قد يكون "التأهيل" ... "أبغَضْ الحلال"!

19 شباط 2017 | 00:09

المصدر: "النهار"

لـماذا الإختباء وراء الأصبع الأعوج، وتعمية الناس عن الـحقيقة الناصعة؟ الـجميع يعرف أنّ النظاميـن "النسبـي" و"الأكثـري" الـمبنيـيـن على اللوائح الفضفاضة والـمحادل الكاسـحة، يقضيان على الـتمثيل الصحيح، وعلى الـمناصفة الـحقيقية التـي تـحدّث عنها الدستور. ومع هذين النظاميـن تضيع العدالة والـمساواة التـي يرفع شعارهـما معظم السياسيـيــن، بعضهم لـمصلحة خاصة والبعض الآخر عن جهل أو عدم تقدير لعواقبهما.
لا يـمكن مجتمعاً طائفياً ومذهبـياً ومتعدّد الثقافة والـحضارة أن تتمثّل فيه الأقليات بأصواتـها الذاتية إذا تـمّ إعتماد اللوائح وفق النظاميـن الأكثـري أو النسـبـي. كل الـمعادلات الـحسابية والرقمية والـحسّية تُظهر بوضوح إستحالةْ تـحقيق التمثيل الصحيح لكل مكوّنات الـمجتمع بـهذين النظاميـن الـجائرين. ولكن، كل القوانيـن الـمطروحة، وعلى الرغم من سيئاتـها، تبقى أفضل وأعدل من قانون "الستيـن" الـمشؤوم. 28 نائباً فقط من أصل 64 يصلون بأصوات الـمسيحيـيـن، والباقـي تتقاسـمه أو ترجّـحه بقية الطوائف. وما دام النظام الإنتخابـي الطائفي الـمعمول به فـي لبنان يقسّم الـمرشحيـن إلى طوائف ومذاهب ومناطق، ويضمّهم فـي لوائح فارغة من أيّ برنامج موحّد، ومن أيّة رؤية موحّدة، (كما تفعل الأحزاب فـي دول العالـم الـمتحضّر) فهناك إستحالة فـي تـحقيق العدالة وتأميـن التمثيل الصحيح.

إن النظام "الـمختلط" الـمطروح بشقّه الأكثـري، لا يـختلف بشيء عن قانون "الستيـن" السيئ الذكر، لا بل هو نسخة طبق الأصل عنه. والنظام "النسبـي" فـي مـجتمعنا الـمنقسم، وتركيبتنا الطائفية الفاضحة، وبوجود الـخلــل الديـموغرافـي الكبيـر بيـن الـمسيحيـيـن والـمسلميـن، لا يعطي أيّ فرصة للمستقليـن وغيـر الـحزبيـيـن والعلمانيـيـن بالوصول إلى مجلس النواب. فالـمرشح غيـر الـحزبـي، وغيـر "الـمتموّل"، الذي لا يرضى عنه شيخ القبيلة وزعيم الطائفة أو الـحزب، لا يدخل إلى اللائـحة ولا يـمكنه أن يصل إلى جنة الـحكم مهما كان تـمثيله كبيـراً لدى الناس. فاللوائح الفضفاضة لا توصل نواباً ومـمثليـن حقيقيـيـن للشعب، بل أتباعاً وأزلاماً ومُصفِّقيـن.

لائحة واحدة

لا يـستطيع نظام "اللوائح" الأكثـري أو النسبـي أن يـحقّق الـمساواة والـمناصفة فـي غياب الأحزاب الوطنية اللاطائفية، وفـي غياب البـرامج والرؤى الـمستقبلية والتنموية. فإلى الذين يروّجون لـ"الـمختلط" نسأل: ما هو الفرق بيـن قانون "الستيـن" و"الـمختلط" بشقّه الأكثـري؟. أليست النتيجة واحدة فـي كل الدوائر؟. وأليست الوجوه نفسها التـي تعوّدنا على رؤيتها منذ عشرات السنيـن ستعود من جديد إلى مجلس النواب؟.
وإلى الذين يلهجون بـ"النسبية" كل يوم، نسأل: أليست النسبية هي إبنة الأحزاب والبـرامج والـمبادئ؟. مَن هي الأحزاب الوطنية العابرة للطوائف التـي ستعلن برنامـجاً موحّداً وتشكّل لوائح من مرشّحيـن ينسجمون مع مبادئها وأفكارها وتطلّعاتـها؟. كيف سيجتمع فـي لائحة واحدة مرشّحون يؤيدون سلاح "حزب الله"، مع آخرين ضد سلاح "الحزب" وكل سلاح خارج الشرعية؟. كيف سيجتمع فـي لائحة واحدة مرشحون مع "إعلان بعبدا" ومع سياسة النأي بالنفس وتحيـيد لبنان عن كل الصراعات والـمحاور، مع آخرين يؤيدون التدخّل فـي سوريا وفـي كل مكان تفرضه الإرادة الـخارجية؟. كيف سيجتمع فـي لائحة واحدة مرشحون يعلنون كل يوم أنـهم مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ويرفضون أيّ سلاح غيـر سلاحها وأيّ قانون غيـر قانونـها، مع آخرين لا تـهمّهم سيادة الدولة ويـخرقون كلّ يوم سيادتـها وهيبتها؟.
إن اللوائح التـي سيؤلّفها خـمسة أو ستة من زعماء طوائفنا على كامل الأراضي اللبنانية لن تضمّ فـي صفوفها إلاّ الأتباع والأزلام والـمحازبيـن، ولـن يدخل إلى جنّـتها الـمـمثلون الـحقيقيون فـي كل طائفة، ولا مـمثلو الـمجتمع الـمدنـي، ولـن تكون اللوائح إلاّ تقاسـماً للمقاعد وتوزيعاً للحصص بضغط وتأثـيـر وفرْض من أصحاب الأحجام الكبيـرة.

 

"الدائرة الفردية"
عندما طُرح "الـمشروع الأرثوذكسي"، "قامت القيامة ولـم تقعد"، ونُعتَ بأبشع أنواع النعوت، مع العلم أنّ هذا الـمشروع هو الوحيد الذي يعطي لكل طائفة حقّها ولكل أقلية مـمثليها الـحقيقيـيـن، وهو الـمشروع الوحيد الذي يؤمّن الـمناصفة الفعلية بيـن جناحَي الوطن. هذه الـمناصفة الفعلية ضرورية وأساسية لإضفاء الشرعية الـميثاقية على مجلس النواب الذي سيُعوَّل عليه لإقرار إلغاء الطائفية. وعندما طرحنا نظام "الدائرة الفردية" أو نظام "الصوت الواحد لـمرشح واحد" كـحلّ وسط، أغفلهما ورذلـهما معظم السياسيـيـن لأنـهما النظامان الوحيدان الـمُبهمَا النتائج، واللذان يؤمّنان نسبة مقبولة من التمثيل الصحيح.
نعم، معه حق السيّد حسن نصر الله عندما يقول ان النظام "النسبـي" يعطي كل فئة حجمها الـحقيقي. ولكن، كيف نطبّق الـمادة 24 من الدستور؟، وكيف نؤمّن الـمناصفة الحقيقية بيـن الـمسلميـن والـمسيحيـيـن ما دامت الأعداد والأحجام غيـر متساوية؟. إن الأحجام واضحة ومعروفة ولا تـحتاج إلى إمتحان أو إنتخاب لـمعرفة نتائجها.
إذا حكمت الظروف، وسيطر "ميـزان القوى"، وتغلّبت "موضة النسبية" الرائجة فـي هذه الأيام على الـحقيقة والواقع، فرجاؤنا كي يصبح قانون "النسبية" مقبولاً ويـحقّق التمثيل الصحيح في حدّه الأدنـى، الأخذ بالفكرة التـي كنا طرحناها سابقاً، وهي تأهيل الـمرشحيـن على مستوى "الدائرة الفردية" وفق التمثيل الأكثـري قبل الذهاب إلى دائرة "النسبية". وها هو الرئيس نبيه بري، بعدما أيقن أخيـراً أن "النسبية" لا تـحقّق تـمثيلاً صحيحاً لكلّ مكوّنات الـمجتمع، اقتـرح تأهيل الـمرشّحيـن وفْق "الـمشروع الأرثوذكسي" (الذي رذلهُ "العلمانيون الـمزيّفون") على مستوى القضاء قبل الإنتقال إلى دائرة "النسبية".
كي لا يبقى قانون الإنتخاب "طبخة بـحص" ومن دون أفق، قد يكون "التأهيل" هو "أبغضْ الـحلال" فـي الوقت الـحاضر.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard