معرض الكتاب الفرنسيّ: الضيف من أهل العرب هذه السنة

28 آذار 2017 | 15:17

المصدر: "النهار"

تمكّن عشّاق الكتب الباريسيّون من تمضية عطلة نهاية أسبوع لا مثيل لها. فقد استضافت أرض المعارض عند بورت دو فرساي (Parc des expositions- Porte de Versailles) معرض الكتاب الفرنسيّ لعامه السابع والثلاثين. فاجتمع ما بين الجمعة 24 والإثنين 27 آذار حوالى ثلاثة آلاف كاتب ومؤلّف فرنسيّ أو فرنكوفونيّ ليوقّعوا جديدهم في عالم الأدب وليشاركوا في محاضرات وندوات تتيح لهم التفاعل مع جمهور من القرّاء لا يخلف الموعد ويترقّب هذا الحدث الثقافيّ من العام إلى الآخر.

مهرجان ثقافيّ احتفاليّ يتكرّر كلّ عام. تنظيم متقن، دور نشر من أعرق الدور الفرنسيّة، عمليّات شراء وبيع وفضول فكريّ يهيمن على معرض ليس بالمعرض الهائل الذي يضارع بالمساحة معارض الشارقة أو أبو ظبي، لكنّه معرض ضخم وبالغ الأهمّيّة لاحتوائه على كمّيات لا تحصى من الكتب الحديثة النشر، منها الكلاسيكيّ ومنها الحديث ومنها ما لم يخفت الجدال حوله.

650 ناشرًا يلقون بضائعهم الفكريّة والثقافيّة بعناية واهتمام. روايات، معاجم، مانغا، قواميس، كتب فكاهيّة، كتب تاريخ، أدب، فلسفة... كلّ ما يحلم به قارئ نهم يجده في معرض حافل بالنشاطات الثقافيّة وجلسات الحوار المثيرة للاهتمام. وجوه أدبيّة ذائعة الصيت تختال بين الرفوف ويبتسمون لقرّاء لا يكادون يصدّقون أعينهم. الطاهر بن جلّون، الفيلسوف السنغاليّ سليمان بشير ديان، Grand Corps Malade، إريك إيمانويل شميت، فيليب ماير، لويز إردريتش، كريستوف باربيي، أميلي نوتومب، وغيرهم كثر. جميعهم هنا، يوقّعون، يكتبون، يناقشون، يجيبون، ويُشبعون نهم الأعين والعقول. والقرّاء يدورون ويدورون بين الكتب، زحمة ثقافيّة غنيّة مدهشة.

 

واختلفت الكتب باختلاف الاهتمامات بغية تلبية معظم الأذواق الأدبيّة، فوُجدت زوايا للقرّاء الصغار كما وُجدت حلقات أسئلة وألعاب خاصّة بهم لتنمية قدراتهم الفكريّة. ووجدت كذلك زوايا لمحبّي المانغا والرسوم الفكاهيّة والـ bandes dessinées، عدا زاوية خاصّة بالقارّة الأفريقيّة التي كان لها حضور جميل وأنيق في المعرض. ولم يغب الإملاء المشهور عن المعرض، فأقيم هذا الامتحان اللغويّ المرتقب من عدد كبير من عشّاق اللغة نهار السبت على ثلاث مراحل بحسب درجة صعوبة النصّ.

أمّا ضيف الشرف لهذه السنة فكان بلدًا عربيًّا، وذلك للمرّة الأولى منذ نشأة هذا المعرض. فكانت المملكة المغربيّة الضيفة الثقافيّة حاضرة بكتبها وتاريخها وأبرز كتّابها كما كانت موجودة بخيمتها التي قدّمت الطعام المغربيّ التقليديّ وقد اعتمد موظّفو الخيمة اللباس الفولكلوريّ إشارة منهم إلى التقليد المغربيّ. ولا يمكن الجزم إن كان هذا المشهد المغرق في اللحم والأرز والفولكلور مرآة ملائمة للحضارة المغربيّة المعاصرة، كما لا يمكن الجزم حول حقيقة الصورة التي نقلها هذا المشهد إلى ذهن القارئ الفرنسيّ.



لبنان في معرض
أمّا لبنان الموجود في المعرض عبر وزارة الثقافة اللبنانيّة، فقدّم أعمال دور النشر اللبنانيّة من روايات ومعاجم وكتب أخرى. فوُجدَت منشورات "دار هاشيت أنطوان" و"دار الساقي" وغيرهما. تميّز لبنان بوجوده الأنيق والشافي في هذا المعرض بتوافر عدد من إصدارات العام 2017 ووجود عدد من الكتّاب اللبنانيّين الذين وقّعوا إصداراتهم وألقوا عددًا من المحاضرات وشاركوا في جلسات حوار.
وكان لجناح لبنان مكانته وحضوره ووزنه في المعرض أوّلاً عبر موقعه البارز على جغرافيا أرض المعرض فقد أمكنت رؤية كلمة "لبنان" من بعيد ومن زوايا متعدّدة. كذلك برز حسن تنظيم الكتب المعروضة وترتيبها وتقديمها، عدا النشاطات الكثيرة التي حفل بها جناح وزارة الثقافة. وأثنى الكاتب اللبنانيّ الفرنكوفونيّ شريف مجدلاني على المجهود المبذول مؤكّدًا أنّ الجناح كان لافتًا ومنظّمًا وثريًّا وقدّم إلى القارئ العربيّ المشتاق إلى شيء من الأدب والفكر العربيّ كتبًا تستحقّ القراءة والانتشار. مجدلاني نفسه وقّع روايته "فيلاّ النساء" كما شارك في ندوة حول النشر ودوره.



وزارة الثقافة اللبنانيّة وحدها من بين وزارات الدول العربيّة المعروفة بالثقافة والنشر كان لها وجود في المعرض، حتّى أنّ البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعيّ الذي كان موجودًا في المعرض لمناسبة إصدار كتاب عن تاريخ جامعة القدّيس يوسف في بيروت وعن مسيرة الجامعة وانخراطها في الحداثة، اعتبر الوجود اللبنانيّ وافيًا ومفيدًا في المعرض وبخاصّة لوجوده إلى جانب عمالقة النشر الفرنسيّ كمثل دار "غاليمار" و"ألبان ميشال" و"فلاماريون" وغيرها.

 

واعتبر عدد من روّاد المعرض من اللبنانيّين المقيمين في باريس أنّ جناح وزارة الثقافة اللبنانيّة في العام الفائت كان أكثر غنّى وتنوّعًا، وأعرب طالب في الفلسفة عن خوفه من أن يتقاعس لبنان عن حضوره الثقافيّ في الأعوام المقبلة.

من نافلة القول إنّ لبنان تمكّن بوجوده في هذا المعرض من أداء دوره الثقافيّ الذي كان له ولا يزال. وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصاديّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة التي يواجهها لبنان وأهله، تمكّنت وزارة الثقافة من تقديم إصدارات لبنانيّة لكتّاب لبنانيّين وعرب نشروا مؤلّفاتهم في دور نشر لبنانيّة، إصدارات حديثة وجميلة تؤكّد المقولة الخالدة بأنّ بيروت مطبعة العرب. كانت ولا تزال.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard