سوريا: وداعاً "داعش"... أهلاً بـ"القاعدة"

24 آذار 2017 | 22:04

المصدر: "النهار"

مع الهزائم التي مني بها " #داعش" في العراق وانحسار رقعة سيطرته في سوريا والاستعدادات على كل أكثر من جبهة لبدء معركة تحرير #الرقة، باتت التوقعات تشير الى نهاية الصيف المقبل حداً أقصى للقضاء نهائياً، أقله على القاعدة العسكرية لهذا التنظيم المتشدد. وفيما يحذر كثيرون من أن جهداً أكبر سيكون ضرورياً للقضاء على ايديولوجيته ومنعه من العودة، يستغل تنظيم " #القاعدة" الذي غير اسمه مراراً وحافظ على أهدافه، الانشغال بالقضاء على "داعش" ليتمدد في وسط البلاد وأماكن أخرى.
فقبل أن تكتمل فرحة السوريين بنهاية تنظيم شوه ثورتهم وعاث بمدن احتلها منذ 2014 فساداً ودماراً، بدأت تستأثر بالمشهد الجهادي في سوريا وجوه لا تقل تطرفاً وطائفية عن وجوه الداعشيين، الامر الذي يثير تهديداً قوياً لمستقبل سوريا وهويتها.
ولعل معركة " وقل اعملوا" التي أعلنتها "هيئة تحرير الشام"، التحالف الذي يضم جماعات إسلامية متشددة وفي مقدمها "جبهة فتح الشام"، (جبهة النصرة سابقاً) على القوات الحكومية في ريف مدينة حماة غربي سوريا ، آخر معالم هذا الزخم المستجد للتنظيم على حساب قوات النظام حيناً وفصائل المعارضة المعتدلة أحياناً.

وتظهر فيديوات عدة للتنظيم من محافظة حماة تباهي التنظيم بمكاسبه وغنائمه في ريف حماة الشمالي، مع خطابات دينية متطرفة . وظهر الشيخ أبو يوسف الحموي "الشرعي العام في هيئة تحرير الشام" يخطب في مجموعة من المقاتلين قائلاً: أنتم لا تقاتلون عن أهل الشام فقط ...أنتم تدافعون عن كل مسلم على وجه هذه الأرض".وفي فيديو آخر يقول الشيخ مظهر الويس :"ثأرنا قديم من هؤلاء الأرجاس الأنجاس...نحن لا نثأر لأشخاصنا... نحن نثأر لرب ودين".

ويقول مدير "المرصد السوري لحقوق الانسان" رامي عبد الرحمن لـ"النهار" أن قيادات كبيرة متشددة توجه المعارك هناك، بما فيهم أبو يوسف الحموي وعبدالله المحيسني وأبو الجارف المصري.

 

 

إدلب

من جهتها، صارت إدلب موئلاً للمقاتلين الذين ينقلون من جبهاتهم بموجب اتفاقات "المصالحة" أو الاستسلام، والذين يواجهون ضغوطاً كبيرة في منطقة تعتبر قاعدة ل" النصرة"، مما يضطر كثيرون منهم الى الالتحاق بالنصرة أو الفرار الى تركيا.

وجغرافياً، يوضح عبد الرحمن أن "القاعدة" تقدمت على حساب النظام في ريف حماة وريف حلب الغربي ، ولكنها حقتت اختراقاً أكبر على حساب الفصائل المعارضة في ريف حلب وادلب ودرعا المدينة.

وبدوره، يقول الصحافي تيو بادنوس الذي اعتقله تنظيم "القاعدة" عام 2012 على الحدود التركية وسجنه في سوريا، أن "دولة اسلامية" جديدة تنشأ في إدلب. ويقول ل"النهار": "من أرسل جميع الثوار الى هناك...الحكومتان الروسية والسورية...لقد أبعدوا جميع الجهاديين إلى إدلب". وهو لا يستغرب انضمام مقاتلين كثر الى "هيئة تحرير الشام" لانهم يواجهون الموت إذا تمردوا "فلا خيار آخر أمامهم".
ولا يزال بادنوس على تواصل مع مسلحين من الجماعات الجهادية في سوريا لأنه يريد أن يعرف ما يحصل ، وينقل عن "أصدقائه" هناك قولهم: "كل يوم يصل مقاتلون جدد الى إدلب".

"القاعدة يبتلعنا"

وفي شباط الماضي، نقلت صحيفة "الواشنطن بوست" عن قيادي في تنظيم "فاستقم" المدعوم أميركياً قوله إن "القاعدة يبتلعنا"، في إطار شرحه أسباب انضمام مقاتليه الى تحالف مع" أحرار الشام" بالرغم من إيديولوجيته المتشددة.
وعن خلفيات هذا التحول، يقول شيراز ماهر الباحث الرفيع المستوى في المركز الدولي لدراسة التطرف التابع لكينغز كوليدج في لندن أن الميل نحو مزيد من التطرف، برز مباشرة بعد سيطرة الجيش السوري على مدينة حلب في نهاية العام الماضي.

وتشكل الديناميات المتحركة في الحرب الدائرة حالياُ في سوريا تحديات كبرى بالنسبة لقوات المعارضة المعتدلة التي تجد نفسها بحسب ماهر بين ناري طرفين متوحشين، وهو ما يشكل نقطة تحول خطيرة في الثورة السورية. فقد تلاشت المعالم البراغماتية للمعارضة وسط حركة جهادية ليست مستعدة لقبول الأقليات.

 

 

ضغود داخلية
والى الديناميات المتغيرة، يقول الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر في مقال نشر في مجلة "الفروي بوليسي" إن المعارضة المسلحة في سوريا تشهد تحولات نتيجة الضغوط الداخلية، إذ يسعى "القاعدة بجدية إلى تحقيق هدفه الطويل الآمد الذي يتمثل في دمج كل جماعات المعارضة السورية المسلحة تحت مظلته الإسلامية الواسعة العابرة للحدود، وهو ما يعني "توحيد الصفوف" بحسب التنظيم.

وبين 2012 و2015، سعى القاعدة سراً الى تحقيق خطته هذه، مستغلاً الضعف التدريجي للمعارضة المعتدلة، لبناء الثقة مع المعارضة السورية تحت ستار "جبهة النصرة" التي أصبحت جزءاً من المعارضة والحركة الثورية السورية على نحو واسع، ووضع خطة إستراتيجية عسكرية واضحة ركزت على الاندماج مع السوريين على المستوى المحلي، من أجل الحصول على دعمهم .
بدوره، يؤكد ماهر أن مقاتلي جبهة فتح الشام غالبيتهم من السوريين، وقد اكتسبوا درجة من الدعم بين المدنيين نظراً الى حماسهم في القتال، ولتحقيقهم إنجازات في ساحات المعركة.

أميركا
وربما شعرت الولايات المتحدة أخيراً بالخطر الذي باتت تمثله "هيئة تحرير الشام" في سعيها الى ابتلاع المعارضة، إذ أصدر مبعوثها الخاص إلى سوريا مايكل راتني بياناً في 11 آذار الجاري، أكد فيه أن الهيئة والجماعات المرتبطة بها هي "منظمات إرهابية" تابعة لتنظيم القاعدة "الذي يسعى إلى تدمير الثورة السورية وتوجيه هجماته ضد رموز الثورة مثل أحرار الشام وغيرهم من المدافعين المخلصين عن الثورة السورية".

وكان واضحاً أن "النصرة" عندما غيرت اسمها الى "جبهة فتح الشام" في منتصف عام 2016 كانت تهدف الى ايصال رسالة للسوريين، مفادها أنها قطعت روابطها مع تنظيم "القاعدة"، حتى تتمكن من التغلب على العقبة الوحيدة المتبقية لتوحيد الصفوف من خلال إقناع المعارضة السورية بأن الجبهة هي حركة سورية تكرس نفسها لخدمة قضية محلية لا للمشروع الجهادي ل"القاعدة".


"أحرر الشام"

ومع أن هذا التكتيك ساعد "القاعدة" على "ابتلاع" بعض الفصائل، يرى ليستر أن عقدته الاكبر لا تزال "حركة أحرار الشام" السلفية التي ترفض الانضمام إلى الجبهة الأوسع "هيئة تحرير الشام".

ومع ذلك، يرى الكاتب أن المشروع الجهادي الطويل الآمد ل" القاعدة " في سوريا يشهد تحدياً غير مسبوق بسبب إصرار المجتمع الدولي في الوقت الراهن على التوصل إلى حل للأزمة السورية، كما أن محاربة "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية باتت تهيمن على صناع السياسة في الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن تركيز "القاعدة" على تنفيذ جدول أعماله الوطني في سوريا وبخاصة مهاجمة الجماعات المنافسة وتدميرها، يجعل التنظيم قادراً على الدفاع عن وجوده بصورة فاعلة

الى ذلك، يحظى موقف "القاعدة" المتشدد إزاء ضرورة محاربة نظام الأسد بتأييد من المعارضة المسلحة والمدنية داخل سوريا، ويكسبها صدقية على حساب الجماعات الأخرى التي تقبل التفاوض مع نظام الأسد لتحقيق السلام. وفي الوقت نفسه، تعمد "هيئة تحرير الشام " إلى تأطير الصراع في سوريا بأنه بين السنة والشيعة. ومع انسحاب معظم جماعات المعارضة المسلحة من أرض المعركة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، نجح "القاعدة" في تقديم نفسه على أنه النموذج الوحيد المستدام في المعركة التي بدأها السوريون في انتفاضتهم ضد نظام الأسد .
Monalisa.freiha@annahar.com.lb
Twitter: @monalisaf

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard