بيروت تنتفض على هستيريا الرقابة (صور وفيديو)

25 آذار 2017 | 17:25

المصدر: "النهار"

مع منع فيلم "بيت البحر" لروي ديب وطلب حذف مَشاهد من "مولانا" لمجدي أحمد علي، والاكتفاء بمنح إجازات عرض لمرة واحدة وحيدة لأفلام أخرى وتضييق واضح وصريح على الحريّات، بلغت الرقابة اللبنانية مستوى جديداً من الوصاية، خلال الدورة التاسعة المنتهية أمس من "أيّام بيروت السينمائية".

هذه الوصاية التي تفرضها على أهل الفنّ والثقافة والفكر (والجمهور بطبيعة الحال) في بلد متأزم سياسياً، منكوب اجتماعياً وثقافياً، منهار أخلاقياً واقتصادياً ومحاصر بالفساد والإهمال، أغضبت الكثيرين المعنيين بـ #السينما، فتجمّعوا عند الثامنة من مساء أمس في صالة "متروبوليس" للتعبير عن رفضهم القاطع للرقابة المسبقة على المصنّفات الفنية والتفكير في أشكال تحرّك جديدة. فعلى مدار السنوات الماضية، كلّ الأساليب استُنفدت من دون الوصول إلى نتيجة، أقله صوغ قانون جديد يضمن حرية التعبير التي من المفترض أنّ الدستور يكفلها.

 

الحاجة إلى خطوات تصعيدية لمناكفة هذه السلطة القامعة بدت من أبسط ما يُمكن فعله. إنه أدنى حقّ لمواطنين يشعرون منذ زمن طويل بالمهانة جراء تدخّل القاصي والداني من سفارات دول أجنبية وجهات أمنية ومرجعيات دينية في شؤون جهاز الأمن العام والضغط عليه لحذف مشهد من الفيلم الفلاني أو تعديله، علماً أنّ الهستيريا الرقابية أفضت قبل أسابيع إلى "تغبيش" رجل دين في فيلم "اسمعي" لفيليب عرقتنجي، في ابتكار غير مسبوق مثير للسخرية.

أمام هذه الممارسات كلّها، لم يعد السكوت مقبولاً. فلا يجوز السكوت على هذا التمادي في تحقير الإنسان اللبناني واعتباره قاصراً لا يعرف التفريق بين الصالح والطالح. بلدان عربية أخرى، من تلك التي تمتلك رصيداً كافياً من التعسّف، سبق أن عرضت هذه الأفلام بلا مشكلة، هي المعروفة بممارساتها القمعية. فـ"بيت البحر"، الذي دشّن منعه السجال الموسمي المتجدّد حول الرقابة، انطلق من "أيام قرطاج السينمائية" العام الماضي في تونس (تشرين الأول 2016)، حيث فاز بجائزة "ناس" للتوزيع، ومثله "مولانا" المعروض في الصالات المصرية مع مطلع هذه السنة. أما الفيلم الثالث الذي طلبت الرقابة التريّث في عرضه، قبل منحه إجازة عرض لمرة واحدة فقط، فهو "صبمارين" لمنية عقل؛ سبق أن شاهدناه في مهرجان #دبي السينمائي الأخير، علماً أنّ عرضه الأول كان في قسم "سينيفونداسيون" ضمن #مهرجان_كانّ.

 

 من الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن فور الاطلاع على ممارسات الرقابة الكيدية: إلى متى ستبقى الأحوال على هذا النحو؟ مَن تخدم الرقابة؟ هل صحيح أنّ المجتمع الطائفي في لبنان متواطئ ضمنياً؟ هل يمكن كتلة محدودة داخل المجتمع أن تُحدث أيّ تعديل؟ هل الرقابة هي التي تقرّر لوحدها، أم ثمة تدخلات من مرجعيات سياسية ودينية وأمنية؟ أينفع التحدّي؟ أتجوز مواجهة دولة "ما بيمشي معها غير الضغط"، كما أكد أحد المعلّقين في مداخلته؟ في حين سمعتُ مسؤولة في "أيام بيروت" تنصح شاباً يمسك لافتة عدم رفع السقف. فلا أحد هنا في التجمّع يريد رقابة، ولكن لا يتّفق إثنان على خطة واحدة للقضاء عليها. ما بالك إذا كانت المواجهة على حساب مشاريع تُبنى منذ سنوات. في هذه الحال، ينبغي التريّث قليلاً والعودة إلى الهدوء وتبنّي الاستراتيجيات العقلانية.

(نضال الأشقر).

في محاولة للبحث عن سبل لمواجهة هذا الواقع المرّ والتفكير بصوت عالٍ، تجمّع نحو 300 شخص في "متروبوليس"، حيث جرت عروض "أيام بيروت" على مدار تسعة أيام، لتبادل الأفكار. بعضهم رفع لافتات كُتب عليها "الرقابة فعل يساوي القتل" و"نعم لقانون عصري يحي السينما، لا لقانون 1947". ولمَن لا يعرف ما هو قانون 1947 البالي الذي لا تزال الرقابة تعتمده، فمضمونه المضحك ينطوي على النقاط الآتية: احترام النظام العام، الآداب، حُسن الأخلاق، عواطف الجمهور، هيبة السلطات العامة. عدم الترويج لدعاية غير مؤاتية لمصلحة البلد، ونبذ النعرات العنصرية والدينية. "هل ثمة عمل فني لا يتضمن أياً من هذه العناصر؟"، قال المحامي نزار صاغية المضطلع على الشأن الرقابي. يقولها وترتسم على وجهه علامات السخرية. فالرقابة المسبقة في رأيه لا تمنع الأفلام لأنها تخالف القانون، إنما لأنها تخالف رغبات الرقيب نفسه. فالرقيب يمنع ما لا يحبّه شخصياً. هكذا، تتحوّل الرقابة أداة فعّالة للمحافظة على الـ"ستاتو كو"، ومنع الفنّ من أن يضطلع بأي دور تغييري. فما تريده الرقابة ومن خلفها السلطة الحاكمة هو أن يبقى المجتمع على حاله، على طباعه وآرائه المسبقة. طلب صاغية الذي تحدّث عن صراع، من المخرجين رفض الحذف من أفلامهم: "خلّينا نعمل معارك متل ما انعمل قبل".

 

 

 فتحت نضال الأشقر إحدى الصفحات السوداء من كتاب الرقابة اللبنانية، فروت حادثة دهم الفرقة 16 أحد المسارح خلال عرض مسرحية "مجدلون" (من إنتاج محترف بيروت للمسرح)، التي تتحدّث عن المقاومة الفلسطينية في لبنان وعلاقتها باللبنانيين، فتمّ طرد الممثلين، إلا أنّهم أصرّوا على مواصلة العرض في الـ"هورس شو" (ملتقى المثقفين العرب واللبنانيين آنذاك)، وعلى أثر ذلك، اقتيدوا إلى مخفر حبيش للتحقيق معهم. لاحقاً تمّ رفع دعوى قضائية على الدولة اللبنانية وربحها أصحابها، نظراً إلى أنّه كانت لديهم موافقة من الرقابة على النصّ. وروت الأشقر إنه عندما أرادت تقديم مسرحية "تصطفل ميريل ستريب"، طلبت منها الرقابة استبدال كلمة "كيلوت" بـ"لباس"، ولكنها لم تلتزم بتعليماتها إلا يوم حضر الرقيب المسرحية. بدت الأشقر متشائمة وواقعية، فقالت إنه لا يمكن تغيير أي شيء في ظلّ نظام طائفي مللي عشائري رثّ. حتى تحديث القوانين لا يعني في بلد كهذا أنّ سيف الرقابة لن يعود مصلتاً على رؤوس الأعمال الفنية. ودعت السيدة الثمانينية إلى تسليم الرقابة إلى وزارة الثقافة بعد انتزاعها من الأمن العام، من دون أن تخفي اقتناعها بأن الرقابة ستبقى دائماً موجودة في لبنان، طالما لم يتم فصل الدين عن الدولة. وفي نهاية مداخلتها، دعت الأشقر إلى خطوة تصعيدية تتمثّل في عرض كلّ الأفلام الممنوعة في لبنان في #مسرح_المدينة الذي تديره، كنوع من العصيان المدني، الأمر الذي لقى صدى طيّباً عند بعض الحضور. "هالدولة ما بتجي غير بالقوة. خلينا نعمل مشروع نعرض الأفلام الممنوعة عندي. كلها موتة". هانية مروة، صاحبة "متروبوليس"، لم تتحمّس للفكرة (على رومنسيتها)، لما تشكّله من خطورة على مستقبل الصالة التي تديرها، فتسائلت: "أين ستُعرض أفلامكم في حال أقفلت السلطة الصالة غير التجارية الوحيدة في لبنان؟".

 ليال بهنام محامية من جمعية "مهارات"، قالت إنه تم صوغ مسودة قانون تلغي الرقابة المسبقة وتشكل هيئة للتصنيف العمري للأفلام، مع ضمان عدم إزالة أي مشهد من أي فيلم، إلا إنه لم تصل إلى أنّ تُسَجَّل في مجلس النواب. ثمة نواب أبدوا رغبتهم في تسجيلها وآخرون تعاملوا معها باستهزاء. روت أنّ صلاحيات الأمن العام اللبناني من التابوات، لا يمكن المساس بها في ظلّ التركيبة السياسية الحالية، إذ حتى المجلس النيابي لا يحاول الاقتراب منها. في رأيها، أنّ ثمة تخوفاً كبيراً من ازدياد الرقابة المسبقة في أكثر من مجال، لا في السينما فحسب. كشفت كذلك أنّها كانت في مكان جمعها بمسؤول من مكتب مكافحة الجرائم الالكترونية، فوجدته يتباهى باستدعائه مراهقين على التحقيق بسبب منشور لهم على الـ"فايبسوك"، والهدف منه تعليمهم بأنه لا يُمكن نشر أي شيء في العلن. قالت أنّ معتقداً يسود لدى أصحاب السلطة مفاده أنّ "الناس لا يفهمون وينبغي على أحد تربيتهم". وفق بهنام، المجتمع اللبناني لا يزال مقتنعاً بضرورة الرقابة.

(سينتيا شقير).


 وبعث المخرج محمد سويد برسالة، لفت فيها إلى الأسلوب المتجدّد في تشبّث الأمن العام بقراره عبر إحاله المسؤولية على لجنة من ستّ وزارات (...)، مما يعطي قرار المنع طابعاً شبه حكومي، "أي أنّنا نحن السينمائيين أصبحنا في مواجهة مباشرة مع جسم رقابي متعدّد الطرف من السلطة التنفيذية مجتمعة". اقترح سويد العمل على تشكيل مجموعة ضغط محصّنة بلجنة محامين وبتحرّك ميداني دؤوب مصحوب بحملات إعلامية وبتعاون وتنسيق مركّزين مع الجمعيات الأهلية المعنية بحرية التعبير، على أن يكون الهدف إلغاء القانون الرقابي البالي المعمول به منذ العام 1947 (...). وختم رسالته الجميلة بالقول إنّ السينما ليست هي المسيئة إلى صورة لبنان، فالمسيء فعلاً إلى صورته هي العين التي تراقب ولا ترى. أما كلمة ممثل وزير الثقافة حول اقتراح تسليم وزارته مهمات الرقابة، فجوبهت برفض شديد من البعض، خشية أن تنتقل الوصاية من يد إلى يد. أكثر مَن عارض هذا الاقتراح هي المنتجة سابين صيداوي التي قالت إنها "تمضي معظم حياتها في الأمن العام"، لدرجة أنّه عُرضت عليها وظيفة هناك! تكلّمت صيداوي بغضب، وقالت إنه لا يُمكن شخصاً مثقّفاً أن يقبل دور الوصي، وهي من جهتها لا تقبل أن تفرض القيود على أولادها، فكيف تفعل ذلك مع أفلام الآخرين!

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard