من لينكولن إلى ترامب

12 شباط 2017 | 16:07

المصدر: "النهار"

صورتان مصدرهما الانترنت.

اكتسب الحزب الجمهوري شعبيةً في الولايات المتحدة الأميركية من جراء مناهضته العبودية، والتأكيد على الحريات، وإعلاء السلطة الفردية، وإعطاء السيادة التامة للشعب. لكنَّ تاريخ 11 أيلول من العام 2001 قلبَ المقاييس وجعل صوت الإرهاب أعلى من الديموقراطية، فتبدلت السياسات الأميركية حيال المنطقة العربية. من 1860 إلى 2017، طرأ تغيير جذري على تطبيق سياسات الجمهوريين، فعاكس الرئيس الأميركي الحالي دونالد #ترامب ما نادى به أبراهام لينكولن.

من هو أبراهام لينكولن؟
هو رمز الحزب الجمهوري الأميركي، ولد في 12 شباط من العام 1809، وانتخبَ رئيساً للولايات المتحدة الأميركية في الفترة ما بين 1861 إلى 1865 ليكون الرئيس السادس عشر للبلاد. وعلى رغم قصر فترة حكمه استطاع لينكولن قيادة الولايات المتحدة الأميركية بنجاح وإعادة الولايات التي انفصلت عن الاتحاد بقوة السلاح بعد حرب أهلية طاحنة. في 14 نيسان من العام 1865اغتيل لينكولن لدى مشاهدته مسرحية "قريبنا الأميركي" على مسرح فورد في وقتٍ كانت الحرب على وشك الإنتهاء. عملية الاغتيال هذه خطط لها الممثل المسرحي المعروف جون ويلكس بوث في محاولة منه لإحياء قضية الولايات الكونفيديرالية، وحدثت بعد خمسة أيام من استسلام روبرت إدوارد لي قائد الجيش الكونفيديرالي لفرجينيا الشمالية أمام الفريق يوليسيس غرانت قائد جيش اتحاد لبوتوماك منهياً بذلك الحرب الأهلية، ليكون لينكولن أول رئيس أميركي يتم اغتياله، بعد محاولة فاشلة لقتل الرئيس أندرو جاكسون قبل ثلاثين عاماً أي في العام 1835.

وبعد مرور أكثر من 160 سنة على اغتياله شهد الحزب الجمهوري الذي كان متقدماً على أفكار عصره تحولاً ملحوظاً ونقلةً نوعية مع المرشح الرئاسي لعام 2016 والرئيس الحالي منذ 20 كانون الثاني من العام 2017 دونالد ترامب، ما عرَّضه لانتقادات شديدة سببها خطبه المثيرة للنعرات العنصرية.

الحزب الجمهوري من لينكولن إلى ترامب
تضمنت خطب ترشُّح ترامب خطة تدابير بالغة الشدة حيال المهاجرين المقيمين بصفة غير شرعية في الولايات المتحدة اثارت حماسة القاعدة الناخبة المحافظة، مؤكداً بدء عهده بترحيل مليوني مهاجر غير قانوني وصفهم بـ"المجرمين"، وإلغاء المراسيم التي وقعها الرئيس السابق باراك أوباما والتي قضت بتشريع أوضاع مهاجرين بصورة موقتة. وبعد خطاب القسم أصدر ترامب قراراً تنفيذياً يمنع دخول "الإرهابيين الإسلاميين المتشددين" إلى الولايات المتحدة، فرض بموجبه حظراً الى أجل غير مسمى على دخول اللاجئين السوريين، وحظراً لمدة 3 أشهر على دخول رعايا إيران و6 دول عربية، حتى ممن لديهم تأشيرات. وعلى رغم أنَّ بعض المحاكم الأميركية أصدر حكمًا يمنع ترحيل المسافرين الموقوفين ويرفض قرار الرئيس بمنع مواطني الدول السبع من دخول الولايات المتحدة، إلاَّ أنَّ القرار الذي وصف بالعنصري أجَّج موجة غضب واسعة في الولايات المتحدة وبلدان العالم.

سياسة ترامب مخالفة اللينكولنية
نسأل أستاذ القانون والعلاقات الدولية الدكتور شفيق المصري عن سبب الاختلاف بين لينكولن وترامب مع أنهما ينتميان إلى الحزب نفسه، فيجيب في حديث الى"النهار" بأنَّ "عهد الرئيس لينكولن كان العهد الذي أرسى الحجر الأساس للاتحاد الأميركي بعد حرب أهلية انتهت في أواخر الستينات من القرن الـ 19. وكان من الضروري من أجل تتويج انتصار الاتحاديين في تلك الفترة ألا يكتفي الرئيس بالانتصار العسكري وإنما ألحقه بتشريعات أكدت وحدة الاتحاد، وقرر بذلك، ولاسيما في التعديل الرقم 14 من الدستور الأميركي، أن الجنسية تتاح من قبل الحكومة الفيديرالية ولا تترك لأوضاع الولايات. وهذا الإنجاز المزدوج هو الذي حافظ على استمرارية الدستور حتى يومنا هذا. وبذلك، كان الضامن الأساسي لإلغاء سياسة التفرقة العنصرية وسيادة القانون. اليوم، لا نستطيع القول إنَّ سياسة الرئيس الحالي متعارضة مع وجوب وحدة الاتحاد أو مخالفة للسياسة اللينكولنية. ولكنَّ الإجراء الذي اتخذه كان متسرعاً قليلاً ويبدو أنَّه قيد المعالجة لاسيما بعدما جبه باعتراضات في الداخل والخارج".

ترامب مستمر بخطاب مرشح رئاسي لا رئيس
"لا يكرس ترامب العنصرية بقراراته"، وفق المصري، "بل هو مستمر بخطاب مرشح رئاسي ولاسيما أنه لم يتوقع أن يجبه باعتراضات وتظاهرات في الداخل الأميركي. لم يكن ينتظر رد الفعل هذا. الأمر الجيّد أن أول المعترضين كان القضاء ولعله أشد المعترضين أيضاً. قراره هذا جاء كسياسة لشدّ عصب مؤيديه، ولكنَّ المؤسسات أظهرت جرأةً مهنية خصوصاً في القضاء ووقفت في وجهه، وهي ستبقى الضامن للعودة إلى السكة الصحيحة. فقرار ترامب مخالف لقانون الهجرة، وقانون اللاجئين وقوانين حقوق الإنسان، وحتماً مخالف للدستور الأميركي. إنها مخالفات وليست سياسة عنصرية خصوصاً حيال المسلمين، إذ إنَّ دولاً عربية وإسلامية لم يشملها الحظر بينها الخليجية ودول المغرب العربي".

ويضيف: "إذا كانت حجته محاربة الإرهاب، فقد باتت هناك قرارات دولية كثيرة تدعو إلى محاربة الإرهاب، كما أنَّ هناك قانوناً دولياً يمنع أي دولة من فرض عقوبات جماعية على دول أخرى أو شعوب أخرى، ما يعني أنَّ دولاً مثل العراق أو سوريا أو غيرها من الدول السبع، لا يجوز معاقبتها جماعياً. قرار ترامب متسرع ولا جدوى منه، والإجراءات التي أعلن اتخاذها ستضرُّ بالمصالح الأميركية وبالشعارات التي تنادي بها الولايات المتحدة والمتعلقة بحقوق الإنسان".

في رأي كثيرين، أطاحت روحية قرار ترامب التنفيذي بـ"الحلم الأميركي" القائم في جوهره على احترام الابتكار والفردية والتنوع في الانتماء والخلفية الثقافية. إلاَّ أنَّ العصبيات العرقية، وتلك المرتبطة بالجنسية والطائفة لم تتمكن من فكِّ القيود الفكرية التي حاولت العولمة كسرها على ما يبدو، إذ إنها تطل برأسها كلما اشتدت الأزمات!

salwa.abouchacra@annahar.com.lb
Twitter: @Salwabouchacra

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard