برلين ٦٧- "فيليسيته" الحائز على "الدبّ الفضة": كلّ هذا العنف!

18 شباط 2017 | 20:04

المخرج الفرنسي السينيغالي ألان غومي يحلّ ضيفاً على #مهرجان_برلين (٩ - ١٩ الجاري) بفيلم "فيليسيته" (حاز على "الدبّ الفضة") المشارك في مسابقة الدورة السابعة والستين التي تنتهي الأحد بعد توزيع الجوائز مساء السبت. العمل إشكالي في طبيعته، ذلك أنه يحمل العوارض التي يحملها عدد كبير من الأفلام الراهنة المشغولة بتقنيات الديجيتال. هذه التقنيات المتاحة لأكبر عدد، جعلت الأفلام أكثر طولاً، لكنه طول بلا طائل. فالفيلم الذي كان طوله سابقاً ساعة ونصف الساعة، أصبح الآن ساعة و٤٥ دقيقة، وهكذا. دراما يائسة مثل "فيليسيته"، تستفيض في مشاهد تأكيدية، لاثبات الشيء لا لتصويره، فتعود وتتكرّر تلك المشاهد بلا إضافة حقيقية سوى الرغبة في التأكيد على المأساة وتضخيم ملامحها. وهذا أمر فاعليته مشكوك فيها. استطراداً، ثمة هذه السنة في برلين أفلام ذات خواتيم متعثّرة. يمكن السينمائي أن يضع نقطة انطلاق لفيلمه كيفما يريد، وأحدٌ لن يحاسبه على ذلك. في المقابل معظم الآراء حول فيلمه ستتوقّف على كيفية إظهار نهايته. هذا الرأي لا يشمل بالضرورة الأفلام الشاعرية أو تلك التي تراهن على المناخ لا القصة. المقصود هنا هو أعمال تفشل في تضييق العبارة، والنزول في الأشياء عمودياً، فنراها تلجأ إلى المعالجة الأفقية. خلاصة القول أنه ثمة فيلم جيد في "فيليسيته"، إلا أنه يحدث أن ينتهي بعد نحو ساعة من البداية، الباقي يجرجره غومي خلفه كجثة، ريثما يجد مكاناً لطمرها. صورة الجثة هنا تعبيرية، لا أعني بها القول إنّ الفيلم يفتقر المزايا، هي فقط للإشارة إلى فيلم يُغتال لقطة بعد لقطة.

تجري الحوادث في كينشاسا. فيليسيته مغنيّة يصدح صوتها في إحدى الحانات قبل أن ينتهي الحفل بعراك. هذه حال المدينة التي تعيش فيها: عنيفة، لا ترحم. كلّ هذا العنف على تفاصيل وجهها وفي سلوكها اليومي ونبرة صوتها. حياتها سلسلة لقطات متشابهة، تسير بلا مشكلات على ما يبدو، إلى اليوم الذي يتعرّض فيه ابنها ذو السنوات الـ١٤ لحادثة، فيُنقل إلى المستشفى حيث يرقد في انتظار أن يخضع لجراحة مكلفة لا تملك الأم المفجوعة ثمنها. ما سنتابعه بعد ذلك هو سعيها إلى جمع المال المطلوب لإجرائها ونهوض الابن.

غومي الذي سبق وعرض في مسابقة برلين قبل ٥ سنوات، فيلمه "اليوم"، يرسم هنا بورتريهاً لسيدة قوية تخترق الشاشة بحضورها الاستثنائي (تمثيل جبّار للكونغولية تشاندا بيا). تتشكّل الشخصية من عيّنات نسائية عدة يعرف غومي عدداً منها في الواقع. هي تحديداً المرأة التي لا تستسلم مهما حصل. فهذا الكاراكتير الصلب هو ما حضّه لإنجاز الفيلم. يقول: "كنت مهتماً بالديالكتيك الخاص بالنضال والقبول، وهذه تيمة خاصة بكلّ أفلامي". ثمة أيضاً قصة حقيية ألهمت غومي: أحد أولاد عمومه البالغ ١٧ عاماً، تعرّض لحادث سير. حصل خطأ طبي في المستشفى ففقد على إثره ساقه. مزج غومي رؤيته للمرأة الافريقية القوية بحكاية ابن عمه، فكان "فيليسيته": فيلم ينبض بالحياة، يرينا الأحوال المعيشية والاجتماعية والانسانية لواحدة من أفقر العواصم الافريقية، حيث الحياة والموت رهنا العشوائية. ينبغي القول إنّ الخلفية التي تتطوّر فيها الحوادث، ليست إيجابية البتة. لحسن الحظ، ثمة الموسيقى التي تضطلع بدور مهم، فإذا استطاعت فيليسيته أن ترى طرف النفق، فتساعدها الموسيقى والأغنيات التي تنشدها في ذلك، لبرهة. أما صمتها الحزين في النهاية، فهو أفظع ما في الفيلم، إذ يدخلها في متاهة الموت والقبول بالحتمية. فيليسيته سيدة نصف حيّة ونصف ميتة، كما تقول عن حقّ الممثلة التي تجسّد دورها. نراها تسير بكلّ أحزانها وآمالها وتصميمها على الحياة في الليل السينيغالي الحالك.

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard