ما الذي كان يعرفه ترامب عن اتصالات فلين بروسيا؟

15 شباط 2017 | 00:02

واجه الرئيس الاميركي دونالد ترامب في اسبوعه الثالث في الحكم، أول أزمة سياسية محرجة زعزعت ادارته ومن المتوقع ان تخيم ظلالها الداكنة فوق حكومته لاشهر طويلة وربما أكثر، وذلك عندما اضطر تحت ضغوط متصاعدة من داخل البيت الابيض وخارجه الى ان يطلب من مستشاره للامن القومي الجنرال المتقاعد مايكل فلين الاستقالة، بعدما "فقد ثقته" به لأنه ضلل نائب الرئيس مايك بنس وغيره من المسؤولين في البيت الابيض في شأن مضمون اتصالاته مع السفير الروسي المعتمد في واشنطن سيرغي كيسلياك خلال الفترة الانتقالية.

وقال الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر في إيجازه الصحافي اليومي ان الثقة بين ترامب وفلين قد اضمحلت الى درجة قرر فيها الرئيس تغيير الوضع، وان ترامب يشعر بالاستياء لأن فلين ضلل نائب الرئيس. واضاف ان التحقيق الذي اجراه البيت الابيض في المسألة لم يظهر وجود مخالفات قانونية ارتكبها فلين، وان القضية بالنسبة للرئيس ترامب هي قضية ثقة، و واوضح أن" انحسار مستوى الثقة نتيجة لهذا الوضع ولسلسة اخرى من الاحداث المثيرة للشكوك هو الذي ادى بالرئيس لان يطلب استقالة فلين""
وكان فلين قد قدم استقالته الخطية في وقت متقدم الاثنين، معترفا بانه "قدم معلومات غير كاملة" لنائب الرئيس بنس حول مكالمته التي تطرق فيها الى العقوبات التي كان الرئيس السابق باراك اوباما قد فرضها ضد روسيا في كانون الاول الماضي بسبب تدخلها في الانتخابات الرئاسية لمصلحة ترامب، وهو أمر كان قد نفاه فلين في السابق. وكان بنس قد كرر نفي فلين انه ناقش العقوبات مع السفير الروسي في مقابلات تلفزيونية اجراها في الشهر الماضي، الامر الذي احرجه بعدما تبين ان فلين قد ضلله.
وتفاقمت قضية فلين في الوقت الذي كان ترامب وغيره من المسؤولين في البيت الابيض يواجهون المضاعفات السياسية الناجمة عن قرارات المحاكم الاميركية تعليق العمل بالقرار التننفيذي لترامب بحظر سفر موقت ضد رعايا 7 دول ذات غالبية مسلمة وفرض حظر دائم ضد دخول اللاجئين السوريين.

اعتراف فلين

وجاء في رسالة فلين انه اجرى خلال المرحلة الانتقالية اتصالات عدة مع مسؤولين اجانب. وقال: " ويا للاسف، وبسبب تتابع وتيرة الاحداث، قدمت من دون قصد معلومات غير كاملة خلال احاديثي مع نائب الرئيس وغيره حول اتصالاتي الهاتفية مع السفير الروسي" واضاف :" لقد قدمت اعتذاراتي الصادقة للرئيس ونائب الرئيس اللذين قبلا اعتذاري". واعلن " اقدم استقالتي بعد ان حظيت بشرف خدمة أمتنا والشعب الاميركي بهذه الطريقة المتميزة".
وفي اشارة لافتة، أثنى فلين في رسالته على ترامب "الذي قام خلال ثلاثة اسابيع باعادة توجيه السياسة الخارجية الاميركية بطرق جذرية لاستعادة القيادة الاميركية في العالم". واتسم الاعلان عن "استقالة" فلين، كمعظم اجراءات ونشاطات ادارة ترامب بالتناقض والفوضى . وكان الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر قد قال الاثنين ان ترامب يراجع وضع فلين. وبعد ظهر الاثنين قالت كيلي آن كونواي مساعدة ترامب ان فلين لا يزال يحظى بثقة الرئيس. ولكن سبايسر تبعها لاحقا لينفي ذلك. وبعد اقل من ثلاثة ساعات قدم فلين استقالته رسميا.
ولكن استقالة فلين هي فقط نهاية البداية، لانها لن تنهي القلق والتكهنات والمخاوف المتعلقة بدور روسيا في الانتخابات وطبيعة العلاقة بين ترامب ومساعديه وروسيا وما اذا كانت هناك علاقات اقتصادية ومالية بين ترامب وبين مصارف ورجال اعمال روس من المقربين للرئيس فلاديمير بوتين. وهناك شكوك كبيرة في
اوساط المشرعين في الكونغرس والمحللين بان ترامب كان على علم بطبيعة ومضمون اتصالات فلين والسفير الروسي، وان فلين لا يمكن ان يجازف بمنافشة مسألة حساسة مثل العقوبات مع الروس قبل تنصيب ترامب، من دون ان يأخذ موافقة ترامب الاولية.
بداية النهاية للجنرال فلين، وهو أول وأبرز عسكري متقاعد ينضم الى حملة ترامب والذي طور علاقة قوية معه، كانت في مقال كتبه المعلق المعروف ديفيد اغناتيوس في 12 كانون الثاني في صحيفة "الواشنطن بوست" وكشف فيه، استنادا الى مصدر حكومي بارز ان فلين اتصل بالسفير الروسي كيسلياك مرات عدة في 29 كانون الاول وهو اليوم الذي اعلن فيه اوباما عن قراره طرد 35 مسؤولا وديبلوماسيا روسيا من الولايات المتحدة اضافة الى اجراءات اخرى كرد على الاختراقات الروسية للحسابات الالكترونية للحزب الديموقراطي وغيره من المواطنين الاميركيين.
والاسبوع الماضي نشرت "الواشنطن بوست" مقالا مطولا استند على معلومات من 9 مصادر حكومية حالية وسابقة أكدت فيه ان فلين قد ناقش فعلاً العقوبات الاقتصادية مع السفير الروسي. هذه المعلومات كانت مبنية على مضمون المكالمات بين فلين وكيسلياك والتي سجلتها اجهزة الاستخبارات الاميركية التي ترصد وتراقب نشاطات واتصالات السفير الروسي. وعندما اتصلت الصحيفة بفلين الاربعاء الماضي، نفى أولا ان يكون قد فعل ذلك، ولكنه غير موقفه الخميس حين قال عبر الناطق باسمه بانه لا يذكر مناقشة العقوبات، ولكنه لا يستبعد ذلك. والاثنين، نشرت الصحيفة خبرا جاء فيه ان وزيرة العدل بالوكالة سالي ييتس (التي طردها ترامب لاحقا عندما رفضت تطبيق قراره في شأن حظر السفر) اتصلت بمحامي البيت الابيض دونالد ماكغان في الشهر الماضي لتعلمه ان فلين قد ضلل المسؤولين في البيت الابيض في شأن مضمون اتصالاته مع السفير الروسي، وحذرت من ان فلين اصبح معرضا للابتزاز من قبل الروس الذين كانوا يعلمون ان فلين لم يصارح المسؤولين في البيت الابيض بمضمون اتصالاته. وفي الايام الاخيرة لادارة اوباما شارك مدير الامن القومي جيمس كلابر ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي آي إي" جون برينان مخاوف وقلق وزيرة العدل ووافقا على ضرورة قيامها باعلام البيت الابيض بتحقيقاتها وتوصياتها.
وعلى رغم وجود قانون اميركي قديم يحظر على المواطنين العاديين اجراء اتصالات سياسية مع دول اجنبية الا ان هذا القانون لم يطبق في السابق، ولكن قيام فلين بمناقشة عقوبات اقتصادية يفرضها رئيس اميركي مع ممثل عن الطرف المستهدف بالعقوبات، اذا لم يكن غير قانوني فانه مستهجن لانه يقوض اجراء رسميا اتخذه رئيس البلاد. ويقول مسؤولون قرأوا نص المكالمة بين فلين و كيسلياك ان فلين أوحى للسفير الروسي ان ترامب سوف يعتمد نبرة متساهلة أكثر مع روسيا بعد استلامه للسلطة، وانه حض روسيا على عدم الرد ضد عقوبات اوباما بالمثل لكي لا يؤزم العلاقات أكثر في المستقبل. ولكن فلين لم يتقدم بوعد واضح بالغاء العقوبات بعد وصول ترامب الى البيت الابيض، وان ترك الانطباع بان ذلك ممكنا.

تساؤلات حول دور ترامب

وحتى قبل الاستقالة-الاقالة، كان عدد المطالبين برأس فلين من داخل البيت الابيض ومن بينهم ستيفن بانون مستشار ترامب للشؤون الاستراتيجية ومن الخارج وتحديدا من القادة الديموقراطيين في الكونغرس، يزداد مع مرور كل يوم، وكذلك المطالبة باجراء تحقيقات شاملة اما في الكونغرس او من خلال انشاء لجنة تحقيق مستقلة للنظر بمجمل العلاقة المريبة بين ترامب وعدد من مساعديه مع روسيا. وفور الاعلان عن اقالة فلين، ارتفعت الاصوات المطالبة باجراء تحقيق شامل بمختلف أوجه هذه القضية، وطالب قادة ديموقراطيون في الكونغرس بان تقدم لهم وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيديرالي "اف بي آي" (الذي كان يحقق منذ اسابيع باتصالات فلين) أخر المعلومات المتوافرة لديهم عن القضية. ويأمل الديموقراطيون في اقناع بعض القيادات الجمهورية بالانضمام اليهم والمطالبة بتحقيقات أوسع، تشمل مثول مسؤولين في الحكومة امام لجان الكونغرس او اي لجنة تحقيق مستقلة.
وفي مؤشر على ان قضية فلين وعلاقة ترامب وعائلته ومساعديه مع روسيا سوف تتفاقم وربما تحولت الى سيف معلق فوق الرئيس الاميركي ويمكن ان يؤدي الى محاكمته، اعلنت شخصيات جمهورية نافذة في مجلس الشيوخ من بينهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية السناتور بوب كوركر، انه يؤيد اجراء تحقيق بجميع أوجه هذه القضية، ولم يعرب كوركر عن رفضه لاجراء تحقيق مستقل خارج الكونغرس وهو أمر بالغ الاهمية، وأيده في ذلك اعضاء اخرون مثل ليندزي غراهام وجون ماكين، الذي كرر انتقاداته لتصريحات ترامب الايجابية حيال بوتين. وترامب الذس دخل في حروب مفتوحة ضد الجهاز القضائي في البلاد، وضد وسائل الاعلام، لا يستطيع المجازفة بالدخول في مواجهة مع الكونغرس وخاصة اذا انضم بعض الجمهوريين الى الاقلية الديموقراطية وطالبوا بتحقيقات جدية.
وسارع القادة الديموقراطيون في الكونغرس وغيرهم من المحللين والمواطنين الناشطين في وسائل الاتصال الاجتماعي الى استعادة اجواء فضيحة ووترغيت في سبعينات القرن الماضي التي ارغمت الرئيس الراحل ريتشارد على الاستقالة بسبب دوره في محاولة تغطية الفضيحة، وذلك في سياق بروز بعض التكهنات باحتمال محاكمة ترامب، اذا تبين ان علاقاته بروسيا مخالفة للقوانين، بما في ذلك استعادة ربما أهم سؤال طرح في تاريخ الكونغرس الاميركي، وهو السؤال الذي طرحه السناتور الجمهوري هوارد بيكر الذي حقق بالفضيحة في حزيران 1973 وهو : "ما الذي عرفه الرئيس، وفي أي وقت عرفه".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard