برلين ٦٧- "امرأة رائعة": كلّ شيء عن نضال متحوّلة

13 شباط 2017 | 18:20

المصدر: "النهار"

تركنا سيباستيان ليليو مع فيلمه الجميل "غلوريا" قبل أربع سنوات، لنستعيد اللقاء به في جديده "امرأة رائعة" المتسابق على جائزة "الدبّ الذهب" في الدورة السابعة والستين من #مهرجان_برلين السينمائي (٩ - ١٩ الجاري). كما يظهر بوضوح من مشاهدتنا معظم أفلام المسابقة إلى الآن، ترزح الأعمال المختارة من جانب مدير الـ"برليناله" ديتر كوسليك وفريقه، تحت وطأة الموضوعات الشديدة الحضور في الراهن، وهي كثيراً ما تتحاور في ما بينها، من فيلم إلى آخر. بعض هذه الأعمال ينجح في النهوض، وبعضها الآخر يستسلم. فيلم المخرج التشيلياني من الصنف الأول: قدماه في الواقع التشيلياني الذي يصوّره بهيئة غير وردية وجميلة ومنقّحة، في حين يحشر رأسه بين الغيوم، فيخرج بصيغة سينمائية حالمة.

عمل كهذا من المرجّح أن يرفع من شأن ليليو في المشهد السينمائي، خصوصاً مع صعود نجم السينمائيين اللاتينيين أخيراً في الولايات المتحدة، وأحدهم، بابلو لاراين، شارك في الإنتاج (مع الألمانية مارين أديه). مسألة أخرى ليست مستبعدة أيضاً: توظيف الفيلم للانتصار لحقوق المتحوّلين جنسياً.

الحكاية بسيطة جداً: مارينا (دانيال فيغا)، مغنّية غير مكرّسة تخرج مع أورلاندو (فرنسيسكو رييس)، صناعي يكبرها بسنوات، وهما يخططان للعيش سوياً، بعدما تخلى الرجل عن زوجته وأولاده من أجلها. إلا أنّ موته المفاجئ يضع مارينا أمام واقع جديد تجهل كيفية التعامل معه. فثمة من جهة رجل عليها أن تصون ذكراه، ومن أخرى خصومة عائلته التي تريد إبعادها بأيّ ثمن، خصوصاً حين يتبيّن أنّ مارينا رجل تحوّل امرأة. هويتها الجنسية تجعل أصابع الاتهام بقتل أورلاندو تتّجه إليها فوراً، فتصبح الفتاة الرقيقة والعاقلة في موقع مُحرج، إذ يتوجّب عليها إثبات صدق مشاعرها تجاه الراحل. مرة بعد مرة، يتحوّل الشيء إلى مهانة وإذلال ممنهجين.

ليليو سبق أن برع في تصوير بورتريه سيدة: غلوريا في الفيلم الذي حمل اسمها، وفازت عنه باولينا غارثيا بجائزة التمثيل في برلين. لا تختلف الحال في فيلمه الخامس هذا، بحيث أسند الدور إلى الممثلة المتحوّلة الجميلة دانيالا فيغا في أول وقوف لها أمام الكاميرا. إنها عودة إلى حكاية التهميش الاجتماعي عينه في المجتمع اللاتيني، إلا أنّ وجه ذلك التهميش أوضح هنا وأكثر صراحة، فمَن تتعرّض له ضحية جاهزة. ليليو يعالجه برقة كبيرة. بحميمية بالغة يرسم تفاصيل نضال مارينا، وغالباً يمرّر الأفكار على نحو يمنح الانطباع بأنّ ثمة شيئاً يتسرّب إلى الفيلم. لن تُعطى مارينا فرصة لتضميد جراحها، لا بل لتقوم بحدادها كما ينبغي، فهي تجد نفسها بسرعة وسط معركة يفترض عليها خوضها.

مَن هي مارينا؟ في العنوان جزء من الجواب. ولكن، هذا سؤال لن يطرحه أحد من أفراد عائلة أورلاندو (عدا شقيقه) الذين يواجهونها بعدائية نادرة. يكتفي هؤلاء بما عرفوا عنها، ومثلهم المحقّقة التي تستجوبها بما لديها من وقاحة تسمح لها عدم الخروج من غرفة الطبيب خلال جلسة كشف عليها. بهذا المعنى، يقدّم ليليو فيلماً عن المظاهر، يقع فيها حتى المُشاهد الذي لم يطلع على تفاصيل الحكاية قبل المشاهدة، إذ أنّه من الصعب أن يتنبّه إلى أنّ المرأة التي أمامه كانت سابقاً رجلاً. والعلّة أنّ مصدر الأفكار الجاهزة ليس فرداً أو شخصاً أو عائلة، بل متأصلة في أجهزة الدولة التي تعامل مارينا كقاتلة لمجرد أنّها لا تستوعب طبيعة العلاقة.

من الصعب عدم استحضار روحية ألمودوفار. سواء باستعماله الألوان الصارخة (من أحمر وأزرق) أو نظرته للأسى أو مقاربته للوحدة والعزلة أو انغماسه في الميلودراما، التقارب ملموس مع عمل المخرج الاسباني. إلا أنّ ما يمنح الفيلم نبرة خاصة هنا، هو برودة أعصاب الشخصية الرئيسية وطبعها الهادئ في التعامل مع الحوادث المتعاقبة. الموسيقى التصويرية التي وضعها البريطاني ماثيو هربرت تعمّق، هي الأخرى، الإحساس بأننا في خلية من خلايا سانتياغو التي تُسبب الاختناق.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard