برلين ٦٧ - "جسد وروح": وردة المهرجان في أيامه الأولى

12 شباط 2017 | 22:35

المصدر: "النهار"

"جسد وروح"، افتتح صباح الجمعة عروض الصحافة لمسابقة الدورة السابعة والستين من #مهرجان_برلين السينمائي (٩ - ١٩ الجاري). لسببٍ ما، لم نستطع مشاهدته إلا في الصباح التالي، أي السبت، مع الإعادة برفقة جمهور عادةً ما يتفاعل مع الفيلم تفاعلاً أصدق من الصحافيين والنقّاد. على الرغم من التوقيت المبكر للعرض، صعب إيجاد كرسي شاغر يطلّ على الشاشة الضخمة اطلالة استراتيجية، في صالة فريدريشستاد التي تستوعب أكثر من ٢٠٠٠ شخص. الطلب على الأفلام في الـ"برليناله" طوال فترة انعقاده لا يتوقّف على الهوية أو اسم المخرج، وإن نفدت بطاقات بعض العروض قبل غيرها. ففيلم مجري لمخرجة غير معروفة جماهيرياً، قادر على سحب المشاهدين من فراشهم منذ ساعات الصباح الأولى، تحت حرارة لا تزيد كثيراً عن الصفر.

هذه مقدّمة للقول إنّ الأفلام الصغيرة التي لا تسبقها حملة ترويجية، لها موقعٌ متقدّم على خريطة اهتمامات جمهور برلين. وهي، بالنسبة إلينا، نحن الذين نبحث عن الاكتشافات، لبّ المهنة وفائدتها الأهم. مخرجة "جسد وروح" المجرية إيلديكو انييدي (١٩٥٠)، لها ٥ أفلام في سجلّها، وهي لفتت الأنظار منذ باكورتها "قرني العشرين" التي نالت عنها جائزة "الكاميرا الذهب" في كانّ العام ١٩٨٩. أواخر التسعينات توقفّت عن العمل، وها إنها تعود بعد غياب نحو عقدين عن #السينما. هناك، في هذا العمل اللطيف ما يحرّك الأحاسيس. تتمحور الحوادث حول شخصين، أقل ما يقال في شأنهما أنّ حلماً مشتركاً يجمعهما. كلّ ليلة (أو تقريباً)، يتهيّأ لهما الحلم عينه. إنهما على موجة واحدة في لاوعيهما، إلا أنّ الأشياء في الحياة اليومية تحول دون أن يكون اللقاء بينهما سهلاً ومتناغماً، فما بالك إذا كانت قصة الحبّ الناشئة تجري في مسلخ، هذا المكان الصريح بوضوحه، حيث لا بين بين.

نصّ انييدي يغرق في تفاصيل الطبيعة الآدمية المعقّدة. ولكن لا شيء هنا يتحوّل درساً أو خطاباً. المخرجة تطرح نفسها مراقبة للأهواء البشرية، لا واعظة. يتمركز فيلمها على اللقاء بين روحين يتيمتين تعانيان "معوقات" ندعكم تكتشفون طبيعتها. إنهما كمَن يعيش رغماً عنه، ميت مع وقف التنفيذ! هو رجل ستيني يعمل مديراً مالياً في مسلخ. هي موظفة شابة عُيِّنت حديثاً في المسلخ عينه. مهمتها المراقبة، وهي وظيفة سينمائية بامتياز. لا حدود لصرامتها وإلمامها بالتواريخ وغموضها وانطوائيتها المرضية. هذا كله يولد لدى اندره فضولاً بالغاً للدخول في عالمها، وهو تجاوز سنّ المغامرات. ولكن الأمور ستأخذ منحى جدياً عندما تقع سرقة في المسلخ، فيخضع الموظفون الى تدقيق بسيكولوجي يظهر على إثره أنّ للاثنين عقلاً باطنياً متشابهاً إلى درجة مثيرة للقلق.
في حين أنّ مشهد الغزالان الذي يجسّد الحلم، يعود باستمرار كلازمة لن تتوضّح وظيفته إلا بعد برهة، فإنّ ما سنتابعه طوال ساعتين في سياق من الغنى البصري النادر، هو يوميات المسلخ وتطوّر العلاقة بين أندره وماريّا، وصولاً إلى ذروة الأسئلة التي ينشغل بها الفيلم: هل التشابه يجمع الشخصين أم يفرّقهما؟

الحياة المهنية التي يغرق فيها البطلان توثيقٌ بالغ الدقّة. يتلافى النصّ كلّ الأفخاخ، مثل الشرح والتبسيط وعرض جوهر الفيلم (تكامل الجسد والروح) على بساط البحث. هذا فيلم مشاعر بسيطة نلتقطها بدوافعنا الخاصة، تتشكّل من همسات وحالات نفسية ترتقي بأصحابها، فيه الكثير من الجمال والدفء والطرافة والمواقف المتأصّلة في الواقع المجري اليومي. واقع لن نرى منه الكثير، فهو ينعكس على وجه الشخصيتين، هو في تجاعيده، وهي في عبوسها الذي سيتحوّل ابتسامة خلال لحظات خاطفة. أيضاً: هذا الواقع يتردّد صداه في سلوك كلٍّ من أندره وماريّا وصعوبتهما في التعبير عن مشاعرهما. نجد انعكاسه كذلك على سطح الزجاج الذي تصوّره أنييدي، في لحظات نادرة يتجلّى فيها شيء من الحياة المدينية التي تجري خارج المسلخ. يعمل الفيلم بمنطق الكونتراست أو التأسيس لمناخ بين الدفء والجليد. ثمة أيضاً هذا التواطؤ الذي يتولّد لحظة اصطفاف أندره مع ماريّا، فيصبحان كتلة واحدة ضد "بقية" العالم. يضاف إليه التضاد بين الأبقار التي تُساق للذبح والغزالان اللذين يداعب أحدهما الآخر وسط طبيعة تغمرها الثلوج (مَشاهد الحلم).

إغواء، كبت، تماس، هشاشة، تجاذب، عزلة، "إعاقة"... هذا كله يشكّل أرضية متينة تبني عليها أنييدي عملاً شاعرياً، مشوّقاً في بعض فصوله، عمّا يبدو لوهلة أنه عن العلاقات بين الرجال والنساء. إلا أننا نحن هنا أمام شخصين كلّ منهما مختلفٌ على طريقته، يتشابهان بهذا الاختلاف عن بقية الناس. المواقف التي سيجدان نفيسهما فيها، ستُخرج الفيلم عن أيّ سياق اجتماعي مُسيّس. طباعهما في مواجهة الحكاية، لا العكس. هذا كله في بيئة قاسية، سرعان ما تتحوّل استعارة.

تساهم جودة التمثيل لكلٍّ من غيزا مورتسناي وألكسندرا بوربيلي (إطلالتها على البوستر مغمّضة العينين تضعنا في مزاج الفيلم)، الهادئين على نحو محيّر، في إعلاء شأن فيلم يشي بحرفة ممتازة، تصويراً وكتابةً وإفساحاً في المجال أمام الأدوار الثانوية في رسم صورة عامة لبودابست. العاصمة تلك التي يصبح مسلخها ميكروكوزماً للعالم الحديث السريع الإيقاع الذي نقيم فيه، حيث الحبّ، على الرغم من كلّ شيء، يمنح أصحاب "الإعاقات" أجنحة يحلقون بها عالياً في أحلامهم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard