وحده الإنسان المملّ يملّ في باريس

23 آذار 2017 | 10:45

ستّة عشر خطًّا ملوّنًا تضمّ من الوجوه الحالمة والنظرات المستعجلة ما لا عدّ له ولا حصر. ستّة عشر خطًّا حديديًّا تمرّ بقلب باريس أو بـ"أمعائها" كما يسمّيها إميل زولا في رائعته Les Rougon-Macquart.

منذ العام 1900 يجوب المتروبوليتان metropolitain أي المترو باريس من الخامسة والنصف صباحًا حتّى الأولى والربع من صباح اليوم التالي. أناس مستغرقون في قراءة الجرائد، آخرون يقرأون كتبهم، إلى جانبهم شبّان يلعبون الكاندي كراش على هواتفهم الذكيّة. الجميع مشغول. الجميع مستعجل.
ذهاب وإياب، ووجوه بالملايين تدخل وتخرج كلّ يوم. تغيّرت المحطّات، تغيّرت السكك، تطوّرت الأمور، توسّعَت الأنفاق، استُحِدثت القطارات، هُدمَت طُرق ثمّ أعيد إعمارها. قرن بكامله مرّ. حربان عالميّتان. إنتخابات ورؤساء ووزراء والمترو صامد. حياة حديديّة بأكملها تدور أسفل باريس وباريس غافلة عنها، باريس مستغرقة في حياة المتاحف ودور الأوبرا والمسارح تحت مطر رماديّ خفيف.

المترو مهرجان ثقافيّ لا مثيل له. لوح ضخم من الإعلانات يقدّم إليك في دقائق انتظارك أفكارًا عن مشاريع لأمسياتك المقبلة. كأنّه "غوغل" عصريّ يقفز إليك بدلاً من أن تجوبه أنت. تجد نفسك على حين غفلة في بؤرة عروض ومسرحيّات وحفلات ومناسبات وأفلام. كيفما نظرتَ وجدتَ إعلانًا عن عملٍ فنّي، كيفما تطلّعت وجدت عازفًا أو راقصة أو كوميديًّا، فتقرأ وتصوّر وتسجّل التفاصيل وتقرّر أن تشاهد عرضًا ما.

تشاهد العروض وتشكر المترو. تشاهد المسرحيّات وتشعر بنشوة لا مثيل لها. كأنّك في حلم. كأنّك وجدتَ انتماءك في هذه المدينة الهائلة. تعود راكضًا من أمسيتك إلى جانب المراهقين والشباب الخارجين من البارات، تركضون جميعكم إلى أقرب محطّة للّحاق بالمترو الأخير قبل مروره. فبعد الأولى والربع احتمالان: إمّا النوم قرب المترو في انتظار استيقاظه صباح اليوم التالي، وإمّا طلب تاكسي قد تكلّف أجرته ثمن الأمسية بأكملها.
المترو سوق سوداء. تضع بطاقتك أمام آلة الدخول لتُفتح لك الأبواب فتجد فجأة جسدًا يلتصق بجسدك من الخلف ويستعجلك. تستدير لترى سبب الذي يجري خلفك، فإذ بك تدرك أنّ الملتصق بك إنّما يتّخذك ذريعة بشريّة ليتمكّن من الدخول خلفك بلا بطاقة. فتصبح "غصبًا عنك" مشاركًا في عمليّة تهريب بشريّة إلى داخل المترو المزمجر.

قصص المترو وأهله وهذه المدينة السفلى، قصص لا تنتهي. لا يمكنك أن تملّ في باريس. وحده الذي لا يملك الفضول يملّ. وحده المملّ يملّ. باريس دوّامة فنّ، حتّى المترو الذي يتّهمونه بأقبح التُهم ويلصقون به أسفل الصفات، يشكّل منهل أفكار لأمسيات "غريبة عجيبة". لا يمكنك أن تغلق عينيك في المترو. هناك دومًا شيء لتقرأه، لتكتشفه؛ إعلان لتبحث عنه "أولاين" وتحجز لنفسك فيه مقعدًا. فباريس لا تستسلم. لا تتردّد.
باريس لديها دائمًا شيء لتقوله.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard