لبنان يتقدّم على الدول العربية والأجنبية في الرعاية الصحية.... ماذا عن التفاصيل؟

2 شباط 2017 | 13:07

المصدر: "النهار"

في أول زيارة لها إلى لبنان الأسبوع الماضي، اضطلعت المديرة العامة للاعتماد الكندي، ليسلي طومبسون، على الرعاية الصحية في بلدنا، تلبيةً لرغبة جهات في دول مختلفة، طالبتها تطبيق تجربة لبنان في الاعتماد الكندي. وبعد جولتها على بعض مراكز الرعاية الصحية الأولية في مختلف المناطق، والتي استمرت أربعة ايام، أكدت طومبسون في دردشة أمام وفد من وزارة الصحة وفي تغريدتها بتويتر: "يعتبر لبنان نموذجاً في خوضه برنامج الاعتماد الكندي، ليس فقط على صعيد الدول العربية، إنما على مستوى العالم". تابعت: "وقد تحقق ذلك رغم ضعف الموارد المادية والبشرية المتوافرة في المراكز، إذ استطاعت وزارة الصحة اللبنانية تحقيق مستوى عالٍ من الجودة للمستفيدين من الخدمات التي تقدمها في هذه المراكز، فضلاً عن دمج الوزارة برامجها الصحية بالرعاية الصحية الأولية".
لا شك في أن كثيراً من اللبنانيين لا يعلمون بوجود مراكز للرعاية الصحية الأولية ضمن النطاق الجغرافي المحيط بهم، ولا يعرفون أنه يمكنهم الإفادة من رزمة الخدمات الصحية ذات المواصفات العالية، والنوعية التي توازي خدمات العيادات الخاصة أو المؤسسات الاستشفائية في القطاع الخاص.
تقول رئيسة دائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة الدكتورة رندة حمادة في حديث لـ"النهار": "يوجد في لبنان شبكة وطنية للرعاية الصحية الأولية تضم حالياً 204 مراكز بعدما كان عددها قبل نحو شهر 222، وقد تم فسخ عقد 18 مركزاً عن الشبكة لعدم مطابقتها الشروط المطلوبة".
يبدو أننا مع كل استحقاق انتخابي في لبنان نشهد ظاهرة طفرة المستوصفات لا يكتب لها عمر طويل بل بضعة أشهر وتقفل، من هنا بادرت وزارة الصحة إلى تقديم خيار إنساني صحي عملاني بديل يتمثل بهذه المراكز المنتشرة على مساحة الوطن.
ما الفرق بين المستوصفات وهذه المراكز؟
تشرح حمادة: "منذ بداية التسعينات التزم لبنان مقررات مؤتمر الرعاية الصحية الأولية لـ"الما آتا" الذي نظمته منظمة الصحة العالمية بهدف تحفيز دول العالم وتشجيعها على تأمين الخدمات الصحية التي يحتاجها المواطن، على اعتبار أن الصحة حق للجميع".
أين وزارة الصحة من تطبيق الاستراتيجيات التي التزمت بها آنذاك بتوجيهات منظمة الصحة العالمية في شأن الرعاية الصحية؟
تجيب: "منذ ذلك الحين استحدثنا نواة شبكة وطنية للرعاية الصحية الأولية بالتعاون مع مؤسسات القطاع الأهلي، مثل "كاريتاس"، "فرسان مالطا"، الهيئة الصحية الإسلامية وغيرها. وكان عدد المراكز فيها 17، وقد أصرّت الوزارة على تأمين خدمات أساسية أولية تطاول كل المناطق. ثم ازداد عدد المراكز تدريجاً حتى وصل في 2008 إلى 160 مركزاً غطت مختلف المناطق، الأمر الذي حتم علينا إجراء تقويم ذاتي قبل أن نستكمل التوسع أفقياً في مزيد من المراكز لنتحقق ما إذا كانت نوعية الخدمات التي نقدمها للمواطنين على المستوى المطلوب، ويشكّل ضمان جودتها بديلاً من خدمة المستوصفات التي لا صلاحية للوزارة في منع فتحها؟". توضح في هذا الإطار: "ينبغي لتحقيق هدفنا إدخال مفهوم ضمان الجودة ومفهوم الإعتماد في الرعاية الصحية الأولية المتمثل بنظامي الاعتماد والجودة في المستشفيات". وتضيف: "بعدما تبين أن النظام الكندي هو أنجح نظام اعتماد في العالم على المستوى الرعاية الصحية الأولية، تواصلنا في 2008 مع اللجنة الدولية الكندية للإعتماد التي زودتنا دراسة تمكنّا من خلالها أن نباشر في تطبيق الاعتماد، وشكلنا لجنة وطنية ضمت خبراء من جامعات لبنان ومن منظمتي "اليونسف" والصحة العالمية. وقد وضعت هذه اللجنة مع النظام الكندي معايير عالمية تمكّن لبنان من لبننتها والعمل على اساسها وتطبيق الخدمات بنظام جودة معيّن في مراكزنا".
وقد شرعت الوزارة تطبيق هذه المعايير في 3 مراكز نموذجية ولاقت نجاحاً، وفق حمادة التي ذكرت أن الوزارة ترجمت المعايير إلى اللغة العربية "وخصصنا كل سنة 25 مركزاً ليخضع فيها الموظفون إلى تدريبات مكثّفة خاصة بنظام الاعتماد للإلتزام بالمعايير التي وضعناها. وبعد مرور ثلاثة أشهر على تدريب العاملين في المراكز، وبنتيجة التقويم الذاتي الذي يجرونه بحسب هذه المعايير، تضع لجنة خبراء كندية تقويمها وتصنّف كل مركز".
تكمن أهمية هذه العملية مع كندا منذ 2008 حتى اليوم، في "تطبيق نحو 103 مراكز برنامج الإعتماد الكندي ضمن الرعاية الصحية الأولية، مع تحضير 25 مركزاً إضافياً للإنضمام إلى البرنامج هذه السنة".
خدمات متنوعة بمساهمة زهيدة
أما الخدمات التي تقدمها المراكز، فهي خمس أساسية، "طب عام وعائلة، طب أطفال، طب نسائي، طب أسنان وطب قلب وشرايين. هذا لا يمنع بعض المراكز من تقديم خدمات إضافية، مثل، تأمين طبيب أنف، أذن وحنجرة، أو طبيب عظام ومفاصل".
وقالت حمادة رداً على سؤال: "بمفهوم الرعاية الصحية الأولية ثمة مشاركة للمواطن كي يشعر بتحمّل جزء من المسؤولية تجاه صحته، وأنه يحصل على الخدمات التي تُقدم إلى المجتمع المحلي، والأهم ألا نجعله يسيء استعمال هذا النظام الصحي". وانطلاقاً من هذا المبدأ، أصدرت الوزارة قراراً حددت بموجبه قيمة المساهمة المادية التي يدفعها المستفيد وهي بين 5 آلاف و18 الف ليرة لبنانية بدل الخدمة التي يحصل عليها، ووفق ما تسمح به إمكاناته، لأننا في الظروف الصعبة نُعفي المواطنين من دفع هذه المساهمة".
15 مليون دولار من البنك الدولي!
وبفضل النموذج الرعائي والخدمات الصحية التي توفرها المراكز للمجتمع المحلي، تقول حمادة: "قرر البنك الدولي دعم هذه المراكز من خلال تعاونه مع وزارة الصحة ومشروعنا للتغطية الصحية الشاملة الذي أطلقناه العام الماضي، بحيث قدم البنك الدولي مبلغ 15 مليون دولار لدعم الشبكة الوطنية التي حققت نجاحات كبيرة بخدماتها المميزة".
وعندما تسألها في أي اتجاه يُصرف هذا المبلغ؟ توضح: "خصصنا هذا المبلغ لمساعدة 150 الف مواطن لبناني من العائلات الأكثر فقراً المسجلين لدى البرنامج الوطني للأسر الفقيرة التابع لوزارة الشؤون الإجتماعية. اخترنا أول 150 الف مواطن من البرنامج، ووضعنا لائحة بأسمائهم على خريطة شبكة الرعاية حيث تبين أنهم موجودون في المجتمعات المحلية التابعة لـ75 مركزاً صحياً".
وبحسب حمادة "حطت هذه التجربة الرائدة رحالها في المراكز الـ75 والتي تقدم 6 رزم أساسية من الخدمات، هي: رزمة الأطفال من سن الولادة إلى 18 سنة، رزمة الشباب لمن هم فوق الـ19 سنة، وأيضاً للفتيات في سن الـ19، ورزمة أخرى للواتي تجاوزن الـ19 عاماً، ورزمة لمرضى السكري والضغط، والرزمة الأخيرة العناية بالمرأة الحامل".
وإلى جانب الشق العلاجي، تعزز وزارة الصحة عبر مراكزها الشق الوقائي حيث على المواطن أن يولي اهتماماً أكثر إلى صحته، لأن الوقاية تساهم في تخفيف كلفة الفاتورة الصحية على جيبه أو على الدولة التي تتحملها".
تقدّر حمادة عدد المستفيدين اللبنانيين من خدمات الـ75 مركزاً المدعومة من البنك الدولي بنحو مليون و200 ألف لبناني، بينما تقدم بقية المراكز خدماتها الصحية لغير اللبنانيين أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن المراكز الـ75 تمكنت خلال 6 أشهر من استقطاب 32 ألف مواطن من أصل 150 ألفاً، مع العلم أن هذا الاستقطاب في الظروف العادية يتطلب ثلاث سنوات.
تجربة لبنان تنسحب على قطر والكويت؟
تنقل حمادة ما ورد على لسان الفريق الكندي الذي يزور لبنان سنوياً: "الإلتزام الذي نلاحظه في شبكة الرعاية الصحية الأولية في لبنان لا نرى مثله في دول أجنبية ولا حتى في بلاد عربية". هذا الأمر، كان حافزاً أمام دولتي قطر والكويت لخوض التجربة عينها مع الاعتماد الكندي. وتشير حمادة في هذا المجال إلى أنها دُعيت غير مرة للتحدث عن تجربة لبنان في مؤتمرات مجلس وزراء الصحة العرب، "خصوصاً أن قطر تخوض تجربتنا مع الاعتماد الكندي".
nicole.tohme@annahar.com.lb
Twitter: @NicoleTohme

هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard