14 آذار: انطفأ الفجر

13 آذار 2017 | 19:00

المصدر: "النهار"

أرشيف "النهار".

اشتعلت حماسة القلب، جاعلة حبّ الحياة ممكناً والتمسّك بالوطن وفاء جميلاً. كنا تلميذات مشاغبات، يستميلنا التحدّي فنخوضه بطيش ورغبة. طالنا الانقسام. في الصفّ، أيّد البعض خطاً نقيضاً لخطّ الآخر، رغم تأنيب المعلّمة: "يا فتيات، اهتمِمْنَ بالدرس! دَعْن القضايا جانباً". المعلّمة نفسها، انهارت أمام صدمة استشهاد الرئيس رفيق #الحريري، وحين استفاقت قدّمت بدمع العين درساً عن حبّ #بيروت له ورمزيته الوطنية. مَرّ الوقت. حلَّ الملل عوض الأمل. وانطفأ الفجر.

كنا سذّجاً في السياسة وتقلّبات ثعالبها، فلم يُشغلنا قلق المستقبل. تفوّق المشهد بحضوره وإبهاره، مشهد الأمل الصافي، ممارساً سحراً لذيذاً أمام بريق عيون خائفة. ملايين. صرخات. علم. وولادة لبنانية جديدة للمرة الأولى. ساحرة محنّكة، هي اللحظة. آسرة بذهولها. قوية بمحاكاة الحلم ومنحه أجنحة فيحلّق عالياً. راقبتُها من بعيد. من استحالة وجود المرء، في أحيان، حيث يشاء. ملأتني فاستعدتُ الروح التائهة. الهتاف وصداه. اتساع المساحة وغرقها. الفرح والزوال. والقَسَم الجبراني مرفرفاً في المكان، ملوّحاً لغد حقيقي، لوطن من إنسان. قُتل وقُتلت الحقيقة.


ماذا بقي؟ تعلمون الجواب: لا شيء. لا شيء. بعد آمال عظمى ورهانات كبرى، في الغالب، نُربّي الخيبات. حلمٌ حملنا إلى طبقات منعشة في الهواء، ورمانا فقاقيع معزولة. كنا شباباً مضيئاً، نطارد الحرية في الينبوع والعصفور، نلعب بالألوان. كنا نيران المواقد. ونحن اليوم هذا الرماد. بتعبه ولامبالاته وملله من الناس. وقعنا ضحايا أزلام خنقوا الأحلام. خذلوها. افترسوها تحت أضواء الكاميرا. وادّعوا العكس. خذلان وإنكار. هزيمة وعجز. جعلونا لا نستحقّ #14_آذار. ولا صدق صرخاتها وضمائرها المُغتَالة. من حلم إلى مؤسسة منهكة، نائمة، لا يوقظها صياح ديك ولا تسلّل صباح. ملّت الشمس سكب أشعّتها فوق جبال أوهام رومانسية. مَن صنعوا نُبل التظاهرة رحلوا تاركين الوفاء يتيماً. دعكَ من الشعار والخطاب. من المعزوفة القديمة المتعلّقة بالبقاء والنضال. دعكَ من ضجيج الترّهات وتراشق المسؤولية. أُسدلت الستارة على عرضٍ بدأ مؤثراً وانتهى بصفعة. يقف الجمهور في نهايته مكتوف الأيدي، لا يصفّق. يعانق الخيبة ويمضي بلا وُجهة.


fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard