قصّة حبّ بين مهرجان ومكان وناس!

29 كانون الثاني 2017 | 14:33

المصدر: "النهار"

"مصّاص دماء" لكارل تيودور دراير (١٩٣٢).

دورة جديدة من مهرجان السينما الأوروبية تحمل الرقم ٢٣ بدأت مساء الخميس الفائت في بيروت ("متروبوليس"). في ذمّة هذه الطبعة، ٣٩ فيلماً وافتتاح إيطالي بـ"غرباء كليّاً" لباولو جينوفيزيه، عملاً بالتقليد الديبلوماسي الذي يقضي بأن يكون فيلم الافتتاح من البلد الذي يترأس الاتحاد الأوروبي خلال فترة الستة أشهر الحالية. لسنوات، كان هذا المهرجان النافذة الوحيدة المطلّة على الأفلام الأوروبية التي لم يكن سهلاً الحصول عليها في المكتبات السينمائية المتوافرة في العاصمة. أحدّثكم عن مرحلة ما قبل انتشار الـ"دي في دي" والتحميل والقرصنة عبر الانترنت، وما بعد أفول نجم نوادي السينما التي ثقّفت أجيالاً سبقتنا. كانت مرحلة انتقالية جاءت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي لسدّ الفراغ والتأسيس لتواصل من نوع جديد بين السينما غير الأميركية وجمهورها اللبناني.

كان القائمون على المهرجان يأتون بأحدث الاكتشافات في المهرجانات الدولية (وأحياناً الأقل حداثة)، أفلام كنا نقرأ عنها في الصحف الغربية والمجلاّت المتخصصة من دون أن نجد سبيلاً إليها. وإذا حدث أن توفقّت الإدارة وحصلت على "سعفة" كانّ أو "دبّ" برلين أو "أسد البندقية"، لشهدت أبواب صالة "أمبير" (قبل تحوّلها إلى "متروبوليس") انتفاضة تشهد على مرحلة مجيدة من تاريخ السينيفيلية اللبنانية ما بعد الحرب، ولا شك أنها لم تعد موجودة اليوم أقلها بالنحو الذي كانت عليه، فهي تبدلّت مع تبدّل ظروف المشاهدة وشروطها. في هذا السياق، لا يُمكن نسيان عرضين أحدثا تدافعاً رهيباً آنذاك على باب الصالة: "راقصة في الظلام" للارس فون ترير و"الحياة حلوة" لروبرتو بينيني. كانت التسعينات الحلوة!

استطاعت البعثة دورة تلو أخرى تأسيس قاعدة جماهيرية لا بأس بها. استمرّ الحدث بلا توقف، حتى في أحلك الظروف الأمنية. بلا تكلّف أو شعارات مملّة، فقط بالأفلام وبعض الضيوف. يمكن القول أنّه كان ولا يزال نموذجاً للعمل الرصين الذي تقف خلفه مجموعة من الجنود المجهولين، في مقدّمهم الملحقة الإعلامية المحترمة بشرى شاهين.

كان ارتياد الـ"أمبير" آنذاك شيئاً آخر لا يمكن فصله عن النضج الشخصي للبعض منّا. كان له معنى لم يوثَّق كما يجب، وهو إن دلّ على شيء، فعلى مدى تميّز بيروت عن سائر العواصم المحيطة بنا في هذا المجال. أفلام من النمسا وبولندا والأسوج ومن جمهوريات كان الواحد منّا يجهل تحديدها جغرافياً، شقّت طريقها إلى الشاشتين في الـ"أمبير".

على مدار كلّ هذه السنوات، شاهدنا في المهرجان أكثر من ٦٠٠ فيلم أوروبي، من كلّ التيارات والـ"جانرات" واللغات والثقافات والاتجاهات، تنضوي كلها تحت لواء السينما الأوروبية. في عتمة الصالتين تلك، تشكّل الوعي السينيفيلي لكثر منّا. في أيّ مكان آخر، كان يمكن مشاهدة آخر أفلام الأخوين داردن وأوديار وبيللوكيو، وألمودوفار، ولوتش، ومعظم الذين تحوّلوا قامات كبيرة في ما بعد، ولكن كانوا في لحظة اكتشافنا لأفلامهم لا يزالون في مقتبل تجاربهم. هنا أيضاً تعرّفنا إلى هاني أبو أسعد، فلسطيني في الثلاثينات جاءنا متأبطاً فيلماً هولندياً. وهكذا دخلنا عالم لوران كانتيه سنوات قبل حصوله على الـ"سعفة" في كانّ. المشاهدة كانت فكرة يعيشها الناس في البلدان النامية بالاستعانة. ثمة أفلام كان الواحد منّا يعرفها جيداً من دون أن يكون شاهدها قط، فقط من خلال القراءة عنها. كنّا نعرف جيداً السينما الفرنسية التي لم تغب يوماً عن الصالات التجارية، وكان لكثر علاقة طيبة بالسينما الإيطالية، فهي الأخرى رافقت شباب العديد من أبائنا أيام صالات البرج. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى السينما الفنلندية واليونانية أو تلك التي في بلدان يوغوسلافيا سابقاً. ليس لأن هذه الأفلام الآتية من هذه البلدان كانت أصلاً نادرة، إنما لأنه لم تُتح لنا معرفتها بشكل ممنهج وعلى نحو تراكمي إلا في مهرجان السينما الأوروبية.

لم يحمل المهرجان إلا هذه الايديولوجيا (وضع الثقافة في قلب السياسة الخارجية لأوروبا)، خلافاً للكثير من التظاهرات السينمائية في بيروت التي أخذت لوناً سياسياً أو حملت مشروعاً يمكن التقاطهما بين السطور. كُتب له الاستمرار طوال هذه السنوات، لأنه اقتصر على العرض وعدم التعليق على العرض. القائمون عليه أرادوا لأنفسهم أن يكونوا وسطاء. لا أكثر. تركوا الأفلام تتكلّم على نفسها بنفسها، ودعوا الجمهور يسجّل اهتمامه من خلال الاقبال. وليس مفاجئاً البتة أن يكون هذا الموعد السينمائي السنوي هو الأكثر استقطاباً للمشاهدين والأعلى لجهة الايرادات بين سائر المواعيد.

باختصار، أدركنا معنى السينما الأوروبية بكلّ عظمتها. مشاهدة أفلام كبار هذه السينما غيّرت طبيعة أحاسيسنا وهذّبت ذائقتنا ومدّتنا بنمط تفكير آخر.
في السنوات الأخيرة، كنا قلنا الكثير عن آلية عمل هذا المهرجان الذي تشارك فيه سفارات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كتبنا مراراً عن تقصير بعض تلك السفارات، وعدم بذل جهود إضافية للاتيان بأحدث أفلام بلادها. اليوم، في زمن صار فيه الحصول على الأفلام سهلاً، بات يحتاج المهرجان إلى جهد أكبر للبقاء والاستمرار. لم تعد تفصل بين الفيلم والمُشاهد إلا نقرة على الكمبيوتر. قد تكون الاستقلالية عن السفارات والعمل بشكل مستقلّ خطوة أولى لإبقاء المهرجان على دوره الطليعي. أكتب هذا الكلام وأنا أعاين برنامج الدورة الـ٢٣ التي ستستمر إلى السادس من الشهر المقبل. ٣٩ فيلماً لا يمكن للمرء إلا أن يكون ممتناً للبعثة الأوروبية عليها، إلا أنّه ثمة شعور أنّه كان يمكن البرنامج أن يتضمّن أفلاماً تحمّسنا لها أكثر، سواء في كانّ أو برلين أو البندقية.

هناك مَن كان لهم حضورٌ بلا انقطاع عبر السنوات، مثل كن لوتش مثلاً (يُعرض له "أنا، دانيال بلايك" الفائز بـ"سعفة" كانّ)، إلا أنّ النواقص كثيرة جداً في قائمة لا تعبّر إلا قليلاً عن النشاط السينمائي الكبير داخل الدول الأعضاء الثمانية والعشرين في الاتحاد الأوروبي. في المقابل، خطوة إيجابية جداً الالتفاتة إلى المخرج البولندي الكبير اندره فايدا الذي رحل العام الماضي، من خلال عرض فيلمه الأحدث "افتريماج"، وأيضاً عرض "مصّاص دماء" لكارل تيودور دراير (١٩٣٢)، أول فيلم ناطق أنجزه هذا المعلّم. ولثلاث ليالٍ، يكتشف الجمهور اللبناني الأجزاء الثلاثة لـ"ليالي عربية"، إخراج البرتغالي ميغال غوميز، وهو فيلم بالغ الخصوصية، يتأرجح بين الماضي والحاضر. أتيح لـ"النهار" لقاء غوميز، وستُنشر مقابلة حصرية معه في الأيام المقبلة.

تساؤلات كثيرة باتت مشروعة عن مستقبل هذا الحدث الذي يرتبط في ذاكرتنا بالمكان البيروتي وزمانه، وهو يقترب من بلوغ الربع قرن. أهمها: كيف يجدد نفسه لاستمالة مزيد من المشاهدين، وما السبيل للقفز فوق العقبات الديبلوماسية؟ وحدها السنوات المقبلة كفيلة للإجابة. ثمة قصّة حبّ كبيرة تجمع هذا المهرجان والمكان والناس، ينبغي الارتقاء بها.

للاطلاع على تفاصيل المهرجان، الضغط هنا.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard