طانيوس و"ام بطرس" انطفأا بحسرة... مسيحيو بريح والقاع وكفرسلوان ينتظرون الخلاص

10 نيسان 2017 | 21:08

المصدر: "النهار"

مار الياس الحي وحده منصتٌ الى أنين وجعهم، وحارس الدار وباب الكنيسة. يعيش أهالي القاع على البركة، لا تهمهم اصطفافات السياسة في لبنان، لأن الزعماء اصلاً لا يفكرون فيهم، ذلك ان ناخبي القاع لا يؤثرون في المعادلة الانتخابية في المنطقة. "صوتهم لا يقدّم ولا يؤخّر". هكذا يقولون. ويوم فقدت "ام بطرس" شحود زوجها وفلذة كبدها مطلع الحرب سنة 1975، لم تكن تسأل عن حفنة مال. لكنها عاندت قدرها، ورممت بيتها المحروق بساعديها. يومها كانت المياه مقطوعة عن القاع. يبست البساتين وكروم العنب، وغلب طعم الدم حموضة الخمرة. وانقضت السنون وانطفأت شموع الذكرى، وبطرس لم يعد. وفي مجزرة 1978، قدّم طانوس نصرالله اولاده الثلاثة شهداء في وجه غزوة الجيش السوري، ولم تغره عدالة الأرض الزائفة، فانطفأ وزوجته في حسرة مذ قرابة الست سنوات في سقف منزلٍ من تراب. قدّمت يومها القاع 15 شهيداً، احدهم حنا مطر، والد رئيس بلدية القاع المحامي بشير مطر الذي يروي معاناة مواطنين دفعوا ثمن صليبهم، وحملوه على اكتافهم. يقول، ان "هناك ما يقارب 1200 طلب لمهجرين في البلدة لم يدفع منها سوى 150 طلبا بفعل الوساطة. طالبنا بحقوقنا مذ أنشئت وزارة المهجرين مطلع التسعينات من القرن الماضي، وكان الوعد ينتقل مع كل وزير جديد وكل مدير صندوق جديد. وتفاقم حجم المعاناة، خصوصاً مع تراكم الاستحقاقات بعد وفاة الاهل والروتين الاداري وغلاء الاسعار، اذ ان مبلغ 5 ملايين ليرة ما عاد كافياً لتبليط أرض المنزل". يتحدّث مطر من عتب على دولة تنظر الى بلدتها الحدودية وكأنها ليست جزءاً من الخريطة. وتأتي الذرائع دائماً لتقول ان الحرب لم تفتك بالقاع، او لتخيّر السكان بين قبض تعويضات الحرب الاهلية او تعويضات حرب تموز 2006، رغم ان لا منطق في هذه البدعة، وفق ما يصفها مطر، اذ ان القاع احترقت وهجر جزءٌ من اهلها وتصدعت منازلها، وفي كلّ عرس كان لها قرص، من سنة 1975 الى 1982، وصولاً الى الغارات الاسرائيلية في 2006، وانتحاريي "داعش" الذين علقوا في صنارة القاع، فافتدت بشهدائها الوطن. ويؤكد مطر ان آخر الطروح التي قدمت "دفع مبالغ مالية لـ100 طلب بحسب الاولوية، الا ان العرض قوبل بالرفض، ولن نميز بين قاعيٍّ وآخر".

بريح وكفرسلوان
من القاع الى بريح، التي يصفها مسيحيوها بجرحهم النازف ووجعهم الدائم. العودة شكلية، والعمل على اعداد اللوائح لا يزال قائماً، فيما كنيسة مار جرجس تتوق إلى سماع صدى صلوات مؤمنيها. وتقول مصادر مطلعة بصفة رسمية على ملف مهجري بريح لـ"النهار"، ان ما يقارب 900 منزل، لم تقبض تعويضاتها من الوزارة. ويطالب مسيحيو بريح الدولة بإنصافهم، خصوصاً أن ملفات كثيرين منهم لا تزال معلّقة. وهم يطالبون بالمساواة لا اكثر، وزيادة التعويضات، وفق المصادر. الوضع مختلف في كفرسلوان، إذ إن المسيحيين رجعوا الى القرية، لكن التعويضات لم تدفع حتى اليوم لأي أحد، فيما سجلّ الاحداث في القرية متفرع: خلافات درزية ـ مسيحية، خلافات مسيحية ـ مسيحية، وخلافات درزية ـ درزية. وتقول المصادر الرسمية التي تابعت ملف كفرسلوان في الوزارة لـ"النهار"، ان المشكلة الرئيسية تكمن في أن "ذوي الضحايا الابرياء الذين سقطوا في مكمن في كفرسلوان، يرفضون اسقاط حقهم عن الاحكام القضائية في حق افراد حكم عليهم بالسجن المؤبد غيابياً اثر لجوئهم منذ 20 سنة الى الكويت". وهذا الأمر لا يزال يشكل ثغرة في عملية اخلاء المنازل واقفال الملف. لعلّ إقفال ملف المهجرين يتوقف عند معالجة ملفات القرى المسيحية الثلاث العالقة. لكن مشكلات أخرى لا تزال تضغط في قرى عكار ومنازل المسيحيين التي لم تخل حتى اليوم في الحدت والليلكي. فيما جماعة القليعات، لم يعودوا ايضاً. هناك مئة طلب في القليعات. هم ايضاً تهجروا وتركوا منازلهم بسبب الحرب. وتسلّط المصادر الضوء على ضرورة اعطاء كل ذي حق حقه: "هناك مناطق المسح فيها غير موجود، والبناء غير قانوني. لكن اخلاء بيوت المسيحيين في الحدت والليلكي بات ضرورة، وهذا يستلزم حل معضلة المطالبات بالتعويض الذي يصل في أحيان كثيرة الى حدود غير منطقية.

شبطيني
لم تستطع الوزيرة السابقة أليس شبطيني أداء دور مارد علاء الدين، وتخرج من فانوسها السحري اماني الحالمين بالخلاص. كانت تخال الوزيرة المندفعة في حكومة الرئيس تمام سلام، ان عمر الحكومة لن يتجاوز الثلاثة أشهر: "جئنا ومكثنا سنتين واربعة اشهر. لم يعطوني اموالاً رغم اندفاعي لدفع التعويضات، وطالبت بالاموال اللازمة لاقفال الملف، وقلت انني مستعدة في سنة واحدة لحسم الامور، لكن لم أجد استجابة"، تقول شبطيني لـ"النهار"، قبل ان تضيف ان "الاموال التي كانت متبقية في الصندوق استخدمت". وتصف شبطيني الواقع بالمبكي، وتقول بعبارة عامية تعبّر عن مدى السخط: "شي بيبكي، ما عندي كلام يوصف!". منحت وزارة المال شبطيني عام 2016 نحو 10 مليارات ليرة. هذا المبلغ الزهيد، وفق ما تقول، لا يكفي حتى لدفع الايجارات التي تبلغ نحو مليار ليرة سنوياً، فضلاً عن رواتب الموظفين الذين يبلغ عددهم 120 موظفا، منهم من لا يأتي الى الوظيفة منذ سنوات. "مبلغ 7 مليارات الذي يأتيني لا يكفي لسداد الايجارات ورواتب الموظفين، اذ هناك 120 موظفا في الوزارة، ما عدا موظفي الصندوق. وإذا ما احتسبنا مصروف الكهرباء والهاتف والانترنت والمفروشات والمساعدات الاجتماعية، نجد ان المبلغ محرج. والمضحك المبكي ان الوزارة لا تحتاج الى هذا الكم الهائل من الموظفين المحسوبين في بعضهم على الاحزاب".

اقفال الملف
اللافت في ملف المهجرين، ان الوزراء السابقين في اغلبيتهم اجمعوا على أن إقفال الملف لا يستغرق اكثر من سنتين في حال توافر الاموال اللازمة. ففي عام 1999، اشار الوزير السابق انور الخليل الى "اننا أعددنا خطة تشمل كل المناطق اللبنانية التي هي في نطاق عمل الوزارة، لإقامة توازن وعدم إهمال منطقة على حساب أخرى. وسنتعاون جميعنا ونتساعد لإنهاء هذا الملف وإقفاله وتأمين عودة كريمة ولائقة لجميع المهجرين". وفي عام 2004 أكّد الوزير السابق عبدالله فرحات ان "مسيرة العودة لم يعد يعوقها أي عامل نفسي أو سياسي باستثناء تأمين الأموال". وعام 2005، اعتبر الوزير السابق عادل حمية انه "كلّما توافرت الأموال لملف عودة المهجرين اقترب الفرج، وعاد الأهل بعضهم إلى بعض وعادت اللحمة وتكرس العيش المشترك، لأن لا عقبة سياسية أو أمنية تحول دون إتمام هذا الإنجاز". وتمنى الوزير السابق نعمة طعمة عام 2008 أن "يقفل ملف عودة المهجرين في عهد الرئيس ميشال سليمان لتكريس مسيرة السلم الأهلي وتعزيز الاقتصاد وتأمين الاستقرار والازدهار للوطن والمواطن، وسوف نولي أهمية لإنجاز قرى المصالحات المتبقية لدمل هذا الجرح النازف دون إهمال الملفات المتبقية الأخرى. ولغتنا يجب أن تبقى لغة العيش المشترك والمحبة والتفاهم وليس التحدي، وأعتذر الى جمهور المهجرين لأنني لم أستطع رغم كل الجهود تحقيق ما وعدتهم به أثناء ولايتي في وزارة المهجرين". واعتبر الوزير السابق ريمون عودة عام 2009 ان "اقفال ملف عودة المهجرين يحتاج الى تأمين الاموال، واذا تأمنت بشكل متواصل نستطيع اقفاله في سنتين". وها نحن اليوم في سنة 2017، والملف لم يقفل بعد، فمتى؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard