منذ سنوات عندما بدأت نشاطي السياسي والمدني وكنت من أشدّ الرافضين لمبدأ الكوتا النسائية، فلمَ الكوتا؟ وجودها هو اعتراف بوجود نقص لدى المرأة مقابل الرجل، وهو اعتراف بأنها بحاجة الى دعم لكي تصل الى مراكز صنع القرار. وعندما انتسبت الى "لادي" Lade لطالما تناقشت مع زملائي وزميلاتي حول هذا الموضوع إلا ان التجارب والحجج التي سمعتها غيّرت وجهة نظري تماماً.

وربما كانت النقطة المفصلية في بدء هذا التغيير عندما سألت نفسي لم لا تتمثل المرأة في السياسة كما يجب في لبنان؟ وحاولت الإجابة عن هذا السؤال بتمعّن وبدأت أعايش أسبابه يومياً.
أول صدمة سياسية في هذا المجال (إذ لصدماتي السياسية في مجالات أخرى أحاديث تطول) كانت عندما قال لي أحد النواب في العام 2010 قبيل الانتخابات البلدية وهو نائب ينتمي الى "التيار الوطني الحر": "ما عنا نسوان حابة تترشح شو منرشحهن بالقوة؟"، صدمت لأنني عايشت تجربة التيار في الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني – كلية الحقوق والتي ترأست هيئتها الطالبية فتيات طموحات. فكان ثمة فتيات طموحات لمرات عدة وحيث كانت القاعدة نسائية بأكثريتها، فكنت أتساءل، أين تسربت تلك الفتيات؟ أين أصبحن اليوم؟ هل حقاً لا يملك التيار او غيره كوادر نسائية يمكن ترشيحها؟
وبعدها أتى مشروع قانون الانتخاب الذي صدر عن حكومة نجيب ميقاتي في العام 2013 ليشترط وجود امرأة واحدة على الاقل في كل لائحة تترشح وفقاً للنظام النسبي المقترح، وفي دهاليز نقاش هذا القانون قال لنا حينها أحد الوزراء المحسوبين من ضمن حصة رئيس الجمهورية ميشال سليمان آنذاك ان هذا "الانجاز" انتزع من الوزراء انتزاعاً للحفاظ على ماء الوجه فقط لا غير،في وقت أن الوزراء الممثلين للكتل السياسية كافة في حينه كانوا رافضين له وعبروا في جلسة مجلس الوزراء التي ناقشت هذا الموضوع عن استخفافهم بهذا المطلب:امرأة واحدة فقط في كل لائحة!
قصة حقوق المرأة السياسية مع "رجال" السياسة في لبنان تطول، وهي تعكس أيضاً واقع مجتمع ذكوريبامتياز برجاله ونسائه يحدد أدواراً نمطية لكل فرد فيه ويصعّب حياة من يقرر الخروج عن المألوف.

شخصيا بدأت ألمس صعوبة العمل السياسي للمرأة عندما أصبحت أماً وناشطة سياسية ومدنية في الوقتنفسه، فكان الخيار بين البقاء في المنزل مع العائلة والاولاد أو بين المشاركة في اجتماع متأخر حول قانون الانتخاب؟ ويبدو الخيار للبعض بديهياً وهو البقاء الى جانب العائلة ولكن بدأت أتساءل هل يطلب من الرجل القيام بخيار كهذا؟ هل ألغى يوماً رجل سياسي اجتماعاًله للبقاء مع اطفاله؟ وحين تختار المرأة العمل السياسي ألا تلام وتتهم بإهمال عائلتها وبيتها واولادها؟

من يحدد الأولويات بالنسبة إلى المرأة وعملها السياسي؟
كل يوم تواجه المرأة التي ترغب في خوض غمار السياسة خيارات صعبة بين الأدوار التي حددت لها وبين طموحها السياسي. خيارات لا يواجهها الرجل أبداً أو على الأقل بوتيرة أقل بكثير من المرأة، ويحاط بالدعم لما يقوم به ولا يلام للتخلي عن أدواره.
كل يوم تواجه المرأة التي ترغب في عيش مواطنيتها بالكامل هذه الخيارات.
لماذا، إذاً، الكوتا النسائية في القانون؟

لأننا نريد تغيير مجتمع عاش لسنوات على تقسيم جندري للأدوار.
في لبنان تتمتع بعض النساء بالحرية ربما ولكن ليس بالحقوق، وشتّان بين الأمرين.
حتى حقّ المرأة برعاية أطفالها الذي يفترض أن يمنح لها في مجتمع قرّر أن دورها الاساس أن تكون أمّا، تحرم منه المرأة عندما تتجرأ على الانفصال عن الرجل. مجتمع يريد للمرأة أن تبقى فيه خاضعة لأهواء الرجل، وحاشى وكلا أن تتجرأ وتطلب المساواة معه في الحقوق، حقها بحضانة أولادها، بمنح أولادها الجنسية...إلخ، ومن سيمنح المرأة هذه الحقوق؟
نريد مواطنين ومواطنات في صناعة القرار لا يبدأون بالتعريف عن المرأة بأنها الأم التي ربت، والأخت التي رعت بل هي الفرد المتساوي في الحقوق والواجبات.
ولن تكسر هذه الحواجز الا عبر قانون يعتمد الكوتا النسائية، ويفرض تحسين التمثيل للمرأة التي تشكل في لبنان أكثرية الهيئة الناخبة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard