طريقه الى القضية الوطنية وبأن لا يحق لأحد أن يحلّ مكانه ليفرض عليه الطريق التي يراها هو مناسبة.
إنه تشكل جديد بطبيعة المشروع الذي يحمله، ذلك أن هدفه ليس سياسياً بالمعنى العادي للكلمة. فهو يعمل على جعل السياسة ممكنة في بلد ألغيت فبه السياسة ليحل مكانها نظام أمني ضيق يحاول بين الحين والآخر أن يرتدي ثوباً مدنياً. فتالياً لا يضع هذا التشكل نفسه في إطار سياسي، إنما يعمل في إطار وطني أشمل لتمكين الناس من استعادة حقهم في اختيار ما يرونه مناسباً لهم وكذلك حقهم في الاختلاف في ما بينهم حول كيفية إدارة شؤونهم المشتركة والتوافق من خلال الآليات الديموقراطية التي ينص عليها الدستور.
إنه ايضاً تشكل جديد من حيث طريقة التعاطي القائمة بين العناصر التي تكونه. فلا مجال في هذا العمل المشترك لاستخدام موازين القوى لفرض إرادة على أخرى، كذلك لا وجود لأكثرية تدير أقلية. ولا حاجة بالطبع، كما هي الحال في معظم أحزاب السلطة، الى مرجعية مخابراتية تتولى صياغة الموقف قبل نقاشه. إن هذا التشكل يقوم على قرار حر لمواطنين أحرار أرادوا التضامن في ما بينهم لإنقاذ بلادهم.

أمام هذا التشكل مشكلات ينبغي له مواجهتها:
المشكلة الأولى ذات طابع إجرائي.
فهناك طاقات واسعة في لبنان والمهجر تريد المشاركة في عمل انقاذي على القاعدة نفسها التي حددها كلّ من "الحملة الوطنية للدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور" والمؤتمر الذي نظمه القيمون على هذه الحملة في نقابة الصحافة عشية جلسة تعديل الدستور. أتت التواقيع على العريضة الوطنية من كل مكان لتؤكد رفضها المس بالدستور والتمديد للأمر الواقع المفروض على البلاد.
فالمشكلة هي تحديداً في كيفية استيعاب هذه الطاقات والتأسيس لتيار عريض بعيداً عن فخ العصبيات الطائفية والمذهبية وبعيداً أيضاً عن منطق الحزبيات الضيقة.
لبنان هو اليوم في أمس الحاجة الى تيار ديموقراطي يجمع بين أبنائه ويعمل على تأسيس تجربة تاريخية جديدة. تيار شبيه، من حيث التنوع والاتساع، بالتيارات التي حكمت الحياة السياسية في مرحلة الاستقلال والتي قام بعضها أساساً على فكرة الدفاع عن الدستور. إننا نمر في لحظة مصيرية لا تقل أهمية وخطورة عن لحظات التأسيس وإعادة التأسيس، على غرار ما حدث عامَي 1920 و1943.

المشكلة الثانية هي في كيفية مواجهة الإثارات الطائفية التي تحاول السلطة من خلالها اثبات ضرورة إبقاء الأوضاع كما هي. من هذه الإثارات:
•إثارة في اتجاه المسيحيين من أجل التخويف، على قاعدة أن لا مجال لمحاربة التوطين المحتوم الا من خلال التجديد للرئيس لحود وإبقاء الجيش السوري في لبنان.
إثارة في اتجاه كل الطوائف اللبنانية باستثناء الطائفة الشيعية من خلال الدعوة الى اعتماد مبدأ الاستفتاء لبتّ المسائل الخلافية بين اللبنانيين والتهديد بـ"الأكثرية العددية" للجم المعارضين.
إثارة في اتجاه الطائفة الشيعية دون سواها من خلال القول بأن "المكاسب" التي حققتها في سنوات ما بعد الطائف مهددة إذا جرى أي تغيير في الوضع القائم.
إثارة في اتجاه الطائفة السنية من خلال تجديد الكلام عن اصلاحات في النظام السياسي لجهة "إعادة" بعض الصلاحيات الى رئيس الجمهورية على حساب رئيس الحكومة.
لم تعد السلطة في لبنان تبحث عن مشروعيتها المفقودة الا من خلال ضخها للطائفية في الجسم اللبناني لإظهار عجز اللبنانيين عن إدارة شؤونهم بأنفسهم.
إن مواجهة مشروع الفتنة الذي يستهدف المجتمع اللبناني تقضي بتأكيد خروجنا من منطق الحرب. ولا بد في هذا المجال من العودة إلى ما تضمنه "إعلان بيروت" من إقرار بأننا "كنا مسؤولين عما حدث من مواقعنا المختلفة"، ذلك "أن الحروب بين أبناء المجتمع الواحد ليست مسؤولية فريق دون آخر". كذلك يتضمن الإعلان إقرارا بأن اللبنانيين قد "ارتكبوا معاً وفي الوقت نفسه ثلاث خطايا كبرى:
محاولة تحقيق الغلبة على الطرف الآخر، وهو ما يناقض أساس العيش المشترك.
استخدام العنف وسيلة لتحقيق المطالب السياسية، وهو ما لا يحل مشكلة في الواقع اللبناني.
الاستعانة بالخارج على الخصم الداخلي، وهو ما أدى الى ضياع السيادة والاستقلال، فضلاً عن أن مثل هذه الاستعانة لا يمكن أن تتم الا بشروط الخارج ووفقاً لمصالحه بحيث يكون الداخل مجرد "أداة" للاستخدام".

المشكلة الثالثة تكمن في المحاولة الجارية لدفع اللبنانيين إلى التنكر لقضيتهم الوطنية والاصطفاف على طرفَي التقابل القائم حالياً بين الولايات المتحدة وسوريا، وكأن لبنان عاد مجرد ساحة يتم استخدامها بمعزل عن إرادة اللبنانيين ومصالحهم.
نريد التأكيد أولاً أنه لم يعد يوجد اليوم في لبنان من عاقل يراهن على الخارج لتحقيق مكاسب في الداخل. رفض المراهنة لا يعني إطلاقا التخلي عن قضيتنا الوطنية، بل على العكس من ذلك، انه يعني رفض الاعتماد على أي إرادة غير الإرادة اللبنانية لتقرير مصير لبنان واللبنانيين. فالمفاضلة إذاً ليست قائمة بين خارج بعيد ومعادٍ هو الخارج الأميركي، وخارج قريب وصديق هو الخارج السوري، إنما هي مفاضلة بين حق اللبنانيين في إدارة شؤونهم، وبين محاولات الخارج، أياً يكن، إلغاء هذا الإرادة اللبنانية.
لم تضع حركة الاعتراض على تعديل الدستور في أهدافها دعم السياسة الأميركية في لبنان والمنطقة، بل حاولت بخلاف ذلك قطع الطريق على كل تدخل خارجي من خلال اصرارها على احترام الدستور وعدم إعطاء الذرائع لمن يريد استغلال الوضع ضد سوريا.
لكن هذا الأمر يحتاج أيضاً إلى وعي سوري لأخطار تدخل الخارج.
في زمن عبد الكريم قاسم، وقف جمال عبد الناصر، باسم العروبة، ومنع العراق من غزو الكويت، فتجنب تدخل البريطانيين وتدمير الكويت والعراق معاً. لكن في زمن صدام حسين، لم يكن هناك من زعيم عربي في قامة عبد الناصر. فأصاب الدمار كلاًً من الكويت والعراق وفُتحت المنطقة على التدخلات الأجنبية.

المشكلة الرابعة هي في إعادة الاعتبار الى مفهوم الحق. فلا يجوز أن نستمر بعد اليوم بمنطق المطالبة بالشيء ونقيضه في الوقت نفسه.
نطالب باستعادة العراق سيادته وإحلال الأمم المتحدة مكان قوات التحالف ونرفض في الوقت نفسه قرار مجلس الأمن الذي يطالبنا بالتقيد ببنود دستورنا.
كذلك نطالب العالم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة في فلسطين دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ونرفض تنفيذ القرارات الدولية التي تعنينا، من القرار 425 حتى القرار 1559.
إن قوتنا في مواجهة العالم تنبع أولاً وأخيراً من تمسكنا بالشرعية الدولية والاحتكام إليها للدفاع عن حقوقنا الوطنية. فإذا تخلينا عن الشرعية، يصبح الاحتكام احتكاماً إلى القوة. ولا أعتقد أنه في استطاعة سوريا ومعها لبنان، أن يقويا على العالم.
في زمن الحرب على العراق، اعترضنا نحن وأوروبا والكنيسة الكاثوليكية وحركات عديدة في العالم على الهجمة العسكرية الأميركية، وذلك باسم الحق والشرعية الدولية. رفضنا منطق القوة وطالبنا بإرساء قواعد نظام عالمي جديد أكثر عدلاً واستقراراً. وكذلك رفضنا الوصاية على مسار التطور لأي شعب من الشعوب بدعاوى الديموقراطية وحقوق الإنسان والتحديث. وأعلنّا إننا نؤمن بعالم لجميع شعوبه، متساوين في الكرامة الإنسانية وفرص التقدم، مختلفين في هوياتهم والخصوصيات. عالم قائم على الحوار والتفاعل والمشاركة، في إطار من العدالة وحرية الاختيار.

والسؤال على ضوء ما سبق هو:
كيف يمكن سوريا أن تستمر في المواجهة بعدما ضربت هذا التحالف العريض الذي وقف ضد التفرد الاميركي في العراق؟ كيف يمكنها الاستمرار وهي دفعت دول العالم، بما فيها الدول الأوروبية، إلى التكتل ضدها؟
كيف يمكنها مواجهة العالم وهي في حالٍ من الصدام المباشر مع الشعب اللبناني الذي أجمع للمرة الأولى منذ زمن بعيد على رفض التمديد للرئيس لحود؟
وكيف يمكن السلطة اللبنانية أن تساعد سوريا وترد على الاتهامات الخارجية وهي أول من انتهك الشرعية والقانون، فخلطت بين القانون المحكوم بمبدأ العمومية والمرسوم الذي يختص بشخص أو فئة من الأشخاص، وحرفت التشريع عن غايته لتحتال عليه وتستخدم الدستور لمخالفة الدستور بعدما خالفت أصول التشريع؟

■ ■ ■

إن الثالث من أيلول 2004 هو تاريخ نهاية الجمهورية الثانية، جمهورية الانقلاب على اتفاق الطائف.
نريدها نهاية هادئة.
نريد الاتفاق في ما بيننا على رسم معالم الجمهورية المقبلة، وفقاً لاتفاق الطائف.
نريد محاورة السوريين على مستقبل العلاقة معهم وتصحيح ما ينبغي تصحيحه في ما بيننا.
ولا بد في هذا الإطار من محاورة كل الأطراف اللبنانيين الذين لا يدينون بوجودهم لدعم مخابراتي. ومن هؤلاء الأطراف، "حزب الله" الذي نسأله لماذا لم يساهم في منع حصول الكارثة؟ فهل كان لصالح المقاومة في لبنان أن يتم تحويل التهديدات الأميركية في حقها إلى قرار دولي؟ وهل التمديد للـ"المقاوم الأول" كان يستأهل هذه التكلفة الباهظة؟
نريد محاورة الأطراف السياسيين لأننا نرى أن الوقت قد حان لقيام كتلة تاريخية تعمل على إنقاذ البلاد ونقلها من حال إلى أخرى تمهيداً لرسم معالم الجمهورية الثالثة.
لا يجوز أن نبني مستقبلنا الوطني بالطريقة نفسها التي اعتمدت بعد الطائف.
لا تقوم البلاد على منطق "الغالب والمغلوب"، ولا على فرز الناس بين "خط" وآخر، ولا على "إحباط" طائفة و"نفخ" أخرى.
حان الوقت لكي نخرج من حربنا الطويلة.
حان الوقت لتيار عريض يشكل قاعدة للكتلة المنشودة ■

 

كما الأعمدة... رجل العزوف المطلق عن العنف

سمير فرنجية

في زمن انفلات العصبيات الطائفية والمذهبية، هناك حاجة ماسة الى الهدوء والتعقل للخروج من ماضٍ يبرر العنف بأشكاله كافةً والعودة الى حاضر الحياة مع الآخر.
ولد غسان تويني في بيروت، في مدينة لم تشهد العنف التقليدي الذي كانت تمتاز به المناطق الريفية. ولد في المدينة التي حضنت التنوع اللبناني فأسست لتجربة العيش المشترك في زمن هيمنة الفكر الشمولي الذي كان يرى في التنوع مصدر خطر على وحدة المجتمع.
تجربته مع العنف أتت من خارج السياق الأهلي، أتت من دولة لم تحترم مبادئ الديموقراطية والحرية، فأقدمت على سجنه، أتت أيضاً من تداعيات الصراع الذي رافقه منذ توليه إدارة جريدة "النهار" والذي تسبب بحروب متتالية بين العرب واسرائيل، وأتت أيضاً وأيضاً من مواجهته الأنظمة الديكتاتورية المحيطة بنا.
عاش غسان تويني أيضاً عنفاً من طبيعة أخرى، عنف المرض الذي أودى بطفلته وعقيلته والذي جعله يكتشف أنه يعيش في بلد هو "في حال انتحار دائم معرضاً لمحاولات اغتيال متواصلة". هذا الكلام لناديا تويني ذكره غسان في محاضرة له بعنوان "العيش مع السرطان"، ألقاها في ندوة طبية في العام 1993، لخّص فيها تجربته مع هذا العنف الآتي من عالم آخر.
هذا الألم الذي رافقه طوال حياته ولّد لديه شعوراً استثنائياً بالرأفة دفعه الى تفهم الآخر والتواصل معه، رافضاً ثقافة الفصل والعنف التي بدأت تسود حياتنا السياسية منذ نهاية الخمسينات والتي مهدت الطريق لحرب العام 1975 .
عمل غسان تويني، من بيروت الى الأمم المتحدة، على وقف دورة العنف واقناع اللبنانيين بأن لا يتحولوا مجرد أدوات في حروب الآخرين على أرضهم. وها نحن اليوم أدوات في حروب الآخرين على أرض الآخرين!
هذا الانسان الذي كان موضوع أطروحته لنيل الدكتوراه في الفلسفة "مشروع السلام الدائم" للفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، بات يشعر يوماً بعد يوم بحجم الضرر الذي يشكله على المستقبل الوطني هذا العنف المستمر. وهو عنف لا يزال مصدره الرئيسي، في نظر غسان تويني، في الخارج المتحكم بالوضع اللبناني. وجاء كتابه "اتركوا شعبي يعيش" موجهاً تحديداً لهذا الخارج.لكن غسان تويني توصل من خلال بحثه المستمر عن سلام لبنان الى اقتناع مفاده أن العنف الذي دمّر هذا البلد يأتي أيضاً من الداخل، من داخل كل واحد منا، وأن لا سبيل للخلاص اذا لم نتخذ قراراً بالعزوف المطلق عن العنف، ذلك أن "خطيئتنا التاريخية – والكلام لغسان تويني – أننا ظننّا أنه يمكننا الدفاع عن الأرض بالنار التي تحرقها. هكذا دمرنا "الوطن" معتقدين أننا ندافع عنه".
قرار العزوف المطلق عن العنف أعلنه غسان تويني في أصعب الظروف حين وقف أمام جثمان ابنه جبران الذي سقط اغتيالاً وطالب بـ"دفن الحقد والثأر"، قائلاً: أدعو اليوم لا الى انتقام ولا الى الدم، أدعو الى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلها والكلام الخلافي كله، وأن نرفع بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه جبران في ساحة الشهداء يوم انتفاضة 2005 التي ذهب ضحيتها".
دعا غسان تويني الى الصفح. الصفح، كلمة غير موجودة في قاموسنا السياسي، أدخلها غسان تويني على هذا القاموس بشكل غير متوقع، وكان هو نفسه أول المتفاجئين. وقد تساءل في كتابه الأخير "كيف دهمتني فكرة الصفح الطارئة هذه في لحظة أتأمل فيها، وأنا مديرٌ ظهري للجمهور، النعش الذي ترقد فيه جثّة ولدي الشهيد؟".
الصفح في منطق غسان تويني هو الوسيلة الناجعة لإخراج العنف من داخل الانسان ووضع الأسس لمصالحة تطوي صفحة الماضي. الصفح ليس نقيضاً للعدالة، كما اعتبر البعض في تعليقهم على كلام غسان تويني، إنه تتويج للعدالة التي تعطي صاحب الحق حقه، فتخرج الماضي من الحاضر. الصفح يشكل خطوة الى الأمام اذ إنه يفتح الحاضر على المستقبل. وهذا ما أراده غسان تويني.
كأننا بغسان تويني يستشرف كلام البابا بينيديكتوس السادس عشر عن السلام الذي أطلقه من لبنان في أيلول الماضي: "إن مفهوم السلام لا يمكن أن يقتصر تحديده على غياب الحرب وحسب. السلام يعني أن نكون كاملين، محميّين من الأذى. يعني تحقيق شيء ما لبلوغ الطمأنينة التامة. السلام هو حالة الانسان الذي يعيش بتناغم مع الله، ومع ذاته، ومع قريبه، ومع الطبيعة. السلام باطنيّ قبل أن يكون ظاهرياً. إنه نعمة. السلام عدالة...".
فكرة الصفح التي طرحها غسان تويني في العام 2006 عادت الى الواجهة بعد خمس سنوات، مع الاقتراح الذي قدمته السعودية في إطار وساطتها بين لبنان وسوريا، الداعي الى عقد مؤتمر للمصالحة والمسامحة، "يؤدي إلى مصالحة شاملة، ومسامحة شاملة لكل الماضي، مصالحة الجميع من دون استثناء وتسامح الجميع من دون استثناء عن كل الماضي وعودة الجميع إلى الدولة بشروط الدولة". رفض النظام السوري وحلفاؤه اللبنانييون هذه الدعوة.
اليوم نتذكر غسان تويني ونحن على أبواب مرحلة تاريخية جديدة مع الثورة السورية وانخراط "حزب الله" في القتال دفاعاً عن النظام الاستبدادي الذي يتحمّل مسؤولية كبرى عن العنف الذي دمّر لبنان. وهذا التورّط اللبناني "في حروب الآخرين على أرض الآخرين" أدى الى تسعير التوتر المذهبي بين السنّة والشيعة، مهدّداً بإشعال حرب مذهبية.
إن سقوط النظام السوري على يد شعبه يساعد بالتأكيد على طي صفحة العنف في لبنان، لكنه لا يطويها لمرة واحدة وأخيرة ما لم نقرر نحن اللبنانيين نبذ العنف الداخلي بالمطلق ولأي سبب كان، لا سيما العنف الثأري بمفاعيل رجعية، وما لم نعمل بوعي وشجاعة ومسؤولية وفضيلة وطنية على إرساء القواعد الثابتة لسلامنا الدائم. هذا الأمر لا يتحقق بذهنية الربح والخسارة، وإنما بفكرة الخلاص للجميع.
خيار السلام ليس خياراً حزبياً أو فئوياً يعنى به فريق من اللبنانيين دون سواه. فسلام لبنان يكون لجميع اللبنانيين أو لا يكون، وبجميع اللبنانيين... أو لا يكون!
والسلام ليس خياراً سياسياً وحسب، وليس خياراً من بين خيارات، إنه شرط لوقف الانهيار المتسارع للدولة تحت وطأة السلاح والفساد والأطماع السياسية، وشرط لوقف تقطيع أوصال المجتمع والعودة به الى مكوّناته الأصلية من عشائرية وعائلية ومناطقية، إنه شرط للحد من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تهدد الجميع وتدفع شبابنا الى الهجرة.
والسلام هو أيضاً شرط لاستعادة لبنان دوره في هذا الربيع العربي الذي انطلق من بيروت والمساهمة في بناء عالم عربي جديد ديموقراطي وتعددي.
والسلام هو خصوصاً شرط لحياة كريمة لا يكون فيها الآخر خطراً دائماً على الذات بل عاملاً مكوّناً للذات تغتني به وتغنيه.

 

خمسة وعشرون عاماً على اتفاق الطائف: أفكار تطبيقية للخلاص الوطني
المسلّمات الكاذبة وشروط الخلاص

سمير فرنجية

بعد ربع قرن على اتفاق الطائف، بات من الضروري من أجل تطوير النقاش حول هذه الوثيقة التأسيسية أن نتحرر من عدد من المسلّمات الكاذبة التي تعطّل كلّ بحث جدي حول هذا الاتفاق. المسلّمة الكاذبة الأولى أن هذا الاتفاق لاقى تأييداً من المسلمين ورفضاً من المسيحيين وأنه تالياً اتفاق طائفي يؤمّن مصالح البعض على حساب البعض الآخر، الأمر الذي يبرر رفضه.

في حقيقة الأمر، لاقى اتفاق الطائف معارضةً من قوى اسلامية عديدة، منها المجلس المركزي لحركة "أمل" الذي سجّل رفضه للاتفاق "لأنه في أحسن الأحوال ترقيع لواقع طائفي هو علة هذا النظام" (النهار – 3 تشرين الثاني 1989)، ومنها أيضاً "المقاومة الأسلامية" التي اعتبرت على لسان السيد عباس الموسوي "أن الاتحاد السوفياتي وأميركا اتحدا على اتفاق الطائف كما اتحدا على اتفاق 17 أيار... هذا هو الطائف، مؤامرة دولية كبيرة يريدون أن يفرضوها علينا" (النهار – 14 تشرين الثاني 1989). من بين هذه القوى أيضاً، "الجماعة الاسلامية" التي جددت تأكيدها "أن أي حل يراد له أن يسلك طريقه الى التنفيذ... لا يمكن أن يتجاوز إلغاء كل الامتيازات الطائفية من القمة الى القاعدة" (النهار – 21 تشرين الأول 1989).

لعلَّ أصدق تعبير عن هذا الواقع المشار إليه، وخصوصاً في الأوساط الشيعية آنذاك، الشهادة التي قدّمها الإمام محمد مهدي شمس الدين في "وصاياه"، حيث يقول: "ولا ننسى أن هذه الصيغة التي اعتبرها البعض موقتة، ونحن اعتبرناها موقتة في حينه، حينما أُعلن الاتفاق وووجِهَ بمعارضة كبيرة داخل الطائفة الشيعية... أنا رفعتُ شعار أنه اتفاق الضرورة. والآن أقول: هو ليس اتفاق الضرورة. هو اتفاق الاختيار، وهو اتفاق مناسب لطبيعة لبنان، لأنه يوافق ويحقّق جميع الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار" (الوصايا ص 35).
هذا في الجانب الاسلامي. أما في الجانب المسيحي، فالاعتراض الوحيد جاء من العماد ميشال عون في حين أن الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله صفير ركّزت جهدها على وقف دوّامة العنف، التي كانت تشتدّ يومًا بعد يوم حتى باتت تهدّد المصير الوطنيّ برمّته. "فعملت من هذا المنطلق – والكلام هنا للمجمع البطريركي الماروني - على تشجيع الساعين إلى إيجاد الحلول لإنهاء الحرب، وساهمت في بلورة الأسس والمفاهيم التي ارتكز عليها اتفاق الطائف. ونظرت الكنيسة إلى هذا الاتفاق على أنّه مدخل لطيّ صفحة الصراعات الماضية وتثبيت أولوية العيش المشترك على كل ما عداه".
المسلّمة الكاذبة الثانية أن الطائف جاء ليعيد النظر في حصص الطوائف في السلطة، فانتزع صلاحيات من المسيحيين ليعطيها للمسلمين.
الحقيقة أن هذا الاتفاق وضع حداً للمنطق القائم على توزيع الحصص بين الطوائف، وذلك بإلغائه المعيار العددي الديموغرافي الذي طالما استخدم سلاحاً في الصراع الطائفي، وبإقراره المناصفة على صعيد تمثيل المسيحيين والمسلمين في السلطة. هذه المناصفة لا تعني تكريس "تقاسم" السلطة في ما بين الطوائف، بل ترمي في مرحلة أولى الى تهدئة نفوس الطوائف من خلال تمثيلها الرمزي في السلطة. هذا الأمر يسمح، في مرحلة ثانية، بإلغاء القيد الطائفي المعوق لعمل الدولة والمضرّ بالعيش المشترك، وذلك بإنشاء هيئة مستقلة، هي "مجلس الشيوخ" الذي تتمثل فيه الطوائف بصفتها تلك. بذلك يصبح الوزن الديموغرافي، أو التحالف مع الخارج تعويضاً عن النقص العددي، غير صالح للاستخدام من أجل تعديل حصة الطائفة في الدولة. من هذا المنظور لا تعود الطوائف في حاجة الى اختراع "مشاريع خاصة"، ولا يعود ثمة موضوع للصراع في ما بينها على هذا الصعيد. وعليه، فإن "توكيد الذات الطائفية" يصبح ممكناً بطريقة وحيدة هي المنافسة في إغناء العيش المشترك الذي، بدوره، يمنح الطائفة قيمة أكبر بكثير مما يمنحها أيّ مشروع خاص.
بكسره المنطق الأقلّوي، يحرر اتفاق الطائف اللبنانيين من "عقدة الخوف من الآخر" التي تقع في أصل كل السياسات الطائفية. بذلك لا يعود الآخر خصماً ينبغي مواجهته باستمرار، لأنه يمثّل خطراً وجودياً دائماً على الذات، بل يصبح عنصراً مكمّلاً للذات وضرورياً لها. إن هاجس الديموغرافيا لدى المسيحيين والدروز، وعقدة الاضطهاد التاريخي لدى الشيعة، وعقدة الكبت لدى السنّة، لشعورهم بأنهم أكثرية في العالم العربي وواحدة من أقليات ههنا...، هذه العقد المعلومة كلها لا تعود، من هذا المنظور الجديد، المحرّك الأساسي للتاريخ اللبناني، حيث تحاول كل طائفة أن تضع يدها على الدولة، أو على قسم منها، بذريعة توفير "ضمانات" لوجودها.
المسلّمة الكاذبة الثالثة أن اتفاق الطائف جاء ليؤمّن غطاءً شرعياً للاحتلال السوري للبنان.
في حقيقة الأمر جاء اتفاق الطائف ليضح حداً لمشروع النظام السوري الهادف الى فرض هيمنته على لبنان، الذي جسده الاتفاق الثلاثي الذي عقد في دمشق في العام 1985. حاولت القيادة السورية منع إنجاز هذا الاتفاق، ثم تركت للعماد ميشال عون الرافض الاتفاق مهمة إسقاطه، فيما تولّت هي اغتيال رينه معوَّض بعد انتخابه رئيساً للجمهورية بسبعة عشر يوماً.
أما القيادة السورية، التي كانت قد وقفت إلى جانب التحالف الغربي ضد صدام حسين في حرب الخليج الأولى، فقد حصلت من الأميركيين على الضوء الأخضر باقتحام قصر بعبدا في 13 تشرين الأول 1990.
هكذا اعتبرت القيادة السورية أن حُلمها بحكم لبنان قد بات في متناول اليد. وقد أعطى الرئيس السوري حافظ الأسد إشارة البدء، بإعلانه أن "اللبنانيين والسوريين شعبٌ واحد في دولتين".
عمل النظام السوري على إفراغ اتفاق الطائف من جوهره ومحتواه بسرعة فائقة.
ثمة إجراءات تمييزية اتُّخذت ضد المسيحيين. فنَزْعُ سلاح الميليشيات الذي نصَّ عليه اتفاق الطائف طُبِّق بصرامة في المنطقة المسيحية، بينما احتفظ "حزب الله" و"حركة أمل" بترسانتهما المسلحة، بعدما تمَّ رفعهما من مرتبة "الميليشيا" إلى مرتبة "المقاومة ضد اسرائيل"! أما قانون التجنيس فقد طُبّق بصورة كيفيَّة واعتباطية، فضلاً عن الخلل الفادح في التوازن الاسلامي – المسيحي بين المجنَّسين الجدد.
أما انسحاب القوات السورية إلى البقاع بعد سنتين من إقرار التعديلات الدستورية - كما نصَّ اتفاق الطائف أيضاً – فقد أُرجئ لأجل غير مسمَّى.

¶¶¶

إن التحرر من هذه المسلّمات الكاذبة هو شرط ضروري لمواجهة العقبات التي تواجه اتفاق الطائف والمتمثلة في أمرين أساسيين:
الأمر الأول أن اتفاق الطائف لم يفرز قوى تستطيع وضعه موضع التنفيذ والانطلاق منه للتأسيس لمرحلة جديدة. فاذا أجرينا مقارنة بسيطة بين اتفاق الطائف وميثاق العام 1943، لوجدنا أن "الطائف" يتفوّق على "الميثاق" من حيث النص، فهو يتضمن شرحاً مفصلاً للأمور الخلافية، بينما لا يتضمن "الميثاق" سوى مبادئ عامة، وهو يمثل خطوة متقدمة بالنسبة الى الميثاق. لكن هذا الأخير يتفوق على الطائف في أمر أساسي وهو أنه أوجد في السياسة كتلة تاريخية أسست لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان، بينما عجز اتفاق الطائف عن فرز قوى جديدة وبقي محكوماً بالقوى التي جاء لينهي دورها.
إن المشكلة ليست في مضمون اتفاق الطائف، بل في الترجمة السياسية لمضمونه. السبب في سوء الترجمة السياسية يعود الى طبيعة الأداة السياسية التي أخذت على عاتقها تطبيق هذا الاتفاق، ونقل البلد من حال الحرب الى حال السلم. إنها أداة ملتبسة مكوّنة من أجزاء متناقضة آتية من تجارب مختلفة لا تربط بينها رؤية مشتركة ولا حتى مصالح مشتركة. فالجزء الأساسي من هذه الأداة موسوم بتجربة الحرب، لا يستطيع تخطي منطقها على رغم أنه أعطي فرصة تأهيل نفسه ليكون قادراً على مواكبة عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع. لكنه عجز عن تطوير نفسه وعاد ينتج ما تعوّد انتاجه في السنوات الماضية من تجييش طائفي وتقاسم للدولة.
الأمر الثاني أن اتفاق الطائف لم يفرز حتى الآن رؤية جديدة وثقافة جديدة. فاذا عدنا للمقارنة مع تجربة الاستقلال، وجدنا أن هناك ثقافة سياسية مشتركة كانت تجمع بين أركان الكتلة الاستقلالية، ويكفي للتدليل على أهمية الثقافة السياسة في تلك المرحلة أن نذكّر بأسماء ميشال شيحا، ميشال أسمر، مؤسس الندوة اللبنانية، جورج نقاش وغيرهم.
اتفاق الطائف لم يفرز ثقافة جديدة. وبقي اللبنانيون يتخبّطون في حلقة مغلقة، سجناء تصورات سياسية وثقافية واقتصادية تنتمي الى مرحلة تجاوزها الزمن. ولأن هذه المشكلة لم تُطرَح كما هو مطلوب، فالسياسة لم تلمس من واقع البلاد سوى الأمور التي تردّها الى ماضٍ تعرفه، وذلك هرباً من مستقبل لا تستطيع التعامل معه.
إن تجاوز هذه العقبات أمر ضروري اليوم لبناء دولة العيش المشترك التي لا يمكنها الا أن تكون دولة مدنية، بمعنى أنها:
- دولة غير طائفية، لا تمنح حقوقاً إلا للمواطنين، على قاعدة المساواة والعدالة اللتين بدونهما يغدو التنوع مصدر صراع يستجرّ عنفاً ينتهي بدوره الى إلغاء التنوع.
- دولة غير علمانية – بالمفهوم القديم للعلمنة -، لا تجد نفسها في حالة صراع مع طوائفها، ولا تُقْدِم على اتخاذ قرارات من شأنها تهديد وجود الطوائف أو الإضرار بإرادتها في العيش معاً.
إن نظاماً ديموقراطياً، يضمن مساواة المواطنين الأفراد أمام القانون، كما يضمن احترام التعدد الطائفي، هو وحده القادر على رفع القيد الطائفي الذي يُلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، وهو القادر على إقامة دولة تتمتع بسيادة فعلية، فتصون الاستقلال بوضع حدٍّ للتدخلات الخارجية التي تستدعيها الصراعات الطائفية بصورة دورية. السيادة أيضاً هي أن تتصرف الدولة بإرادة حرة، تحت سقف القانون، فتحرر اللبنانيين أفراداً وجماعات من مفهوم "فيديرالية الطوائف" وتعيد الاعتبار الى الأبعاد الثقافية للتعدد الطائفي، بوصفه نوافذ حضارية على عوالم مختلفة، لا كهوفاً تقبع فيها الطوائف.
ويحدد اتفاق الطائف سلسلة خطوات تساعد على الانتقال نحو دولة مدنية:
- الخطوة الأولى هي في مجال الإدارة التي تشكل من خلال الزبائنية الطائفية التي تمارسها القوى الطائفية المصدر الأساس لتوليد الطائفية السياسية. ينص الاتفاق في هذا المجال على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها التي توزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة.
- الخطوة الثانية هي في المجال السياسي حيث ينصّ الاتفاق على وضع قانون جديد للانتخاب على أساس المحافظة. هذا التدبير له أهمية بالغة. فالدائرة الانتخابية الجديدة ستكون مختلطة طائفياً مما يفرض على المرشحين انتهاج خط الاعتدال كما أنها ستكون موسعة، الأمر الذي سيدفع إلى تشكيل تكتلات سياسية مختلطة. كذلك ينص الاتفاق على إقرار اللامركزية الادارية إفساحاً في المجال أمام مشاركة أوسع للمواطنين في الشأن العام.
- الخطوة الثالثة هي في المجال التربوي حيث ينصّ الاتفاق على توحيد الكتاب في مادتَي التاريخ والتربية الوطنية.
- الخطوة الرابعة هي في المجال الاقتصادي- الاجتماعي حيث أقرّ الاتفاق وجوب انشاء مجلس اقتصادي- اجتماعي محرر من القيد الطائفي يتمثل فيه اللبنانيون بحسب موقعهم في عملية الانتاج.
- الخطوة الخامسة هي في مجال التنمية حيث ينص الاتفاق على اعتبار "الانماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركناً اساسياً من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام". وهذا أمر مهم لأن هذه المسألة شكلت مادة أساسية في التعبئة الطائفية.

شرط السلام اللبناني
إن السير في اتجاه بناء دولة مدنية على الأسس التي وضعها اتفاق الطائف هو شرط أساسي لسلام لبنان.
فعلينا إعادة بناء حياتنا المشتركة بشروط الدولة الجامعة، لا بشروط طائفة أو حزب سياسي أو ميليشيا مسلحة. لهذه الغاية، علينا أن نعيد الاعتبار إلى الدولة، بوصفها صاحبة الحقّ الحصري في امتلاك القوة المسلحة واستخدامها. كما علينا أن نحرّرها من القيد الطائفي الذي يعطّل إلى حد بعيد قيامها بواجباتها الأساسية. وفي السياق نفسه علينا أن نعيد الاعتبار الى السياسة، فنحررها من الاختزال بأحزاب طائفية ومذهبية.
ومن أجل ذلك يجب أن نكفَّ عن المطابقة بين الطائفة والحزب السياسي الذي يدّعي تمثيلها والنُطقَ باسمها، بحيث لا نحمّل الطائفة بأسرها وزرَ الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها هذا الحزب أو ذاك. فهذه العادة خطيرة جداً، لانها تؤدي بالضرورة إلى توليد عنف جديد... ولو بعد حين. حسبُنا أن نتذكّر النتائج البائسة لتلك المطابقة التي أجريناها بين الطائفة السنّية والمقاومة الفلسطينية، أو بين الطائفة المسيحية واسرائيل، جرَّاء الخيارات السياسية لبعض القوى والأحزاب التي لا يمكنها ولا يحقّ لها اختزال طوائفها بأيّ حال من الأحوال. لعلَّ أخطر ما يُمكن أن نُقدِم عليه اليوم هو أن نكرر الخطأ ذاته مع الطائفة الشيعية.
لتفادي تكرار هذا الخطأ القاتل علينا أن نتحلّى بالشجاعة الكافية للاعتراف بمسؤوليتنا المشتركة عن الحروب التي دمّرت بلدنا، لأننا جميعاً لجأنا إلى العنف، في وقت أو آخر، كما استعنّا بقوى خارجية بعضنا على البعض الآخر؛ وبذلك تخلّينا عن سيادتنا واستقلالية قرارانا الوطني.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard