ستة أيام سينمائية في الدوحة شعارها لقاء الأجيال

12 آذار 2017 | 16:22

المصدر: "النهار"

صباحات "قمرة".

ستة أيام سينمائية في #الدوحة انتهت الأربعاء الماضي. نتحدّث عن لقاء "قمرة"، الذي يأخد من العاصمة القطرية فسحة له منذ ثلاث سنوات، وهو من تنظيم "مؤسسة دوحة للأفلام" المنطلقة قبل سبع سنوات في بلد لا يملك تراثاً في هذا المجال، وكذلك في سائر الفنون الحديثة. هذه المرة الثالثة تغطي فيها "النهار" هذا النشاط الذي يقتصر، في المقام الأول، على تطوير المشاريع الأولى والثانية لمخرجين شباب، ويتيح اللقاء بينهم وبين أصحاب القرار والخبرة في مجالات عدة، منها الصناعة والتمويل والعرض. إلا أنّ الحدث الأبرز مع مرّ الزمن بات مشاركة سينمائيين يعرّفهم "قمرة" بالـ"ماسترز". يلتقي هؤلاء بالمواهب الفتية الطامحة إلى صناعة #سينما تعبّر عن هواجسه، كما إنهم يقدّمون ندوات على هامش رعايتهم تلك المواهب. فبعد التركي نوري بيلغي جيلان والروسي ألكسندر سوكوروف واليابانية ناومي كواسي والأميركي جيمس شايموس في العام الماضي، أعطى "قمرة" هذه السنة الكلمة لـ 6 سينمائيين بارزين: الفرنسي برونو دومون والكمبودي (الفرنسي) ريثي بان والبرتغالي باولو برانكو (انتاج) والأرجنتينية لوكريسيا مارتل، وأخيراً لا آخراً الإيراني أصغر فرهادي الذي لم يستطع الحضور إلى الدوحة بسبب وجوده في اسبانيا، حيث يستعد لتصوير جديده مع خافيير بارديم وبينيلوبي كروز في الصيف المقبل، ورغم غيابه الجسدي، التزم تقديم درسه السينمائي فالتقى الإعلام والضيوف عبر "سكايب". كلّ من هؤلاء الـ"ماسترز"، جاء محمّلاً تجربته ومتأبطاً سنوات طويلة من الاشتغال على مواقع التصوير.

خلال ماستركلاس فرهادي عبر "سكايب".

مشاريع 25 فيلماً طويلاً و9 أفلام قصيرة شاركت في "قمرة". الهدف من وجود أصحابها هنا: التواصل مع بعض الذين لهم "تاريخ" في تطوير الأفلام. تأتي اللقاءات بين الطرفين في إطار اجتماعات عمل ودورات تدريبية صُممت خصيصاً لتلبية حاجات هذه المشاريع. ثمة مشاريع في مرحلة التطوير ومشاريع في مرحلة ما بعد الإنتاج ومشاريع في مرحلة ما بعد انتهاء مونتاج الصورة. "مؤسسة الدوحة للأفلام" تدعم أيضاً أفلاماً من المنطقة والعالم، ومع "البائع المتجول" لفرهادي، تكون قد "فازت" بأول "أوسكار" في تاريخها الفتي، كون الفيلم مموّلاً جزئياً برأس مال قطري. لقاء "قمرة" هو أيضاً مناسبة لإلقاء نظرة على الأفلام التي تلقّت دعماً من هذه المؤسسة التي تعمل بجدية لسينما المنطقة، على الرغم من المحظورات السياسية والقيود الدينية والاجتماعية التي ينبغي التحايل عليها في بلد ذي حكم اسلامي. من هذه الأفلام: "الكلاب" لبوغدان فلودريان ميريكا و"ميموزا" لأوليفر لاكس، و"ربيع" لفاتشيه بولغورجيان الذي سيفتتح "أيام بيروت السينمائية" الأسبوع المقبل.

إيليا سليمان، المستشار الفني لـ"قمرة"، موجود طوال الأيام الستّة في كلّ الأمكنة والنشاطات، مصطحباً الضيوف الكبار حتى إلى المطعم في جلسات حميمية، حيث هاجس واضح من المنظمين إلى تقريب الناس بعضهم من البعض الآخر. يمنح سليمان شرعية دولية لحدث محلي، هو الذي فاز في #مهرجان_كانّ ولفّت أفلامه العالم. السنة الماضية، حين سألته كيف يعيش هذه اللقاءات بين سينمائيين من أجيال مختلفة، قال إنّه سعيدٌ جداً بهذا اللقاء الذي ولد على مرأى منه. "المبدأ أن يتحقق التواصل، ليس معي شخصياً، بل تواصل السينمائيين مع بعضهم البعض. ما أردته هو أن أسهّل للمخرجين الجدد الدرب، فلا يشعرون بالعزلة وعدم معرفة أيّ طريق هي التي ينبغي أن تُسلك. أردتُ مكاناً يجمعهم، مع إمكان التمويل والمساعدة. هذا "قُمرة". أصبح الأمر ممكناً بعد بلوغي هذه السنّ. منذ فترة طويلة وأنا أقوم بجلسات "ماستركلاس". ومنذ الفيلم الثاني، ملأتني رغبةٌ بأن أشارك مَن هم أصغر سناً مني بعضاً من تجربتي. أُتيحَت الفرصة بأن يتحقق هذا بشكل مُركّز وأوسع في "قُمرة"، فلم أستطع الرفض".

برونو دومون في متحف الفنّ الإسلامي.

كان الدرس الذي أعطاه فرهادي بليغاً جداً، على الرغم من غيابه الجسدي والاكتفاء بالإطلاله عبر الشاشة. هذه أول اطلالة له على الصحافة بعد فوزه بالـ"أوسكار". ردّ المخرج الإيراني على أسئلة الأميركي ريتشارد بنيا وتحدّث عن تقنيات السرد وإدارة الممثل ومحظورات السينما الإيرانية، وتطرّق إلى الينابيع التي ينهل منها، مسرحاً وأدباً وشعراً، متوقفاً عند ثلاثة من أهم أفلامه: "عن ايلي" (٢٠٠٩)، "انفصال" (٢٠١١) و"البائع المتجول" (٢٠١٦). من أبرز ما قاله عن عمله مع الممثلين: "مهمتي في موقع التصوير هي أن أقول للممثل ما يجب أن يتجنّبه بدلاً من أن أقول له ما يجب أن يفعله". عن الكتابة، قال فردهادي، أنّ ثمة شقّين فيها: شقّ يعيه وشقّ لا يعيه. في رأيه، أنّ لكلّ واحد منا رصيد هائل في داخله، وهذا الرصيد هو اللاوعي، فكلّ ما نحتاج لدخوله هو كلمة مرور. ذكر أنه يُسدي طلابه دائماً هذه النصيحة: طوِّروا لاوعيكم وثقوا به. في مجال الصورة، روى أنّ ما يتوقّعه من مدير التصوير هو ألا يجعله يحسّ بالإضاءة أو بحركة الكاميرا، فعلّق: أليست فكرة السينما هي أن تقول لنا "هذه حياة لا مجرد فيلم"؟ كشف أنّه لم يلحظ تعامله مع أناس من الطبقة الوسطى إلا بعدما أتمم فيلمه الثالث. عن هذه الطبقة، قال: "في فرنسا، إذا تكلمتَ عن البورجوازية، فسيتداخل المستويان، المستوى الاقتصادي والمستوى الثقافي. إذا زرتَ منزل عائلة تنتمي إلى البورجوازية، فتوقع أن تجد على الجدران لوحات معينة. في إيران، هذان المستويان غير مرتبطين أحدهما بالآخر. قد تدخل إلى منزل كبار الأثرياء، ولا ترى فيه أي ثراء". شدّد أنّه ليس من الضرورة أن يتصارع في أفلامه الخير مع الشر للوصول إلى خلاصة مفادها أنّ أحد الطرفين مخطئ والآخر محقّ. فهذا الأمر تعلّمه من الشاعر الفارسي أبو قاسم الفردوسي. وانتهت المحاضرة بقوله إنه متأكد من أنه إذا تم اختيار مخرج عظيم في #هوليوود والإتيان به إلى إيران، فلن يستطيع تصوير مشهد واحد كالمَشاهد التي يصوّرها والتي يتم فيها التحايل على الرقابة والمحظورات الدينية كارتداء الحجاب، إلخ، لأنّ هذا المخرج خارج تلك الثقافة.

في جلسة المخرج الفرنسي القدير برونو دومون الذي عرض "ما لوت" في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ، تم تقديم مقاربة أكثر فلسفية للسينما. فدومون، صاحب الأفلام الجريئة والمتنوّعة، بدأ في حياته المهنية وهو ينجز شرائط لماركات تجارية، ثم طوّر نظرته إلى الفن السابع بشكل كبير. فهو لم سلك الدرب التقليدية، أي أنّه لم يشغل منصب مساعد المخرج قبل الانتقال إلى خلف الكاميرا بمفرده. روى كيف أنّ الأفلام الصناعية جعلته يميل إلى الممثلين غير المحترفين بدلاً من النجوم، حتى تاريخ إنجازه "كاميّ كلوديل" مع جولييت بينوش. غاص دومون في أساليب عمله خلال التصوير وكيف يتكيّف مع الظروف، وغالباً ما يكتفي بالمتوافر من الإمكانات ولا يطلب المزيد.

ريثي بان يتحدث عن عمله.

باولو برانكو، المنتج البرتغالي المقيم في فرنسا، أمتعنا من جانبه بحديث متدفّق يجمع بين الطرافة والنصيحة. تكلّم بكرم شديد عن تعاونه مع إثنين من كبار السينمائيين الأوروبيين: الراحلان مانويل دو أوليفيرا وراوول رويز. برانكو الذي في سجلّه أكثر من 300 فيلم من إنتاجه (يقال أنه صاحب أكبر عدد من الأفلام المشاركة في مسابقة مهرجان كانّ)، أحيا من جديد مسيرة أوليفيرا التي كانت تتعرّض للأفول في الثمانينات. روى عدداً من الخبريات الجانبية التي أغنت جلسته (سننشر التفاصيل قريباً في مقابلة خاصة معه)، فعلمنا مثلاً أنّ فيلم أوليفيرا "أعود إلى البيت" مستوحى من حادثة حصلت أثناء تصوير أحد أفلامه، إذ قرّر الممثل الرئيسي مغادرة الفيلم في منتصفه، فعاد أوليفيرا واستوحى منها حبكة "أعود إلى المنزل"، حيث نرى ميشال بيكولي يتخلى عن المسرحية التي يقدّمها ويعود إلى بيته.

أخيراً، للسنة الثانية توالياًَ، كانت لنا محطة مضية مع سينمائي ذاع صيته في مجال الوثائقي. فبعد الأميركي جوشوا أوبنهايمر، صاحب "فعل القتل" و"نظرة الصمت"، تمت استضافة المخرج الكمبودي ريثي بان الذي عاد بنا إلى أفلامه البارزة، وأهمها "أس 21: آلة موت الخمير الحمر" و"الصورة الناقصة"؛ عملان يغوصان في موضوعه الآثر، الخمير الحمر الذين طبعوا ذاكرته، فهو معتقل سابق في سجون هذه المنظمة الإجرامية، إلا أنّه عرف كيف يوظّف تجربته في خدمة سينما لا تتنازل عن حقّها في تسمية الأمور بمسمياتها، لا بل تفكّك الفكر الذي يبيح القتل، لطرح تبعات هذه المرحلة على الإنسان الكمبودي، متعاملة مع الأسباب أكثر من التعامل مع النتائج.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard