"ما تقطفها قبل وقتها" اقتراح قانون يواجه الزواج المُبكر... هل يُقر؟

30 آذار 2017 | 09:47

المصدر: "النهار"

(الصورة من الانترنت)

"زغيرة ممنوع تضهر لوحدها بلا إذن"، "زغيرة ما فيها تسافر من دون ولي أمر"، "زغيرة بحاجة إلى وصي"، "زغيرة ما فيها تنتخب"، عبارات شعبية غالباً ما نسمعها على لسان اللبنانيين الذين يعتبرون أنَّ أولادهم غير مؤهلين للقيام بمسائل عدَّة نظراً لصغر سنهم، بينما يزوِّج بعض الأهالي أولادهم (أبن أو أبنة) في ازدواجية معايير واضحة جداً ومليئة بالتناقضات. وإذا كانت الطوائف في لبنان تتحكم بتفاصيل حياتنا يسعى المجتمع المدني جاهداً إلى تغيير بعض المفاهيم السائدة البالية التي تخطاها الزمن ولم تعد صالحة، أهمها شرعنة تزويج الأولاد. الوعي موجود لدى فئات عدَّة، فيما تتلطى أخرى خلف العادات والتقاليد والأديان، في حين لا يمكن للحملات التوعوية وحدها الحد من هذه الظاهرة من دون روادع قانونية. من هنا، كان اقتراح القانون الذي يهدف إلى حماية الأطفال من "التزويج المبكر" الذي أعدَّه في الأساس التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني وتقدَّم به النائب إيلي كيروز إلى مجلس النواب.

 

نص اقتراح القانون

5 مواد تضمنها نص اقتراح القانون عللت بستة عشر سبباً موجباً، من بينها التزام لبنان بأحكام مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومصادقته على اتفاقية حقوق الطفل عام 1990 التي عرَّفت الطفل بأنه "الإنسان الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره"، وتوحيد المشرع بين سنَّي الرشد المدني والجزائي عبر اعتبار أنَّ "أي شخص أتمَّ سن الثامنة عشرة من عمره يكون قد بلغ سن الرشد الجزائي وصار أهلاً لأن يُسأل مسؤولية تامّة وأن توقع عليه أية عقوبة"، إضافةً إلى أسباب موجبة أخرى. فكان نص اقتراح القانون على الشكل التالي:

المادة الأولى: يقصد بكلمة طفل كل فتى أو فتاة دون سن الثامنة عشرة من العمر مكتملة.

المادة الثانية: يحدد سن الزواج على الأراضي اللبنانية بثماني عشرة سنة مكتملة للرجل والمرأة، وذلك خلافاً لأي نص آخر.

المادة الثالثة: تعدل المادة 483 عقوبات بحيث تصبح كالآتي:

أ – كل من عقد أو أذن أو حرض أو تدخل أو ساهم أو اشترك في عقد زواج طفل، خلافا لأحكام هذا القانون، عوقب بغرامة تعادل عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور وبالحبس من ستة أشهر الى ثلاث سنوات. وفي حال التكرار تضاعف العقوبة والغرامة.

المادة الرابعة: تلغى جميع النصوص القانونية أو النظامية التي تتعارض وأحكام هذا القانون أو لا تتلاءم مع مضمونه.

المادة الخامسة: يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.

"التزويج المبكر" انتهاك للطفولة

"المشروع أعده التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني الذي استعان بمجموعة من الخبراء، من ثمَّ جرى نقاش بيني وبين التجمع ليكون المشروع أكثر انعكاساً لموقفي وقناعتي الشخصية"، بهذه العبارات يختصر النائب إيلي كيروز في حديثه لـ"النهار" نشأة هذا الاقتراح. "أنا زوج وأب لأطفال كانوا صغاراً، ولا يمكنني أن أتصور أن في إمكانهم الزواج في سن الـ 16 أو أقل من ذلك، إذ إنَّ التزويج المبكر انتهاك لحق المرأة ويحرم الفتاة من عيش طفولة كاملة وآمنة. لا يمكنها أن تكون أم وطفلة، أو زوجة وطفلة أو أن تعيش الأمومة في عمر الطفولة. على المستوى العالمي سن الرشد المعترف فيه هو 18 عاماً وعلى المستوى اللبناني بالذات يحدد القانون سن رشد مدني، وجزائي وانتخابي، ونقابي، فهل يا ترى وحده الزواج هو الاستحقاق الوحيد في الحياة الأكثر تفاهة والأقل أهمية من كل ما ذكر؟ والسؤال هنا هل يرتبط الزواج أولاً فقط بالقدرة على الإنجاب؟ هل يمكن الفتاة بمجرد أن تصبح قادرة على الإنجاب أن تكون حاضرة للزواج وتحمل مسؤولية الزواج، أم أن الزواج يحتاج إلى مقومات أخرى؟".

نسأل كيروز عن معوقات قد تواجه هذا الاقتراح الذي يتعارض مع المعتقدات الدينية؟ فيجيب بأنَّ "هناك توجهاً عالمياً إنسانياً يطالب الحكومات بتحديد السن القانونية للزواج بـ 18 سنة. وفي لبنان هو خطوة لمجتمع أكثر مدنية، وبالفعل توصلنا إلى صياغة اقتراح وتقدمت به إلى مجلس النواب، والذي يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً للرجل والمرأة مع تشديد للعقوبات بحق كل من يساهم أو يشترك أو يتدخل في عقد زواج. في المرحلة الأولى سيمر الاقتراح على اللجنة المختصة لدرسه، وفي المرحلة الثانية يحوَّل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب لإقراره".

عقوبات ستطال أي شخص يعقد قران طفل

من جهتها، تؤكد المسؤولة الإعلامية في التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني حياة مرشاد في حديث لـ"النهار"، أنَّ "التجمع عمل مع لجنة من الخبراء القانونيين والقضاة والمحامين على اقتراح القانون مع النائب إيلي كيروز خلال الفترة الماضية. قانون حماية الأطفال من التزويج المبكر يفرض وجود قانون مدني يحدد سن الزواج على الأراضي اللبنانية بـ 18 سنة، للمقيمين والمواطنين، ويسري على الجميع بغض النظر عن الطوائف، ويجب أن تتحمَّل الدولة مسؤوليتها لا أن يبقى قانون الأحوال الشخصية محصوراً بالطوائف لسبب أساسي وهو أن الدولة معنية بحماية المواطنين وتأمين حقوقهم كافة على أراضيها ولا يجب أن تسلم هذه المهمة أو تتخلى عنها لصالح أي جهة كانت".

تلفت مرشاد إلى أنَّ "الدولة اللبنانية وقعت على اتفاقية "حقوق الطفل" التي تنص على أن كل شخص دون سن الثامنة عشر هو طفل. في وقتٍ يسعى البعض إلى التفريق بين الفتاة في سن التاسعة وتلك التي في سن الخامسة عشر التي يعتقد أنَّ في إمكانها الزواج. قانوناً ما من سنٍ للقاصرات، بل يُحكى عن طفلة أو طفل لكل من هم دون سن الـ 18. لبنان صادق على الاتفاقيات وتبناها. كما أنَّ القوانين اللبنانية إن في موضوع الأحداث أو العقود أو الجنايات تعتبر أنَّ السن الأهلية لأي التزام هو الـ 18 سنة. فكيف لشخص لا يملك أهلية عمل أو التزام أن يتزوج! لذلك، وجب تصويب بعض المسائل والتركيز على كلمة "تزويج" لا زواج لأن كل شخص دون سن الـ 18 لا يملك أهلية تخوله اتخاذ أي قرارات، إن كان شاباً أو فتاة. من هنا، سعينا لقانون واحد يسري على كل الناس سواسية، وينصُّ على غرامات وعقوبات لأي شخص يعقد أو يعطي إذناً لعقد قران طفل أو طفلة".

الجدالات اللبنانية لا تتوقف!

تشوهات فكرية تطال بعض العقول في لبنان، فهذه الحملة التي أطلقها التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني وحمل رايتها حزب "القوات اللبنانية" ضمن شعار "ما تقطفها قبل وقتها: نعم لقانون حماية الأطفال من التزويج المبكر"، تحولت إلى هاشتاغ #ما_تقطفها_قبل_وقتها" أثار جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. رواد "تويتر" و"فايسبوك" توزعت آراؤهم بين مرحِّب بالفكرة، ومُستفز من صيغة الشعار، فيما البعض الآخر غيَّر مسار الحملة وأضفى إليها منحى سياسياً محاولاً تشويه المفهوم الأساسي الذي سعت الجمعية للعمل عليه. ما يؤكد أنَّ كل خطوة في لبنان متعلقة دوماً بملفات وأحقاد ماضية تزيد الشرخ في المجتمع من دون التصويب نحو الهدف الصحيح ألا وهو "التزويج المبكر"، غير المرتبط بحزب أو فئة بل يطال المجتمع اللبناني بكامله، فمن هو غير مخول للانتخاب، ومن لا يزال يحتاج إلى ولي أمر لا يملك صلاحية تأسيس أسرة. ومما جاء في التغريدات والتعليقات:

 



يجهد المجتمع المدني في الإضاءة على قضايا حياتية محقَّة، وتتراكم الإنجازات في سجله، فهو غير متفرِّج بل ساعٍ إلى مكافحة ترسبات الماضي عبر إصلاح قوانين مجحفة بحق المواطن بشكل عام والمرأة بشكل خاص، من خلال خطوات أبرزها مكافحة "العنف الأسري"، وإلغاء المادة /522/ من قانون العقوبات في لبنان التي تزوِّج الضحية للمُغتصب، وها هي خطوة جديدة تسجَّل له عبر اقتراح قانون يعدِّل سن الزواج إلى 18 عاماً على أمل يسلك المسار القانوني التشريعي من دون أي معوقات سياسية أو دينية.

salwa.abouchacra@annahar.com.lb

Twitter: @Salwabouchacra

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard