في بزيزا...

20 آذار 2017 | 13:02

المصدر: "النهار"

في نهاية كلّ أسبوع، أنضمّ إلى الطبيعة، أياً تكن أحوال الطقس، زمهريراً وصقيعاً ورعوداً وأمطاراً وعواصف، أو لطفاً يشبه اللطف الأوركسترالي الصوفي المرئي النفسي، ويتماهي فيه.

لا بدّ من يومٍ واحدٍ في الأقلّ أمضيه فيها، في الطبيعة، هناك، متنازلاً عن كلّ شيء، راجعاً إلى كلّ شيء، مختصراً كلّ شيء، هاشلاً، مبتعداً، منصتاً، مشاركاً في فعلٍ ينتمي حصراً إلى أفعال الألوهة.
لا شروط البتّة أضعها على الطبيعة. أنا فقط أستسلم لها، وأعطيها نفسي.



في الشتاء الأهوَج، أعثر فيها على ما تبعثر من كينونتي منذ الولادة. وكم أحبّ مثل هذا الشتاء الأهوَج!
في الفصول الأخرى يطيب لي أن ألتئم، مثلما يلتئم الهواء في الهواء، ومثلما يسترجع القمر ما فاته من تأوّه السماء.
ليل الجمعة - السبت، ذهبتُ إلى مسقطي، كعادتي كلّ أسبوع، من أجل أن أخلو.
من أجل الخلوّ، نعم. إذ لا شيء من شأنه أن يُدنيني من الذات المطلقة، إلى حدّ الامحاء فيها، مثل الرجوع إلى رأسي. نعم، الرجوع إلى الرأس.
ليس من باب المصادفة أن تُطلَق عبارة "مسقط الرأس" على المكان الأول، حيث هناك فقط، يرتعش الوجود ارتعاشاً كيانياً، لحظة خروج الرأس من رحم الأمومة إلى رحم الطبيعة الأوسع.



في كلّ ليل، ليل الاحتفال بالجمعة – السبت، يلذّ لي بعد المنتصف، وفي الهزيع الأخير منه، يلذّ ليّ أن أتخيّل عمل الخلق، بعينين لا تريدان الرؤية الحسية، بل الانتماء والاندماج.
ليس في مقدوري أن أعرف شعور الآخرين حيال هذا الموضوع، لكني أعرف أني أصير، وأُمسي في كلّ شيء، جزءاً لا يتجزأ من هذا الوجود الكلياني اللامتناهي الغبطة.



ثمّ، في الصباح المبكر، تمنحني القهوة في الجنينة، أن أتدرّج في المعرفة، معرفة ما لا يُعرَف بالعقل، ولا بالقول، ولا بالتفسير الفلسفي.
أصرخ آنئذٍ بملء كياني، لكن من دون صوتٍ أو ضجيج: أنا أعرف هذا الجمال، أنا أعرف هذا الحبّ.
إذا ثمّة إله – صدِّقوني - فلا بدّ من أن يكون منسرباً فيهما، في هذين الجمال والحبّ.
أنا أعرفهما. أنا أعرف، إذاً أنا موجود.



يطيب لي في المرفق، أن أنقل إلى صديقاتي وأصدقائي القرّاء، شيئاً من هذه المعرفة المشهدية التي جنيتُها في احتفال الجمعة – السبت هذا.
صدِّقوني، إذا كنتم تبحثون عن سعادةٍ ما، سعادة غير آفلة، فينبغي لكم أن تبحثوا عنها في أمكنةٍ كهذا المكان، وفي خلوٍّ كهذا الخلوّ إلى مسقط الرأس، وفي اتحادٍ مع الذات المطلة كهذا الاتحاد.
صدِّقوني فقط!


akl.awit@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني