انتهاك المحرّمات: مَن هو الرئيس الفعلي للبنان؟

29 آذار 2017 | 19:45

المصدر: "النهار"

أربعة أمور حارّة وراهنة تشغل اللبنانيين في الداخل، مثلما تشغل بعض الأوساط العربية والدولية المعنية بلبنان: مشروع قانون الموازنة، خطة الكهرباء، إقرار قانون للانتخاب، ورسالة المسؤولين الخمسة السابقين إلى القمة العربية. فلماذا تستدعي هذه الأمور الأربعة، كلّ هذا الانشغال غير المسبوق؟

سنكون إيجابيين فنقول حسناً فعلت الحكومة بإقرار مشروع قانون للموازنة بعد إثنتي عشرة سنة غياباً. حسناً فعلت أيضاً بوضع خطة للكهرباء موضع التنفيذ بعد استحالة مديدة. نقول ذلك تعبيراً عن شعور دفين بالرضى، ممزوج بالكثير من التحفظ العلني، تحسباً للمطبّات والفخاخ وخيبات الأمل التي قد ينطوي عليهما المشروعان الميمونان. أما الرسالة الجماعية التي وقّعها رئيسان سابقان للجمهورية وثلاثة رؤساء للحكومة، وبعثوا بها إلى القمة العربية، فحدثٌ جلل لم يكن يخطر في بال، وهو يفضح في معناه ودلالته ورمزيته كلّ ما يمكن أن يعتبره الكثيرون أو القليلون فاتحةً جديدة لحياة سياسية ووطنية ملأى بالوعود والآمال.



باختصار شديد، نقول ما يأتي في موضوع الموازنة: فلتفعل الحكومة ما تشاء، وليقرّر مجلس النوّاب ما يشاء. ولكن! ثمة حدود ليس من المسموح لأحد في السلطتين التنفيذية والتشريعية بأن يتخطاها.
إنها الحدود الواقعية والموضوعية التي تمليها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. فهؤلاء ينتمون إلى ما دون الطبقة الوسطى. يعني أنهم فقراء، بل معوزون، بل جائعون، بل بدون بيوت، بل بدون عمل، بل خائفون على مصيرهم المعيشي، لأنهم لا يملكون ما يسدّون به الرمق، ولا ما يعلّمون به أولادهم، ولا ما يداوون به مرضاهم، ولا ما يجعلهم يعيشون حياة متواضعة وكريمة. هذه حقيقة لا تحتاج إلى أرقام الاختصاصيين، ولا إلى تقارير الخبراء، ولا إلى وثائق الأكاديميين. أما أرقام هؤلاء وتقاريرهم ووثائقهم - وهم من المحليين والدوليين - فتثبت هذه الحقيقة.
وعليه، وإذ ننظر إلى مشروع الموازنة نظرة إيجابية من حيث المبدأ، نحذّر من تحويلها إلى كابوس يضاف إلى الكوابيس التي تقضّ مضاجع الناس الفقراء والأوادم.
وما أسهل تحويل المشاريع إلى كوابيس!
لذا، ولأننا نزعم أننا نمثّل الوجدان الجمعي للفقراء والأوادم، يُمنَع منعاً باتاً على الحكومة، وعلى مجلس النواب، اتخاذ أيّ إجراء عملاني يفضي إلى فرض ضرائب جديدة على المواطنين، لتغطية أموال سلسلة الرتب والرواتب، أو لتغطية غيرها من الديون والموجبات. هؤلاء المواطنون لا يستطيعون أن يتحمّلوا دفع ليرة واحدة إضافية، لأنهم لا يملكونها، وهم لا يتوانون عن مواصلة الكفاح اليومي المرير، في الليل وفي النهار، من أجل امتلاك هذه الليرة. فلا تحوّلوهم إلى خارجين على القانون، ولا إلى متمردين على الدولة، ولا إلى باحثين عن سقفٍ آخر في بلاد أخرى، غير سقف الجمهورية اللبنانية.
أطلبوا من خبرائكم واختصاصييكم، ومن أدواتكم التنفيذية، توجيهكم في كيفية وقف النهب والإهدار-ويا لهولهما-، واستباحة المال الوطني، وفي كيفية جمع أموال الموازنة من ثروات الأملاك العامة المغتصَبة - وهذه مرقّمة ومحصاة وعظيمة -، وسبل فرض الضرائب التصاعدية فحسب على من يجب عليه ذلك من أصحاب الأموال والمشاريع وعاقدي الصفقات المحقِّقة للأرباح الخيالية، وعلى البنوك والمصارف والمؤسسات الاقتصادية المترفة.
ليس من سبيل آخر لإرضاء الناس سوى الأخذ بهذا التوجه. فإيّاكم أن تخذلوهم!

 


هذا بالنسبة إلى الموازنة. أما في موضوع الكهرباء فالمسألة أكثر من واضحة.
اللبنانيون الفقراء والأوادم، وهم، للتأكيد وللتكرار، يمثّلون الأكثرية الساحقة، لا يريدون دفع فاتورتَين.
كلّ حلٍّ يؤدي إلى إلغاء فاتورة المولّدات، سيجد الرضى عند الناس، ولكن بشرط: أن لا يعمد المعنيون إلى تحميل هؤلاء الناس فاتورة كهربائية "رسمية" مضخّمة حتماً، تجعلهم يترحّمون على أيّام الفاتورتَين.
لقد عانى اللبنانيون الأمرّين من الحلول المجتزأة و"المريضة". ثمة خشية واضحة عند المختصّين و"المجرّبين" من أن تكون هناك صفقات ومستغيدون من الحلّ المقترَح لأزمة الكهرباء، أو أن يمثّل نوعاً من التسرّع "الأرعن"، أو من الهرب إلى الأمام، لأنه حلّ غير جذري، قد يكون يشبه "تبويس اللحى"، على الطريقة اللبنانية، ولا يعالج المشكلة من أساسها.
ما يهمّ في هذا الموضوع، كما في سابقه، أنه ليس مسموحاً للطبقة السياسية – المالية بعد الآن، التلاعب بأعصاب الناس، ودفعهم إلى الطريق المسدود، بعدما نهبت جيوبهم، وخرّبت عيشهم.
المطلوب في موضوع الكهرباء تعميم مثال قائم في زحلة وتحقيق شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص يفضي الى فاتورة واحدة، مُقنِعة، "غير موقتة"، بل دائمة، لا تُفني الغنم ولا تقتل الناطور.

 

قانون الانتخاب

في قانون الانتخاب العتيد، أين هو هذا القانون؟ في أيّ مختبر؟ بل في أيّ دهليز؟ وإذا كان هذا القانون قيد التحضير "على النار"، فأيّ قانونٍ سيكون، هذا الذي لا تريد منه الطبقة السياسية الحاكمة إلا انتزاع كلّ إمكانات... الإصلاح والتغيير من أيدي الناس الأوادم، ومن "أصواتهم"؟
... أما الرسالة، رسالة "الرؤساء الخمسة"، فهي من الأمور غير المسبوقة في تاريخ الجمهورية.
لم يسبق لمسؤولين سابقين أن فعلوا شيئاً مماثلاً، بهذا الحجم، وبهذه الرمزية، يتخطى الأصول الدستورية والأعراف البروتوكولية المعمول بها، ويقفز على المسؤولين الرسميين والحاليين عن مصير الجمهورية.
لماذا يا ترى، "ارتكب" هؤلاء المسؤولون الخمسة السابقون مثل هذه "المعصية"؟ ألأنهم "مرتكبون"، و"عصاة"؟ ألأنهم "انتهازيون" و"وصوليون"؟ أم لأنهم... وجدوا أن الحكم اللبناني، بسلطتَيه التنفيذية والتشريعية، محرج ومكبّل ومرجح أن "يخرج" على المعايير الدستورية والميثاقية التي تنظّم ممارسة السلطة في الداخل، مثلما قد "يخرج" على المعايير التي ينبغي للدولة أن تتمسك بها، وتحافظ عليها "برموش الأعين"، والتي تحكم علاقة لبنان بالشرعية العربية والدولية، والمجتمع الدولي، المتمثلَين خصوصاً في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن؟


هل "انتهك" الحكم اللبناني "المحرّمات"، و"ارتكب" ما حمل هؤلاء المسؤولين السابقين على "ارتكاب" هذه الرسالة؟
الجواب واضح تماماً، ويمكن تظهيره بسؤال نوجّهه إلى "الرؤساء الثلاثة" الرسميين الحاليين، علماً أن للجمهورية رئيساً واحداً، واحداً فقط لا غير (حتى إشعار آخر!)، وثمّة رئيسان، واحد لمجلس النواب، وواحد للوزراء. ولا يجوز دستورياً وقانونياً استخدام عبارة "الرؤساء الثلاثة"، كأنهم متساوون، أو كأن المقام واحد.
خطاب "لبنان الرسمي" في القمة العربية لا يغيّر في السؤال شيئاً جوهرياً: مَن يحكم لبنان اليوم، أيها "الرؤساء الثلاثة"؟ هل يحكمه الرئيس؟ هل تحكمه السلطتان التشريعية والتنفيذية، مجتمعتَين؟ أم ثمّة "حاكم" وحيد أوحد "معلوم"، ليس هو واحداً من هؤلاء؟!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard