"اقتلاعها سيؤدي الى موتهم المبكر"... أمانة الآباء اليسوعيين مهددة

28 آذار 2017 | 22:08

المصدر: "النهار"

هي الحبيبة والصديقة ومؤنسة الوحدة وقيثارة الأيام الأخيرة لسبعينيي الأحياء المجاورة لها. يدافعون عنها وكأنهم يحمون وجودهم. والكلام وحده لا ينقل لمعة عيونهم وهم يتكلمون. سينزلون الى الشارع ويتصدون بأجسادهم الهزيلة لمرور أي آلية آتية لتنغص عليهم عيشهم. لم يتبق لهم سواها، ويفكرون في أخذها منهم، لبناء مرأب. إذا فعلوها يكونون قد خانوا الامانة المتروكة من الاباء اليسوعيين الذين قدموا الحديقة اليسوعية، قطعةً من ارضهم وارثهم العريق "شرط ان تبقى حديقة عامة". هي بمثابة هبةٍ وذكرى وحيدة باقية من مجموع اراضيهم التي بيعت في ستينيات القرن الماضي. عمر الحديقة مؤهّلةً 60 سنة، وفيها 8 شجرات سرو أطفأت شمعتها الـ150. زوارها من مختلف الأعمار من سكان احياء بيروت المتشابكة.

"هناك مسنون في خريف العمر يعيشون لأن الحديقة موجودة. انها متنفسهم الوحيد، وانا متأكد من أن اقتلاع الحديقة من مكانها سيؤدي الى موتهم المبكر. كأنك تقتلعهم من جذورهم التي عاشوا وكبروا فيها حتى صارت مقصدهم الوحيد"، يقول المهندس جهاد قيامة. يسكن جهاد في محاذاة الحديقة، ويتأمل من شرفة منزله يوميات حديقة اليسوعية مذ قطن المكان، مرّت 8 سنوات. هو على معرفة شخصية بالمسنين، يعرفهم من اشكالهم وابتسامات ثغرهم، من دون ان يحادثهم او يطلع على اسمائهم. تابع قيامة، المهندس المعماري والخبير في تنظيم المدن، قضية انشاء مرأب السيارات في اسفل الحديقة.

يقول لـ"النهار" ان "الموقف لا يحل ازمة السير بل يعقدها". ويتحدث من وجهة نظر فنية وتقنية وعلمية، مشيراً الى ان "مشروع المرأب يتطلب اقتلاع كل الاشجار المعمرة، فيما الحديقة البديلة عبارة عن احواض زهور، والمطلوب إزالة مسطح الفسيفساء (دون ان تعلم بلدية بيروت ومديرية الآثارمسبقاً بالموضوع)، وينتج من ذلك مخاطر امنية في حال حدوث حريق في الطبقات السفلية للمرأب، فضلاً عن التلوّث نتييجة أطنان إضافية من ثاني اوكسيد الكاربون". ويضيف: "شبكة الطرق ضيقة جداً ولا يمكنها استيعاب 750 سيارة، مما يضاعف زحمة السير في ساعات الذروة. وتاليا،ً المراد من المشروع الفاضح القضاء على الطابع السكني للحي خدمةً لدائرة اكبر من محيط الحديقة المباشر". ويعقّب: "لم تقم بلدية بيروت بأي مسعى على صعيد النقل المشترك، اذ انه يتوجب ان تؤمن 25% من حركة التنقلات في المدينة، فيما النسبة المؤمنة 2%".

تجار الجعيتاوي
ما الغاية من إنشاء المرأب؟ "من يريد المرأب هم تجار شارع الجعيتاوي، انطلاقاً من محيط مستشفى الروم. يريدون الحديقة باحة خلفية لهم، ويعتقد بعضهم ان المرأب يزيد إنتاجيتهم. لكنهم على خطأ لأن نوع التجارة التي يتعاطونها لا تجذب الناس. هناك صيدلية ومحال زهور ومطعم للسندويشات. فيما مرأب مستشفى الروم متوافر. انهم لا يخسرون شيئاً لأنهم لا يدفعون الاموال، والحديقة لا تعني شيئاً لهم على المستوى العاطفي والاجتماعي"، يجيب قيامة. وفي رأيه ان تجار حي حديقة اليسوعية يعارضون المرأب، لانه سيعوق أعمالهم، خصوصاً ان للمنطقة طابعا خاصا، وزبائنهم يقصدون الحديقة مشياً من الرميل. ويقول ان "ممثلين عن الحي اجتمعوا باعضاء من بلدية بيروت، وتوصلوا معهم الى اتفاق يكمن في اعادة النظر في مشروع المرأب".

الشركات العقارية
من جهته، يقول المدير التنفيذي لجمعية "نحن" محمد ايوب ان "توجهاً عاماً موجوداً لدى بلدية بيروت للقيام بانشاءات متعددة على حرج بيروت، كالمستشفى ومبنى الحرس والكشاف والمقابر والمدارس". كما ان قراراً مشابهاً اتخذ بإنشاء مرأب سيارات في حديقة حسن خالد، وتالياً تحويلها الى حديقة اصطناعية، وهو ما يؤثر على البيئة ويزيد نسبة التلوث التي تصل الى 64 في المئة، وفق ما يقول. يصف ايوب "المتواطئين" لتمرير المشروع بـ"الزعران" الذين "يفكرون في مصالحهم الخاصة ويتخطون كل الخطوط الحمر ويكدسون الاموال لمصالح خاصة". وبعدما نجحت جمعية "نحن" في استرجاع شاطئ الرملة البيضاء ومنعت المس بحديقة الصنائع، ها هي تستعد مجدداً لمنع "سياسة قضم المساحات الخضر". ويوافق ايوب على وجهة نظر قيانة، حول هوية المستفيدين من المرأب، ويضيف اليهم "المتمولين في بيروت اصحاب الشركات العقارية التي تستفيد من خلال كسب المناقصات. اغلبية الشركات يهمها تشييد مشاريع عمرانية لتستفيد وتروج لكل ما له علاقة بالباطون".

بلدية بيروت
يحسم رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني الجدل حول موقف البلدية، ويقول في حديث الى "النهار" ان البلدية لم تتخذ اي قرار متعلق بانشاء مرأب في حديقة اليسوعية: "نحن عمليون ولا نؤخذ بالعاطفة، بل نأخذ في الاعتبار وجهة نظر القاطنين في المنطقة لأن رأيهم يهمنا. هناك لغط حصل، اذ قيل اننا اتخذنا قرارا بإنشاء المرأب، ومن ثم تراجعنا وعدلنا القرار. لم نتخذ أي قرار، بل ندرس علمياً وفنياً وبيئياً واقتصادياً الموضوع. وعندما تجهز الدراسات كلها يكون لنا حديث". هل من مهلة زمنية للدراسات التي تتحدثون عنها؟ يجيب بأن لا مهلة زمنية محددة مسبقاً لاستيفاء الدراسات، "لا مهلة زمنية معينة. الدراسة ستنتهي، ونعطيها حقها من خلال قرار حاسم نتأكد خلاله اننا اعتمدنا الخيار الصحيح".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard