لبنان في مِجهَر الكائنات الفضائية

16 آذار 2017 | 10:39

المصدر: "النهار"

صورة مركّبة من صورتين مصدرهما الانترنت.

في دراسةٍ سريّة للغاية تبيّن أن كائنات فضائية غريبة من كوكب "طايفة 19" ترصُد باهتمامٍ بالغ دولة صغيرة متوسطية اسمها "لبنان". ووفق ما تردّد أن هذه المخلوقات استطاعت دراسة معظم دول الكرة الأرضية وشعوبها في ثلاثة أيام عبر تلسكوبات عالية الدقة وميكروسكوبات وماسحات ضوئية "بتفلّي القملة"، والهدف إيجاد كوكب بديل تستوطنه نتيجة تراكم نفايات بركانية ستقضي لديها على كُلّ أملٍ بالحياة. غير أنّ عَثرةً برزَت لم تكُن في الحِسبان، فثمّة بلدٌ استعصى على تقنيات هذه الكائناتِ الشديدة التطوّر و"دوّخَ" كبار علمائها؛ #لبنان! عَكَفت هذه الكائنات على دراسة ظاهرة بلد العجائب هذا، ففوجئت بأنّ هذا البلد الصغير المساحة (10.452كم2) صدّر الحَرف إلى العالم ووصلت سفنُه إلى أقاصي الأرض، وشَغل الدُّنيا، ولا يزال، "بهالكَمْ أرزة"، و #ميريام_كلينك و"غولها" في الوقت بدلاً من ضائع، والكلب "ماكس" "يُقبرني كسمك"، و"برمودا" البَرّ "بريتال".

وهنا كانت هذه الكائنات لا تُشبهُ "إي تي" سبيلبيرغ، بل تحتفظُ بشَعْرها ودِماغها داخل رأسها وعيونٍ طبيعية حتى صُعِقت بخَبرٍ فاتَ "يوسف قليقل" أدى إلى هرّ شَعرها، وهو أن ذا الثلاثة ملايين نسمة يستضيف مليون ونصف مليون شخص مع وجود مسبق لأكثر من مليون لاجئ ناهيك بجنسيات أخرى متعددة. وهو، هذا البلد، يضمّ ثماني عشرة طائفة بثمانية عشر رأياً وفكراً. وهنا، أخَذ نَفَسُ هذه الكائنات يضيق وجلدُها الأخضر يتعرّق، فهي من جنس واحد وفصيلة واحدة وشعب واحد وبالكاد تتعايش في سلام! بدأت تتبادل النظرات المُرتابة وغاصت أكثر في أحواله وأعماقه، فاكتشفت أن هذا البلد عانى اضطهادات ومجاعات وحروباً أهلية وخارجية ومذهبية مدة ثلاثين سنة، لكنّ هذا لم يتبدَّ لها في ما عاينته وتلمّسته لا سيما أن مواطنيه من مختلف الطوائف يتعايشون معاً ويتخالطون يومياً ويحتسون الشاي والخمرة، وعمارته جدّ متطورة هندسياً، ومُدنُه تعجُّ بالحياة والسهر وتصل الليل بالنهار. حيرتُها ودهشتُها ازدادتا، فاستقدمت مزيداً من العلماء، وتابعت تنقيبها وتفحُّصها وسجّلت ملاحظاتها التالية:

- مع كلّ شتوة تتحوّل طرقاته بحيرات، والمفارقة أن المياه تدخل البيوت من الأبواب لا من القساطل؛ مطرٌ و"سيتيرنات" المياه تملأ خزّانات البيوت الفارغة! وتوأمُ الشتوة زحمة السير الخانقة، فيمضي المواطنون ساعات وساعات مسجونين لا حيلة لهم غير الشكوى لله. والمَهزلةُ تصلُ إلى ذُروتها مع مرور مواكب سوداء تُعربش على كل من يصدُف عدم تنبّهه لأنصاف الآلهة، فينهرونه ويُهدِّدونه ويسبّونه ولاد الأوادم، وهو يلهجُ بأيوب وآيات الصبر.
- فراغ رئاسي لسنتين ونصف السنة واللبناني "مُش فارقه معاه" والبلد "ماشي" لورا أو لقدّام سواء، المهمّ بيته بخير و"جحا مش أحسن منّو". وعمَّ سيَسأل وهو وحيد في هذه الرمال المتحرّكة يُصارع البقاء؟ وهل من يركب البحر يخشى من الغرق؟!

- النُّفايات والزُبالة تكدّست في الطرقات والشوارع وتَقمَّمت فيما الجبال تُنهش والأخضر يُقتلع، ولا من مسؤول خَجِل واستقال إذ النظافة عندهم هي نظافة جيوب الشعب! لا بل الأنكى أن مجلس النواب مدّد لنفسه، ورُشّحوا لجائزة "نوبل" للشفافية والنزاهة.

- يُعيد اللبنانيون انتخاب الطبقة السياسية عينها منذ ثلاثين سنة على كفاياتها: حروب أهلية، تهجير الشعب وسرقة مقدَّراته وتجويعه، حرمانه من أبسط حقوقه المدنية والاجتماعية، إثارة الفتن والغرائز، بطالة، ضرائب باهظة، لا كهرباء ولا مياه، لا ضمان شيخوخة، لا طبابة واستشفاء...إلخ.
استطالَت رؤوسُ هؤلاء الفضائيين وجحظَت عيونهم بعدما أعيتهُم تركيبة دماغ اللبناني وقدرته على الانبعاث رغم أنهم لم يُتح لهم رؤية طائر الفينيق، لحين اكتشافهم الجُرعات السحرية وما تكتنهَهُ: "التبولة" الخضراء، وكأس العرق الأبيض، والحشيشة الصافية؛ هذا الثالوث المقدس أبهر هذه الكائنات، ولا سيما منها الحشيشة ومفعولها الصاروخي الذي لم يعرفوا مثيله، وبعضهم حتّى آثَرَ البقاء لاعنًا الفضاء بكواكبه ومجرّاته.

وقفَتْ هذه الكائنات مذهولةً أمام هذا "اللبنان"، الذي يبدو أنه يدور وحيداً بخلاف دوران الأرض أو خارجها ربّما، وكأنّه، كما يُؤشّرُ شكلُ خريطته، مفتاحَ هذه الأرض. وشعبُه الشعبُ الوحيد الذي يُخالف المنطق ويستمرّ، ويُعاكس الجاذبية بحيث "كيف ما بتكبّو بيجي واقف". عجزت عقولها عن مجاراة عقل اللبناني "المليون"، وانهزمت عزيمتها شرّ هزيمة أمام عزيمة أحفاد الفينيقيين الفولاذ.
لملمَ أفراد فريق هذه المخلوقات الغريبة شَتاتهم وجرجروا وراءهم أذيال الخيبة ورجعوا إلى مَركبتهم للعودة إلى كوكبهم شاكرين ربّهم على مصيبتهم ومقتنعين بأن حلّ أزمتهم سهلٌ "مِتل شِربة المَي" لو قيس بأزمات اللبنانيين، وشكروا الشعب اللبناني على جُرعة الأمل والصمود التي أمدّهم بها وسلّموه "مفتاح" كوكبهم "الطايفة 19" عربون شكر. فيما رافقهم وفد لبناني وحمّلهم كم أرزة ومنقوشة زعتر ولبنة بلدية وزيت زيتون دليل حُسن ضيافة.
واتّفق الطرفان على تبادل السفراء مستقبلاً وتوطيد علاقة حُسن الجوار.

(ملاحظة سريعة: كل المعلومات الواردة في المقالة هي من نسيج الواقع ولا تمتّ للخيال بصلة).

charbel.abimansour@annahar.com.lb
Twitter: @abimansourc

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard